رنّ هاتف "أبوعمار" لكنه ليس ككل المرات، وأخذ أثناء الحديث يتحشرج صوته شيئاً فشيئاً، وسرعان ما تلعثمت الكلمات وتطايرت الحروف، "ديري بالك يا بنتي على ماما وإخواتك يوسف وخالد خليكي معاهم"، وكانت كل ألوان الطيف قد اعتلت وجهه، وأنهى المكالمة وأطرق قليلاً ثم رفع رأسه وقال: "يا شباب العمر إلكم... أخوكم رضا أعطاكم عمره".

Ad

خيّم الصمت على القسم، ونزل الخبر كالصاعقة على الجميع، فتعالت الأصوات المصدومة المكلومة، نعم... لقد رحل رضا، فحوقلتُ واسترجع البعض، وأخذ الجميع كلّ على حدة يهمهم بكلمات التوحيد والاسترجاع، صاحبتها حشرجات من الأعماق، ولم يبقَ أحدٌ إلا أمسكت به غصة تكاد تخنقه.

رحل رضا ذلك الأخ الذي كان بالأمس بين ظهرانينا، يجادل، ويناقش، ويناكف، ويضحَكُ ويُضحك، رحل رضا الذي كان يملأ القسم حيوية بـ"قفشاته" المتنوعة بين السخرية والنقد اللاذع من جهة، والتعليقات الشبابية الجميلة من جهة أخرى.

لا شك أن فراقك ترك في النفوس غصة كبيرة؛ ليس لديّ فحسب بل لدى كل الزملاء في القسم، ولكن بحكم الجوار وجلوسي إلى جانب مكتبك كنت أكثرهم سماعاً لهمهماتك وهمساتك، وكثيراً ما كنا نضحك على أشياء هم لم يسمعوها.

رضا المدخّن ليس ككل المدخنين، أعرف أنك كنت تملك النقيضين "الحب والكره" لتلك السيجارة اللعينة، تحبها لأنك كنت تنفث فيها هموم الغربة ولوعة البعد عن الأهل والأوطان، وتكرهها لأنها تنفث فيك سمومها وتأكل من صحتك كل يوم قطعة.

لافتة ممنوع التدخين في صالة التحرير كانت تؤذيك كثيراً، فكم كنت تعشق التدخين لأجل المنع، فقد جُبلت نفسك على التحدي.

أما رضا الناقد والمعلق فهو الأكثر رواجاً لدى الجميع، فما أكثر تعليقاتك الناقدة والصائبة في كثير منها برأيي على الأقل!! فعندما يدخل محرر الرياضة أراك تهمس أحياناً وتتمتم أحياناً أخرى، "وصل منتخبنا الوطني"، وعندما يدخل أحد محرري الاقتصاد يعلو صوتك "يا هاشم إيه أخبار البورصة النهاردة"... "هيّ المواشي استقبلت مين أمس"... "دا المركزي عامل عمايلو مع الشركات".

لكن عالم "رضا" الصحافي يتجلى واضحاً في المحليات والبرلمانيات، فكم كنت مبدعاً فيهما! قارئاً للحدث بعين ثاقبة ولا سيما في الكويت، فإذا ما قرأت خبراً لصحافي أخطأ في نقل حدثٍ أو في فهم تصريحٍ فسرعان ما يعلو صوتك "دا مش من البلد دي يا جدعان... هو فين والتصريح فين".

نعم كنت بارعاً في قراءة الحدث، لا يشق لك غبار في صوغ "المانشيت" من أصغر تصريح أو خبر أو تعليق أو بيان.

رحل "رضا" الأخ والصديق جسداً، لكن "رضا" الإنسان والفكر والمنهج ما زال بيننا، نراه في كل خبر وحدث وتعليق.... نراه في كل "مانشيت" قوي وصاخب.

إن "الموت هادم اللذات" حقاً، فقد أفقدنا لذة تعليقاتك وعذوبة حديثك، وعنف تقريعك لبعض الشخصيات، وشدة استهزائك ببعضها الآخر، وسخريتك اللاذعة لبعض تصرفات القادة ومواقفهم، ورهانك على أن نصر الشعوب قادم.

السطور التي تكتب فيك يا "رضا" لا تكفيك حقك، وكما أن "لكل مسمى من اسمه نصيب"، فقد كنت من المرضيين لدى الزملاء والأصحاب، وعسى أن تكون من المرضيين عند الله.

فارقتنا يا "رضا" بلا وداع، وحسبك أن من ستلقاه هو أرحم الراحمين، فليتغمدك بواسع رحمته، وليسكنك فسيح جناته.