ضمن سلسلة الكتُب التي يُصدرها الشاعر هنري زغيب عن السيرة الذاتية للمبدعين من لبنان، أَصدر أخيراً طبعة جديدة منقّحة ومزوّدة بصورٍ ووثائقَ جديدة من كتابه «سعيد عقل إن حكى»... عن منشورات درغام، وتأتي في خضم الاحتفال بمئوية ولادة الشاعر اللبناني الذي يمكن وصفه بشاعر الجدل والأساطير.

Ad

يتضمن كتاب «سعيد عقل إن حكى» 12 فصلاً عن الشاعر الكبير، بدءاً من طفولته في مدينة زحلة البقاعية، مروراً بشبابه عندما كان شغوفاً بالرياضيات وطموحه أن يكون مهندساً، قبل أن يدخل عالم الأدب والشعر، إثرَ حادث وقَع لأبيه جعلهُ ينتقل إلى عالم الكلمة ويبلغ فيه ما أصبح له من شأن وتأثير. كان والده «مجنون السخاء» كما أسماه سعيد، أُصيب العام 1927 بكارثة مالية كبيرة، فخسر ماله وغادر سعيد المدرسة ولم يتم بعد إلا الصف الثاني تكميلي عربي والثالث تكميلي فرنسي، وانصرف إلى العمل كي يؤمن مصروفه وبعض مصروف العائلة. أمام هذا الواقع المالي المرير، لم يكن في إمكانه إكمال اختصاصه كمهندس في بيروت، بل عمل في بعض مدارس زحلة أستاذاً للرياضيات بالفرنسية.

من خلال المحطات التي يبرزها الكتاب نلمح شخصية سعيد ومكوناته النفسية والثقافية والاجتماعية والمادية، فالشاعر هنري زغيب يعرض مثلاً لحادثة في طفولة عقل مع المعلّمة في سنته المدرسية الثالثة، جعلتْه يكتشف تقصير الحرف عن استيعاب اللغة، ما بقي في باله ليُطلعَ لاحقاً ثورة الحرف واللغة لاعتباره «الحرف للُّغة يتغيّر كالثوب للجسد». وإصدارُه مجموعة «يارا» باللبنانية والحرف اللاتينيّ شكّل ظاهرة أثارت جدلاً، ثَبُتَ اليوم انتشارُها في لغة التخاطب الإلكتروني. لكن ما لم يقله زغيب إن عقل تخلى عن مشروعه بعد فشله في الرواج ثقافياً، والكتابة الإلكترونية ليست أكثر من نهاية اللغات كافة، ولا تنتج ثقافة.

محطات بارزة

أبرز المحطات في حياة سعيد عقل تصميمُهُ ألاّ ينزل إلى بيروت إلا عالي الثقافة الأدبية، بعد اطّلاعه في مكتبةِ ضابط فرنسي في زحلة على روائع الأدب العالمي. ومن عبارة قالها في حضوره الشاعر صلاح لبكي لصديقه الشاعر بولس سلامة في محكمة زحلة، أضمرَ أن يكونَ شاعراً غير عاديّ، تأثَّر به لاحقاً «حتى الأكبرُ منه» بشهادة فؤاد أفرام البستاني وكثيرين سواه. والمحطة التي أثارت جدلاً ولا تزال في حياة سعيد عقل تقاضيه، منذ مطلع حياته الأدبية، بدَلاً مالياً لمحاضراته وأمسياته، ولنشر قصائده منذ «المكشوف» التي كانت كبرى مجلات بيروت الأدبيّة، ما كان جديداً على رفاقه في تلك الحقبة، وتبرير سعيد لحق الشاعر أو الكاتب في تقاضي الأموال هو أنه كيف للمهندس أن يأخذ أجره ثمن الخارطة والمحامي يأخذ ثمن الاستشارة، وعلى هذا لا بدّ للكاتب أن يكون متساوياً مع الآخرين.

ثمة محطات سعيد عقلية تظهر عنفوان هذا الشاعر، فهو رفض إلقاء خطاب في طرابلس إلا بعد إنزال صورة الرئيس بشارة الخوري من صدر القاعة. والمحطات الأخرى هي علاقته بالأرقام، فقد كان يكتب مقالاته في «الصياد» و{لسان الحال» و{الجريدة» وسواها ويُضَمّنها معلوماتٍ وإحصاءات جعلت غسان تويني يكتبُ يوماً أنّ «سعيد عقل يصدُم بالأرقام». يقال إن صحف بيروت هللت لرقم موازنة أطلقه رئيس الجمهورية الراحل فؤاد شهاب وبإزاء هذا كتب سعيد عقل فقرة قصيرة بعنوان «هذا رقم التعتير»، فخجِل المهلّلون وغيَّر رئيس الجمهورية رأيه في مشروعه.

هذا دون أن ننسى محطاته الأدبية مثل حضوره سهراتٍ أدبيةً عند شارل قرم، كانت تنتهي غالباً مشياً في الليل حتى الجامعة الأميركية، ولا ننسى أن عقل أثّر بشدة في الجوّ الأدبيّ في بيروت الأربعينات.

يلقي الكتاب الضوء على محطات أخرى كثيرة في حياة الشاعر من بينها، صدورُ رائعته «قدموس» في طبعةٍ فاخرة بخمسين ليرة ونفادُها في الأسبوع الأول، صدور مجموعته الشعرية «رندلى»، هو أوّل ديوان بالعربية مخصّص بكامله للغزل، انحباسُهُ بسبب المطر ثلاثة أيام داخل فندق في طهران، وملازمتُه غرفتَه بترجمة «رباعيات الخيام» شعراً إلى اللبنانية، في هامش الصفحة مع ترجماتها العربية والفرنسية والإنكليزية، فضلاً عن صداقتِه مع عاصي ومنصور الرحباني وبات مستشارهما الأول، واعترافِهما بتأثيره على شعرهما وكثير من مبادئهما في الفن والحياة، ناهيك بحادثته مع الشاعر السنغالي الرئيس ليوبولد سيدار سنغور، وحادثة أخرى مع الشاعر التركي ناظم حكمت، قام معهما بما عجز عنه أركان الدولة.

عالج هنري زغيب محطّات مفصليةً في سيرة سعيد عقل في فصول كتابه الذي يضُمُّ مجموعةً صور ووثائق جديدةٍ، و40 قصيدة نشرها سعيد عقل للمرة الأُولى في مجلة «الأوديسيه» التي كان يصدرها هنري زغيب وضمَّها اليوم إلى كتابه هذا كي لا تظلّ محصورةً في أَعداد مجلته المحتجِبَة، خصوصاً أن هذه القصائد لم تصدر في أي مجموعة من كتب عقل. السؤال، أين محطات سعيد عقل السياسية ومشكلته مع الغرباء في لبنان وعلاقته بالحزب السوري القومي الاجتماعي؟

من قصائده

لبنـــان

من أين

يـا ذا الذي استسمتـه أغصـانُ

من أين أنت فداك السرو والبـانُ

إن كنت من غير أهلي

لا تمر بنا

أوْ لا... فما ضاق بابن الجار جيرانُ.

ومن أنا

لا تسَلْ

سمراءُ...

منبتُها في ملتقى ما التقت شمسٌ وشطآنُ

لي صخرة عُلِّقت بالنجم،

أسكنها

طارت بها الكتب

قالت:

تلك لبنان...

توزعتْها همومُ المجد

فهي هوىً

وكْرُ العقابين تربى فيه عقبانُ

أهلي ويَغْلون

يغدو الموتُ لعبتهم

إذا تطلَّع صوب السفح عدوانُ

من حفنة وشذا أرزٍ كفايتُهم

زنودُهم إنْ تُقِلَّ الأرضُ أوطانُ

هل جَنَّةُ الله إلا حيثما هَنِئَتْ عيناك!!

كلُّ إتَساع بَعْدُ بُهتانُ.

هنا ..

على شاطئ

أو فوق... عند رُبىً

تفتَّح الفكْر

قلتَ الفكر نسيانُ

كنا و نبقى

لأنّا المؤمنون به

وبعد ...

فلْيَسَعِ الأبطالَ ميدانُ.

نسمت

نسمت من صوب سوريا الجنوبُ

قلتُ هلَّ المُشتهى

وافي الحبيبُ

أشقرٌ

أجمل ما أشعثت الشمس

أو طيّرت الرّيح اللّعوبُ

شعرٌ...

أغنيةٌ قلبي له

وجبينٌ كالسَّنا عالٍ رحيبُ

أنا إن سألتُ أيٌّ مضَّني؟

قالت القامة حبّكَ لي عجيب

مثلما السهل حبيبي يندري

مثلما القمّة يعلو ويغيب

وبه من بردى تدْفـاقُه

ومِن الحرمون

إشراقٌ وطيبُ

ويحَه ذاتَ تلاقينا على سندس الغوطة

والدنيا غروبُ

قال لي أشياء لا أعرفها

كالعصافير... تنائي وتؤوبُ

هو سمَّاني أنا أغنيةً

ليتَ يدري أنه العود الطروبْ.

من بلادٍ سكْرةٍ قال لها

تربةٌ نايٌ ونهرٌ عندليبُ

ويطيب الحبُّ في تلك الرُّبى

مثلما السيف: إذا مُسَّتْ يَطيبُ.