تبدو وردة الجزائرية من خلال سيرتها شخصية كوزموبوليتية، فهي ولدت عام 1939 في باريس حيث كان والدها محمد فتوكي يملك فندقاً صغيراً ومطعماً يقدم وجبات جزائرية، وتقدّم فيه فرقة موسيقية أغنيات بالفرنسية والعربية، وكانت والدتها، وهي بيروتية الأصل من آل يموت (تزوجت «خطيفة» من والد وردة)، من هواة الغناء العربي فعشقته وردة وأجادت الغناء بالفرنسية.بدأت وردة تغني في مطعم والدها أغاني اسمهان، وحلّقت في أغنية «فرق ما بينا ليه الزمان»، فذاع صيتها وسط العرب الذين كانوا يمضون الصيف في باريس. وذات يوم غنت أمام الموسيقار محمد عبد الوهاب «قالوا لي هان الود عليه» فأثنى عليها.
كان محمد فتوكي أحد رجال المقاومة الجزائرية، وفي عز معركة الجزائر لنيل استقلالها هاجمت الشرطة الفرنسية مطعمه ووجدت فيه أسلـحة خاصة بالثوار الجزائريين فأغلقته. كانت هذه الحادثة سبباً لسفر وردة إلى لبنان، بلد والدتها، العام 1957 وهي في السادسة عشرة من عمرها، فنزلت في فيللا في منطقة «رأس الجبل» في مصيف عاليه.بيروت قبلة الفنانينكانت بيروت في تلك الفترة إحدى أبرز العواصم العربية الفنية والسياحية، ومركز أهم الملحنين اللبنانيين من بينهم: فيلمون وهبي، عفيف رضوان، فضلاً عن الملحن السوري محمد محسن، الذي كان مقيماً في لبنان. فقصدتها وردة طمعاً بالحصول على أغنيات خاصة لها، وما شجعها على ذلك أن فيلمون وهبة كان أكثر الملحنين حماسة لقدومها إلى لبنان من باريس، فلحّن لها أغنية «نور عيوني»، ولم يكتف بذلك بل دعاها إلى فندق «طانيوس» الشهير في مصيف عاليه، وكان فيه ملهى ليلي راقٍ، توالى على الغناء والرقص فيه نجوم أبرزهم: صباح، شادية، نعيمة عاكف، سامية جمال ونادية جمال.بعد ذلك غنّت وردة أغاني عاطفية وأناشيد وطنيّة لكبار الملحنين من بينهم: عفيف رضوان فليمون وهبي ومحمد محسن. ولم تنس كفاح قومها في الجزائر فغنّت في سورية «أنا من الجزائر وأنا عربية»، ثم جسدت مأساة المناضلة جمـيلة بوحريد في أغنـية «جميلة، كلنا جميلة» التي كانت جواز دخولها إلى مصر.ذاع صيت وردة بعدما أدّت أغنيات للثورة الجزائرية في إحدى الحفلات التي أحيتها في سورية ونقلت على الهواء في مصر، فسمعها المنتج والمخرج حلمي رفلة وتحمس لصوتها، وسافر مع الفنان عمر الشريف إلى لبنان وعرضا عليها تمثيل فيلم «ألمظ وعبده الحامولي» مع المطرب عادل مأمون فوافقت وانتقلت إلى مصر لتصوير الفيلم.علاقة مع المشيرفي بداية الستينيات، ومع اتساع شهرتها طلب الرئيس جمال عبد الناصر أن يسند إليها أداء مقطع في أوبريت «وطني الأكبر». إلا أن وردة تعرضت في تلك المرحلة العابقة بالأحلام والأحداث، إلى أسوأ عملية تشويه نالت من سمعتها. ففي خلال الوحدة بين مصر وسورية كان المشير عبد الحكيم عامر، وزير الحربية آنذاك، عائداً إلى دمشق بعد رحلة إلى مصيف بلودان، فالتقى صدفة وردة الجزائرية قرب سيارتها المعطلة وهي في طريقها إلى دمشق، فأمر بتوصيل السيدة إلى المكان الذي تريده.كانت وردة آنذاك غير معروفة في مصر، فعرّفت بنفسها أثناء الحديث وألحت أن تنقل للمشير رغبتها في مقابلته لتقدم له الشكر. بالفعل حضرت إلى استراحته في منطقة أبو رمانة بدمشق. كان اللقاء في وضح النهار وكان برفقة المشير في الاستراحة أنور السادات واللواء أحمد علوي وعبد الحميد السراج.بسرعة البرق وصل تقرير سري لهذه المقابلة إلى مكتب الرئيس عبد الناصر، فانطلقت إشاعات في العالم العربي حول وجود علاقة بين وردة وبين المشير. بلغت الإشاعات أوجها حين تحولت من مجرد إشاعات تلوكها الألسن إلى مادّة للفكاهة والدعابة، فبعد نجاح الثورة اليمنية واستتباب الأمر لقائدها عبدالله السلال، منح نفسه رتبة المشير فسرت نكتة بأن السلال بعث ببرقية عاجلة لعبدالناصر قال فيها: «لقد رقينا لرتبة مشير... فابعثوا لنا وردة»، ولم يكن المقصود المطربة وردة.انفصال وزواجاعتزلت وردة الغناء لسنوات بعد زواجها من جمال قصيري وكيل وزارة الاقتصاد الجزائري، إلى أن الرئيس الجزائري هواري بومدين طلبها لتغني في عيد الاستقلال العاشر لبلدها عام 1972، فعادت إلى الغناء بعد انفصالها عن زوجها وسافرت إلى مصر وبدأ نجمها يسطع مجدداً، فتزوجت الموسيقار بليغ حمدي الذي أعاد إليها بريق الشهرة من خلال ألحانه وبدأت معه مرحلة جديدة وكونا ثنائياً فنياً لن يتكرر، وغنت له أغاني طربية رسمت لها لوناً غنائياً جميلا.أحيت وردة حفلات في الدول العربية وزارت لبنان في بداية التسعينيات بعد نهاية الحرب الأهلية، وغنت على مسارحه أغنية «لبنان السلام»، وفوجئ الجمهور بأنها تجيد غناء العتابا والميجانا، فما كان منها إلا أن خاطبته قائلة إنها نصف لبنانية لأن والدتها من هذا البلد المضيف.مهرجانات بعلبك الدوليةبعد انقطاع عن الغناء استمر خمس سنوات بسبب ظروف صحية قاسية ألمت بها، عادت وردة إلى الساحة الفنية عام 2008 ووقفت وسط هياكل بعلبك مختتمة فعاليات «مهرجانات بعلبك الدولية» في حفلة أعادت فيها الحضور الى زمن الغناء الأصيل، وأدت على مدى ساعتين ونصف الساعة مجموعة من أغانيها التي حفرت عميقاً في الذاكرة اللبنانية خصوصاً والعربية عموماً، وحملت توقيعات عمالقة التلحين أمثال: محمد عبد الوهاب ورياض السنباطي وكمال الطويل ومحمد الموجي وبليغ حمدي.يذكر أنها كانت المرة الثانية التي وقفت فيها وردة على مدارج مدينة الشمس وكانت الأولى عام 1994.أثنت وردة على المهرجانات قائلة: «شرف لي الوقوف على خشبة مهرجانات بعلبك وقد رفضت الكثير من الحفلات وعودتي مهمة من خلاله». أضافت: «منظر القلعة وهياكلها جميل، ما إن دخلتها حتى شعرت بشيء من الرهبة وأنا أقف أمام عظمة شعب قديم وما خلفه من قيمة حضارية ومجد شاهد على التاريخ».
توابل - مزاج
الفنانة الكوزموبوليتية من أم لبنانية
22-05-2012