تعتمد عوائد وكلاء تأسيس شركات «الأوفشور» على ما يقدم من خدمات تتجاوز التأسيس، وهي عملية تعزز هوامش الربح لكنها تتطلب مجموعة عمل ذات مهارة عالية، ومعظم هذه الجهات تقدم «خدمات ترشيح» بأن تجعل من موظفيها مديرين وملاكاً قانونيين أو مفوضين للتوقيع المصرفي نيابة عن العملاء الراغبين في السرية.

Ad

ليس عليك سوى كتابة عبارة "تأسيس شركة" على محرك بحث على شبكة الإنترنت، إذ ستجد أمامك خيارات لا تعد ولا تحصى، وستفاجأ أن هناك المئات ممن يطلقون على أنفسهم "وكلاء التأسيس" يطرحون خدماتهم على الشبكة العنكبوتية، ويعرضون استعدادهم لتأسيس شركات ومؤسسات بمبالغ زهيدة وبطرق سرية وبقدر ضئيل من الإجراءات، وفي بعض الحالات بقدر أدنى من الوثائق والمستندات وبشكل يغطي أي مكان من العالم تقريباً.

كل ما يحتاجه العميل هو الضغط فحسب على كلمة الشركة المرغوبة، وربما بعد تقديم بعض المعلومات الإضافية مثل حساب مصرفي وبطاقة ائتمان "أوفشور" مع بريد لتلقي المراسلات، سينتقل إلى جملة من الخيارات المتاحة والواسعة.

سيصبح في وسعك شراء شركة في سيشل لقاء مبلغ يصل إلى 349 جنيهاً إسترلينياً (560 دولاراً أميركيا)، وتتمتع بأنها معفاة تماما من الضرائب المحلية، ومحمية من كشف أسماء المديرين أو المساهمين والشركاء، وليس هناك مطالبات بضرورة عرض حسابات الشركة أو تقديمها إلى جهة معينة.

يرتفع سعر شراء الشركة إلى 5000 جنية إسترليني إذا رغبت في الحصول على بنية مؤسساتية أكثر تعقيداً في أماكن مثل سويسرا ولوكسمبورغ.

تؤدي الدعاية السيئة إلى تبني العاملين في تلك الصناعة إلى الاستخدام الخجول لأسلحتهم وأدواتهم، فأسماء أغلب مزودي خدمة "تأسيس الشركات" تكاد تكون سرية وغير معلنة، ويحرص العاملون فيها على عدم الإفصاح عن تفاصيل تجارتهم وأعمالهم، غير أن مقابلات أجريت مع بعض الأسماء الكبيرة- وفي معظم الحالات يشترطون عدم الكشف عنها- ترسم صورة لصناعة تطاردها الإجراءات واللوائح والأنظمة، لكنها تحقق رغم ذلك تحقق عوائد عالية. وهي صناعة تخضع لقوى وعوامل تجارية مألوفة مثلما حدث مع العولمة (صعود العميل الآسيوي في حقبة الفوران الآسيوية) ومع حصولها على الدعم والتقوية (في ضوء ترتيبات شهدت جرأة تكوين شركات حقوق الملكية الخاصة على مستوى العالم).

حفنة الكبار

لاشك أن الإحصاءات في هذا المجال نادرة، كما أن التوصل إلى العدد الإجمالي لموردي خدمات تأسيس الشركات يكتنفه المصاعب، ويرجع ذلك بشكل جزئي إلى كون بعضهم يقوم بهذا العمل بصورة جانبية غير منظورة، كما أنه لا توجد جمعية أو منظمة عالمية تتحدث باسم هذه الصناعة، لكن البنك الدولي يقول في تقارير إن ما يصفه بالمركز المالي الكبير "الأوفشور" يضم عدداً يتراوح بين 80 - 120 شركة. وفي ولاية ديلاور، وهي موقع بارز في السوق الأميركية، لديها أكثر من 300 شركة مزودة لتلك الخدمة.

ويتربع على قمة السوق العالمي لـ"تأسيس الشركات" حفنة من كبار المزودين للخدمة، ويضخون عشرات الآلاف من الشركات كل سنة، وبعضها يقدم مراكز اتصال، عبر شبكة الإنترنت، تطرح خدماتها على مدار الساعة. ويوجد تحت هذا العدد طائفة واسعة من المشغلين الأصغر حجماً، والعديد منهم يعملون عبر الإنترنت ويراوحون بين مَن يعملون بصورة مشروعة وأولئك الذين يراوغون ويحتالون على العملاء.

وكما هي الحال في أي صناعة يشتمل "تأسيس الشركات" على خليط من باعة الجملة والتجزئة، ويقوم باعة الجملة مثل "أوفشور إنكوربوريشنز ليمتد"، التي تتخذ من هونغ كونغ مقراً لها، ببيع شركات تتنوع بين قانونية ومحاسبية ومصرفية ومؤسسات أخرى بالإضافة إلى مؤسسات لإعادة البيع عبر الشبكة العنكبوتية. ويقول المدير التنفيذي مارتن كراوفورد إن السمعة لها أهمية كبيرة في هذه الشريحة من الشركات داخل السوق.

ويرى جيسون شارمان، البروفيسور الأسترالي الذي يقوم بدراسة هذه الصناعة، أن أكبر شركتين موردتين لخدمات شركات "الأوفشور" تستحوذ كل منهما على 10% من السوق العالمي، أما أسواق تأسيس الشركات الداخلية الأخرى "الإنشور" فهي أكثر تركيزاً. وتهيمن شركتان في ولاية ديلاور على ثلثي الشركات الموجودة في الولاية: "سي تي كوربوريشن" (وهي جزء من شركة "ولترز كلاور" الهولندية) و"سي إس سي" وذلك على الرغم من أن موقعي الشركتين على الإنترنت لا يعطيان سوى دلالات ضئيلة للغاية حول هذا الأمر، ويركزان فقط على استعراض الخدمات الأقل إثارة للجدل.

جزر عذراء

ومن بين المتنافسين على المركز الأول في ميدان "شركات الأوفشور"، هناك "أوفشور إنكوربوريشينز ليمتد" في هونغ كونغ التي استفادت من الولع الآسيوي بالشركات في جزر فيرجين البريطانية (وهي من حيث القيمة الدفترية تمثل ثاني أكبر مستثمر في الصين في سنة 2010 بعد هونغ كونغ)، ويقال أيضاً إنها أقامت أكثر من 10 آلاف شركة من شركات جزر فيرجين البريطانية BVI في السنة لعملاء آسيويين، لدرجة أن المستثمرين الصينيين يستخدمون حروف BVI (جزر فيرجين البريطانية) على شكل مرادف لمفهوم "شركات الأوفشور".

ومن الأسماء الشهيرة أيضاً "أوكرا وورلدوايد"، التي تتخذ من جزيرة "آيل أوف مان" مقراً لها، وهي برئاسة اللورد سانت جون أوف بلستو والتي لم ترد على طلب إجراء مقابلة. ويقول موقعها على الإنترنت إن موظفيها الـ350 يبيعون أكثر من 30 ألف شركة سنوياً تنتشر في عشرين موقعاً بما في ذلك موريشيوس وسيشل. وكانت مؤسسة أخرى في الجزيرة نفسها وهي "آي إل إس فيديوسيريز" أكثر تجاوباً، ويقول رئيسها كريس إيتون إن الشركة التي تخصصت في إعداد "بنية الضرائب الفعالة" تنشط في سلع الإنتاج الضخم والبيع بسعر رخيص، وكذلك في شركات المنتجات الراقية الخاصة التي توفر خدمات أكثر جودة لمجموعات مختارة من الزبائن. كما يوجد في بنما أيضاً بعض كبار مزودي خدمات تأسيس الشركات بما في ذلك شركتان للقانون، وهما "مورغان أند مورغان" و"موساك فونسيكا" التي يعتقد أنها رائدة في هذه الصناعة.

ثمن السرية

لا يمكن اختراق معظم الحسابات المالية في هذه الصناعة، كما يقول إيتون، الذي يعتقد أن أغلبية أصحاب الشركات العاملة فيها يعملون على أساس هوامش تتراوح بين 5 و10% وترتفع إلى ما بين 25 و30% بالنسبة إلى الشركات التي تقدم استشارات ومخططات عقارية.

وتعتمد العوائد إلى حد كبير على ما إذا كان المزود يقدم خدمات تتجاوز التأسيس النزيه للشركة، وهي عملية تعزز هوامش الربح والعوائد لكنها تتطلب مجموعة عمل ذات مهارة عالية. ومعظم هذه الجهات تقدم "خدمات ترشيح" بمعنى أنها تجعل من موظفيها مديرين وملاكاً قانونيين أو مفوضين للتوقيع المصرفي نيابة عن العملاء الراغبين في السرية.

ويقوم البعض الآخر بإعداد كشوف الرواتب والفواتير والإيصالات وخدمات السكرتارية الأخرى. وإذا دفعت 1300 دولار إضافية في السنة إلى شركة "أوكرا" تستطيع الحصول على عنوان على البريد الإلكتروني في جزيرة "آيل أوف مان". ويركز بعض الشركات مثل "أورانجفيلد" الهولندية وكذلك "إنترتراست" السويسرية بشكل رئيسي على سوق تقديم خدمات السكرتارية للشركات، ويقول جويب برونز وهو رئيس "أورانجفيلد": "نحن نعتني بالحديقة... التي زرعها آخرون".

ويقال إن أكبر الشركات في هذه الصناعة تحقق أرباحاً سنوية تراوح بين 20 و80 مليون دولار، وقد رفضت شركة "أوفشور إنكوربوريشنز ليمتد" تأكيد تقرير ذكر أنها حققت أرباحاً بلغت 25 مليون دولار في سنة 2009. ويقول كراوفورد إن عدد الشركات المؤسسة يزداد سنوياً منذ إنشاء شركته في منتصف الثمانينيات من القرن الماضي.

رأسمال زهيد وعوائد مغرية

الجانب الجذاب لهذه الصناعة يتمثل بالدخل ذي المعدل السنوي الناجم عن التجديدات التي تطلبها الشركات. وذلك لأن ما يدفعه العميل يكون مقدماً عن السنة الأولى فقط، ويقدر المبلغ المتخصل عن عمليات إعادة تجديد تسجيل الشركات عن كل سنة لاحقة بنحو 80% من المبلغ المسدد في السنة الأولى. وإذا اعتبرنا أن متوسط عمر شركة "الأوفشور" يصل إلى خمس سنوات، فإن وكيل تأسيس الشركة الذي يتقاضى نحو 500 دولار في السنة الأولى لتأسيس الأفشور يتوقع أن يحصل على 1600 دولار في ما بعد (وبالطبع فإن هذا المبلغ يتضمن حصة طفيفة من الرسوم الرسمية التي تدفع للتسجيل).

ويضفي هذا الدخل صورة جذابة على هذه الأعمال بالنسبة إلى شركات حقوق الملكية الخاصة، وذلك على الرغم من حذر البعض من تلك النوعية من الشركات التي يثار بشأنها تساؤلات ولا تتمتع أحياناً بسمعة طيبة. ويرى أولئك الذين انخرطوا في تلك الأنشطة أن من الجوانب المشجعة في صناعة "تأسيس الشركات" تتطلب القليل جداً من رؤوس الأموال لكنها تدر عوائد جيدة ومغرية في الوقت نفسه.

ملاذات ضريبية آمنة

وكانت مجموعة "كارلايل" ذات الإدارة الأميركية من أوائل المستثمرين، حيث عمدت إلى شراء "أوفشور إنكوربوريشنز ليمتد" في سنة 2004 ثم باعتها العام الماضي إلى "آي كي انفستمنت بارتنرز"، وهي شركة إسكندنافية لقاء مبلغ يقدر بما يتراوح بين 250 و300 مليون دولار وحققت ما يعتبره البعض أرباحاً وفيرة من جراء هذه الصفقة. وقامت مجموعة "ووترلاند" الهولندية في سنة 2009 بشراء "إنترتراست" من الحكومة الهولندية بأقل من السعر المطلوب فيها والذي قدر بنحو 350 مليون يورو. وقد نالت الحكومة تلك الشركة عندما قامت بتأميم الشركة الأم المعروفة باسم "فورتيز" غير أنها سارعت إلى بيعها والتخلص من ملكيتها عندما أدركت أنها متخصصة في مساعدة الأثرياء على خفض ما يسددونه من ضرائب واستحقاقات ضريبية إلى مستويات متدنية للغاية.

وقد ساهمت عمليات الاندماج والاستحواذ التي دعمتها شركات حقوق الملكية الخاصة في بناء مجموعات أكبر وأكثر فعالية وكفاءة في تلك الصناعة، وقد فرض ارتفاع تكلفة القيود القانونية وتقنيات إدارة المستندات أعباء إضافية على صغار المزودين لخدمات تأسيس الشركات بصورة غير متكافئة، وبات في وسع الشركات الكبيرة التكيف بشكل أفضل مع عملاء مثل شركات المحاماة والمحاسبة التي تطالب بحسومات عندما تشتري "الشركات المراد تأسيسها" بالجملة.

ورغم أن زيادة التدابير التنظيمة وتشديدها يعني أن الطلب قد يقل وتنخفض وتيرته في أجزاء من العالم الثري، فإن هذه الصناعة تشهد ازدهاراً بين عدد من العملاء في مناطق متنوعة في العالم لاسيما آسيا وأميركا اللاتينية والشرق الأوسط، حيث يسعى العميل إلى الحصول على تيسيرات ضريبية وحماية للأصول وتأسيس بنية قانونية قوية للتجارة والاستثمارات الدولية. وكانت "أوفشور إنكوربوريشنز ليمتد"، التي أصبحت بحكم وجود مقرها الجديد في هونغ كونغ، أول من استفاد من ذلك، بينما سارعت شركات أخرى إلى التوسع في آسيا، ففي الصين حالياً يوجد 9 من بين 44 مكتباً تملكها شركة "موساك". ويقول روبرت ماثافيوس وهو المنظم المالي المسؤول في "جزر فيرجين البريطانية BVI إن الطلب القوي من جانب الشرق الأقصى كان عاملاً قوياً في انتعاش تلك الجزر منذ سنة 2010، كما تتمتع جزر كايمان بشعبية من قبل العملاء الآسيويين أيضاً.

نزعة "الميدشور"

وكما هي الحال مع توجه قاعدة العملاء نحو الشرق فإن أنشطة "تأسيس الشركات" تمضي في المسار نفسه، أما النزعة الجديدة الواسعة النطاق فتتمثل بصعود ما بات يعرف بالمراكز المالية الـ"ميدشور"، وهو ما يدمج بين الشركات المؤسسة في الداخل وشركات "الأوفشور". ولعل أكبر مثال على ذلك يبدو جلياً في سنغافورة وهونغ كونغ (حيث تجمع بين سمات الضرائب المنخفضة والحفاظ على السرية) لكنها في الوقت نفسه لديها أنظمة قانونية قوية والكثير من المعاهدات والاتفاقيات المعنية بمنع الازدواج الضريبي.

وقد ساعد ذلك سنغافورة على وجه الخصوص في استقطاب الكثير من الأعمال والمشروعات والعملاء التي هربت من جزر "شانيل" وغيرها من الملاذات الأوروبية.

ولاشك أن الدول الأخرى التي تسعى إلى دخول هذا الميدان ستجد سهولة في تجاوز الحدود والمعوقات، حيث يمكن تقليد قوانين الشركات ونسخها، مثلما حدث مع جزر "فيرجين" البريطانية، التي تجني نصف عوائدها الحكومية عن طريق تسجيل الشركات وخدمات المتابعة، فقد قامت جزر أخرى بنسخ قانون الشركات والتشريعات المطبقة فيها حرفيا كلمة بكلمة، حتى إنها نقلت ألفاظاً وأسماء بها أخطاء هجائية دون تصحيح.

صناعة تأسيس الشركات تعشق المنافسة، هكذا تقول القاعدة، فكلما زادت الضغوط التنافسية التي تشعر بها الجهات المختصة مالت إلى فرض رسوم أقل، وهكذا تسير الأمور، فالصناعة اعتادت على أن هناك مراكز "أوفشور" صغيرة تلاعب بعضها بعضاً... وعلى سبيل المثال عندما رفعت جزر البهاما رسومها، قامت شركة "أوفشور إنكوربوريشينز ليمتد" وغيرها من الشركات المتخصصة في هذا المجال بإقناع جزر "ساموا" بإعادة كتابة قوانينها وتعديلها في غضون 3 أسابيع فقط بما يسمح للشركات المؤسسة في جزر البهاما بالانتقال بسهولة إلى جزر "ساموا" التي أشادت بها أوساط صناعة تأسيس الشركات باعتبارها منصتاً جيداً للنصائح.

ورغم المنافسة الحادة، فإن هناك بعض الشركات تتخصص في رعاية اللاعبين الجدد الذين ينضمون إلى نادي "تأسيس الشركات، وفي بعض الحالات تمضي إلى حد عرض المساعدة على كتابة التشريعات الضرورية لها وضمان العثور على مشترين لأول ألف شركة حتى ينطلق اللاعب الجديد بأمان!

جزر «الأفشور»... عالم وهمي وصناعة مزدهرة

للشركات شخصية قانونية ويتم سنوياً تأسيس ما يصل إلى مليوني شركة في أميركا، وفقاً لمحققين في مجلس الشيوخ. وتؤسس في بريطانيا وحدها ما يقرب من الـ300 ألف منها حوالي 250 ألفا في مواقع "أوفشور"، حسب دراسة أعدها جيسون شارمان من جامعة غريفيث في أسترالي، والذي عكف على بحث وتحليل هذا القطاع من الأعمال التجارية. وقد سجلت جزر "فيرجين" البريطانية وحدها 59 ألف شركة جديدة في سنة 2010، ويوجد فيها 457 ألف شركة عاملة حتى شهر سبتمبر الماضي، أي أكثر من 16 شركة لكل واحد من سكانها البالغ تعداهم 28 ألف نسمة.

العديد من تلك الشركات قد يكون حقيقياً ولها مكاتبها وجهازها من الموظفين في مواقع عدة من العالم. غير أن كثيراً منها مجرد شركات إسمية تضم بعض "المديرين المرشحين" (من جانب الشركات المؤسسة نفسها)، وهي ليست ملزمة بنشر حساباتها. ومن شأن ذلك المساعدة على منع الجهات الخارجية من معرفة أعمال تلك الشركات وما لديها من أصول أو من يشرف عليها وإلى من تعود ملكيتها حقاً.

شركات "الأوفشور" قانونية بصورة تامة وقد تعمد الشركات إلى استخدامها خلال عمليات الاندماج ووضع الأصول في صفقات معقدة أو لتفادي التعرض لملاحقات قضائية أمام محاكم فساد. وفي وسعها حماية الأسرار التجارية وعدم كشف أسماء المديرين كما توفر مرونة للمستثمرين والشركاء الذين يحتاجون إلى التحرك بسرعة داخل الأسواق.

ولكن يمكن أيضاً أن يساء استخدامها- من أجل التهرب من الضرائب وغسل الأموال واجتناب العقوبات أو دعم الإرهاب. وعمد تقرير بعنوان "أسياد العرائس المتحركة" الذي صدر عن البنك الدولي السنة الماضية إلى التحقيق في 817 من قضايا الفساد الضخمة في الفترة ما بين 1980 و2010 وقد استخدمت كلها بشكل تقريبي شركات "الأوفشور" التي يصفها روبرت بالمر من "غلوبل ويتنس" بأنها "أداة غسل أموال أساسية".

ويرجع أحد أسباب انتشار هذه الشركات إلى الحملة التي تقودها الولايات المتحدة ضد غسل الأموال، وذلك لأن القوانين الجديدة تجعل من المستحيل بالنسبة إلى شخص ما القيام بفتح حساب مصرفي باسم مجهول ونتيجة لذلك أصبحت شركات "الأوفشور" الطريقة الأسهل لإخفاء الهوية.

وقد كشف اتهام "بنك ويغلين" السويسري الخاص حديثاً بمساعدته الأميركيين على التهرب من الضرائب، النقاب عن وجود شركات "زائفة" تأسست في أماكن مثل بنما وليخيتنشتاين من أجل إخفاء هوية عملاء البنك، كما تم اكتشاف العديد من الشركات بما في ذلك شركات عملاقة عالمية مثل "بي أي آي سيستمز"، وهي تستخدم شركات "أوفشور" من أجل دفع رشاوى إلى مسؤولين تحت اسم شركات استشارية.

ومعظم اللوم يقع على السلطات المختصة في تلك الجزيرة الصغيرة النائية التي غالباً ما توصف بأنها "أماكن مشمسة لأشخاص غامضين مشبوهين"، ومع ذلك فإن أكبر المدافعين عن ذلك هي تلك الدول التي تفاخر بكونها مراكز النزاهة المالية.

وعلى عكس معظم مواقع وجزر "الأوفشور"، فإن بريطانيا لا تفرض لوائح ولا تنظيمات تتعلق بعمل وكلاء "تأسيس الشركات"، وهي تسمح حتى للشركات بأن تتأسس على قاعدة "السهم لحامله" والتي تعني أن الشركات تخص- شأنها شأن المبالغ النقدية– من يملكها في حينها. وقد ألغت معظم الدول هذه القاعدة نتيجة ضغط جهات التنظيم المالية الدولية، غير أن أحد مواقع الإنترنت البريطانية يعرض استعداده لتأسيس شركة بريطانية "أوفشور" تصبح مملوكة لصاحبها في اليوم ذاته وذلك لقاء مبلغ زهيد لا يتجاوز 142 جنيهاً (أي ما يعادل 227 دولاراً) خلال فترة من 4 إلى 6 ساعات.

وتتسم العملية بتساهل أكبر في الولايات المتحدة، فأمور تأسيس الشركات هو شأن يخص الولاية وليس الحكومة الفدرالية. ولا يخضع "وكلاء تأسيس الشركات" تحت مظلة قوانين محاربة غسل الأموال، كما لا يطلب منهم التبليغ عن أنشطة مشبوهة لشركات قاموا بتأسيسها أو إدارتها، وقد كشفت وكالة رويترز للأنباء أن وكلاء لديهم سجلات مرعبة كفيلة بأن تعرض عملياتهم للحظر والملاحقة القضائية، ولكن مع ذلك فإن بوسعهم استئناف نشاطهم من جديد في غضون مدة قليلة.

وملاحقة المالك الحقيقي لشركة خاصة في أميركا أكثر صعوبة نسبياً من أي مكان آخر في العالم. كما أن بعضاً من "وكلاء تأسيس الشركات" هناك لا يطلبون حتى وثائق هوية ناهيك عن التحقق منها، وهو الأمر الذي كشفه الباحث جيسون شارمان من جامعة غريفيث الاسترالية حين تظاهر أمام عدد من هذه الشركات بأنه يود القيام بعملية غسل أموال، وأورد ذلك في كتابه بعنوان "غسل الأموال". وبين شارمان أن واحدة من كل 8 شركات "أوفشور" فاسدة كشفها البنك الدولي كانت قد تأسست في أميركا، كما لم تسفر محاولات إصلاحها عن أي نتيجة.

ويشعر وكلاء تأسيس شركات "الأوفشور" بانزعاج شديد بسبب ذلك، فقد شددوا من المعايير المطبقة تحت ضغوط من جانب دول كبرى لا تمارس هي نفسها ما يدعون إليه، والأسوأ من ذلك أنها الآن تسرق أعمالهم.

ويتحدث راؤل كاسترو من "مورغان أند مورغان" في بنما عن "إحساس كبير بالظلم" وتطالب الدول الكبرى بصورة متزايدة في الوقت الراهن أن تثبت شركات "الأوفشور" مصداقيتها في عملها مثل وجود مكاتب حقيقية وفرق عمل، وهي أمور تؤهلها للحصول على منافع عبر معاهدات الضرائب الثنائية.

لا يجد الأشرار فائدة كبيرة في شركة إلا إذا كان لديها حسابات مصرفية، وهو- من الناحية النظرية- المخرج الآمن والمحكم نحو عالم من العمل التجاري المحترم. ويعرض وكلاء تأسيس شركات "الأوفشور" تقديم حسابات مصرفية أيضاً. وقد تكون تلك عملية قانونية تماماً غير أنها تنطوي على احتمالات لإساءة استخدامها بصورة هائلة.