كثيراً ما نَطّلع على تقارير وتحاليل في شأن تغييرات في خارطة الشرق الأوسط تخطط لها بعض القوى الدولية، وتنفذها حكومات المنطقة، ومن بين هذه التغييرات قيام دول علوية وشيعية في بعض الدول العربية الحالية.

ومن الطبيعي أن هذه التخوفات مشروعة بسبب إدراك الجميع ضعف الوازع الوطني عند مكونات هذه الدول التي خطّت حدودها أقلام الدول الاستعمارية في بدايات القرن العشرين، ومن الممكن أن تكون هذه المحاولات موجودة والخطط قائمة على قدم وساق، ولكن كل المؤشرات تدل على أن إيران لا تشجع قيام دولة شيعية في الظروف الحالية, ليس لأن الطائفة الشيعية أكثر إحساسا بالانتماء إلى هذه الدول من المكونات الأخرى لكن لدواع وأسباب أخرى كثيرة سنحاول توضيحها في النقاط التالية:

Ad

- من المعروف أن الوجود الشيعي في المنطقة ليس متواصلا، فالتجمعات ذات الثقل البشري الشيعي محيطة في كل منطقة بتجمع سني يجعل من التواصل الجغرافي بين المناطق الشيعية أمرا مستحيلا، وبالتالي تعرقل قيام أي دولة شيعية تكون محاصرة بدول سنية تخنقها برا وجوا.

- على الرغم من الطروحات المنادية بالفيدرالية لبعض الأحزاب الشيعية في العراق قبل سقوط حكومة البعث العراقي فإن الإملاءات الإيرانية بعد إزاحة صدام أتت برفض فكرة الفيدرالية في العراق والتوجه بدلا من ذلك إلى تضعيف المكونين الكردي والسني العربي سياسيا ليتسنى للأغلبية السياسية الشيعية السيطرة الكاملة على الحكم، والذي نلاحظ تداعياته الآن في الأزمات الحالية التي يعانيها العراق.

- السياسة الإيرانية في المنطقة تعتمد على أن تتحرك المكونات الشيعية لكل دولة ضمن إطار الدولة المعنية نفسها، وبذلك توفر مكسبين للمكونات هذه في الدول المعنية... أولها هو إمكانية تواصل المكونات الشيعية هذه مع العالم الخارجي غير الشيعي عن طريق دولها, وكذلك التحرك حسب الأجندات الخاصة بها وبإيران تحت خيمة الدولة المعنية بشكل أكثر أمانا، وأقل مراقبة من قبل المجتمع الدولي عما إذا كان هذا المكون الشيعي يعيش مستقلا في دولة ذات حكم شيعي مطلق.

وعلى هذا الأساس استطاعت إيران أن تنمي من قدرات مجاميع شيعية كثيرة في دول المنطقة من غير أن يكون هناك رقيب على تحركاتها الأولية إلا بعد تحولها إلى قوة يحسب لها حساب داخل تلك الدول.

- قد تكون بعض الجهات غير الحكومية في إيران متحمسة لقيام دول شيعية في المنطقة إلا أن صانع القرار الإيراني يعرف تماما أن قيام مثل هكذا دول سيهدد زعامة إيران للتشيع في العالم واستفرادها بالقرار العقائدي الشيعي "وعندما نقول القرار العقائدي الشيعي لا نعني فقط من النواحي الدينية بل السياسية أيضا كون أن أصل قيام المذهب الشيعي هو سياسي".

وإن كانت علاقات إيران مع المجاميع البشرية الشيعية في العالم هي علاقة فوقية، فإن نشوء أي دولة شيعية أخرى سوف يهدد الزعامة الشيعية لإيران في العالم وستعامل إيران كند وليس كتابع.

- إن كانت السياسة الإيرانية تقتضي النقاط التي ذكرناها سابقا فإن الظروف الحالية التي تمر بها المنطقة فيما يتعلق بالثورة السورية تدعو إيران إلى التمسك أكثر بوجود الأقليات الشيعية ضمن هذه الدول دون انفصال عنها خصوصا في سورية والعراق ولبنان, فبقاء المكون الشيعي العراقي ضمن الدولة العراقية ككل يعطي لإيران الإمكانية في أن تتواصل مع الشأن السوري لمرحلة ما بعد بشار الأسد والذي سيكون مستحيلا فيما لو انفصل الشيعة بدولة عن العراق, وتواصل إيران مع الشأن السوري المستقبلي لا نعني به التواصل مع الدولة السورية كحكومة ولكن مع المكونات التي تمتلك التوجهات المذهبية نفسها التي تمتلكها إيران, ومن ثم فإن مصالح إيران هي التي تقرر هل التواصل هذا يكون بشكل إيجابي يخدم الوضع السوري الجديد مستقبلا أم لإنهاك الداخل السوري وإعمال الفوضى فيها كما كان السيناريو العراقي قبل سنوات.

هذا فيما يتعلق بدور إيران في المرحلة القادمة، أما فيما يخص الطائفة السنية والدول العربية المساندة لها فهي تعيش حالة من المخاض السياسي في الثورات العربية الحالية، وبالطبع فإن الأغلبية التي تتمتع بها هذه الطائفة ستجعلها تتشبث بالخرائط السياسية الحالية من دون تقسيم لها، وبالتالي فإن الصراع الداخلي في بعض الدول التي تحتوي على الطائفتين هو صراع متوقع حسب المعطيات الحالية, وكما ذكرنا سابقا أن إيران لن تعمل على انفصال التجمعات البشرية الشيعية عن دولها التي تقيم فيها حاليا ومخطئ من يتصور ذلك, ولكنها في نفس الوقت لن تدعها تعيش بهدوء في الدول هذه، وستبقيها خنجرا في خاصرة استقرار دول المنطقة لتنفيذ أجندات إيرانية واضحة بدراية من الشيعة العرب أم بدون دراية... الله أعلم.

* كردستان العراق – دهوك