«لا للرقابة»: نرفض الوصاية على الإبداع في معرض الكتابتطلّ الرقابة وإشكالاتها في كل عام مع بدء الاستعدادات لمعرض الكويت للكتاب، واتساقاً مع ذلك تتشكل مجموعة من الكتّاب والمهتمين بالشأن الثقافي ترفض الوصاية على الإبداع، عبر تنظيم اعتصام سلمي في يوم افتتاح المعرض، رغبة في إيصال احتجاجها على ممارسات لجنة الرقابة.
هذا العام أطلق مركز الحوار الثقافي «تنوير» حملة «لا للرقابة» الرافضة للوصاية على المجتمع. عن هذه الحملة وأهدافها التقت «الجريدة» ثلاثة من أعضائها.أصدر مركز الحوار الثقافي «تنوير» بياناً صحافياً يستغرب فيه التعسف الرقابي ضد الكتاب، ويتضمن مناشدة وزير الإعلام الشيخ محمد عبدالله المبارك ضرورة السعي إلى كف عمل جهاز الرقابة القمعي، الذي يعتبر أضحوكة وسط هذه التكنولوجيا الشاسعة التي اخترقت البيوت ودعمت شغف العقول وفضول البحث والاستكشاف.أداة ضغطيؤكد الكاتب فاخر السلطان ضرورة التصدي للتعسف الرقابي ومناهضته عبر الوسائل المتاحة، وتكوين أداة ضغط لبلوغ أهداف أولية في هذه المرحلة، رافضاً أي شكل من أشكال الوصاية على الفرد لتحديد ما ينفعه وما يضره، ومشيراً إلى أن هذا التضييق على القارئ مخالف للدستور ويناهض حقوقه في المطالعة.ويشرح السلطان أهداف الحملة قائلا: «نسعى من خلال إطلاق الحملة مبكراً إلى إشراك مؤسسات المجتمع المدني والجهات الأخرى التي تهتم بقضية الحريات، واستقطاب الناشطين في الدفاع عن هذه القضايا ضمن الفعاليات التي سننظمها لاحقاً، لإيضاح أن الرقابة على الكتاب قضية مطروحة للنقاش وليست من المسلمات، كما أن هذا الشكل من الوصاية يعدّ مخالفة صريحة للمكتسبات الدستورية ومناهضاً لحقوق القارئ في مطالعة ما يريد».بلغة صريحة، يؤكد السلطان «أننا نعي جيداً أن حملة «لا للرقابة» لن تنجح في تعطيل الرقابة هذا العام بل نسعى إلى تكوين أداة ضغط على التشدد الرقابي، ومن ثم صياغة مطالب مهمة في مسألة الرقابة على الكتاب، ونعمل راهناً على تحقيق خطوة إيجابية ضمن هذا الاتجاه إذ ستكون لمطالبنا مظلة قانونية ونابعة من شرائح الشعب كافة».يضيف السلطان: «الأجواء السياسية التي تمر فيها البلاد وسيطرة التوجه الديني على مفاصل الحياة، يدفعاننا إلى عدم توقع أي خطوة إيجابية من الحكومة لإزالة الرقابة». يتذكر السلطان موقف الحكومة من حادثة الدكتور نصر حامد أبو زيد الذي منحته وزارة الداخلية تأشيرة دخول إلى الكويت لإلقاء محاضرة بدعوة من مركز «تنوير» وعندما وصل المطار منع من الدخول إلى الكويت، «وقد جاء قرار المنع رضوخاً لمطالب بعض التيارات الدينية، لذلك لا نعول على الحكومة ضمن هذا الاتجاه ولا نستعجل حصد النتائج».ويرفض السلطان تبريرات الرقباء بشأن مشروعية عملهم الرقابي، ويشير إلى أن كلامهم المكرر يدل على أن المواطن غير مسؤول وغير مدرك لما ينفعه ويضره، ولا يستطيع التفريق بين مصلحته وما يسيء إليه، ولا يستقيم إلا من خلال الوصاية المفروضة عليه، مشدداً على أن الحملة لا تهدف إلى إثارة الفوضى في النسيج الاجتماعي بل «أن تكون الرقابة في مرحلة لاحقة وليس مسبقة وفق المنظومة العالمية المتبعة ضمن قوانين نشر الثقافة، لا سيما أن القارئ يستعين بالتكنولوجيا الحديثة ويقرأ ما يشاء، كما أنه يستطيع الفرز بين الغث والسمين».ويختم السلطان حديثه، متسائلاً: كيف نتعامل مع الحريات؟ وهل نريد التعامل معها ضمن الإطار الواقعي؟وصاية الآخرينفي السياق ذاته، يؤكد الكاتب طالب المولي أن لجنة الرقابة في الكويت تعمل بانسجام مع الوضع القائم في البلاد ومع القوانين التي تحدّ من الحرية التي كفلها الدستور وكفلها حق الشخص في التفكير بحرية من دون رقيب، «نحن في مجتمع منفتح على العالم ويتواصل غالبية الشعب مع الأفكار عبر طرق مختلفة، كما أن الكويتيين شعب على درجة عالية من الثقافة والتعليم، ويدرك الدور المنوط به في حماية نفسه وأهله ومجتمعه من دون وصاية الآخرين ولجنة الرقابة».ويأسف المولي لغياب الدور الحقيقي للبرلمان الكويتي راهناً، ولفشل أعضاء مجلس الأمة في حماية مكتسبات المواطنين الدستورية، فيقومون بدور يتماهى مع دور الرقابة بشكل يهدد مستقبل الكويت الثقافي، كأول بلد خليجي يمارس الديمقراطية عملياً.يضيف: «لا يمكن في حال من الأحوال أن تتحول هذه المسيرة الرائدة من الحياة البرلمانية إلى دولة محاكم التفتيش على الأفكار وملاحقة الكتّاب والمثقفين، بدعم متواصل من المؤسسة الدينية التي تسعى إلى فرض ثقافتها الإقصائية على كل ما هو مختلف لإيديولوجيتها المدمرة للمجتمع، ومع غياب الدور الحقيقي للعمل البرلماني في دعم القوانين لمزيد من الحرية، تسود الرجعية للحؤول دون حرية المجتمع في اختيار نمط تفكيره بعيداً عن أفكار التطرف والطائفية التي برزت بقوة في الآونة الأخيرة».حول مشروعية عمل الرقيب، يوضح المولي: «لكي لا نبخس حق الرقيب ودوره في الحفاظ على تماسك المجتمع، علينا أولا فهم الدور المناط له والشفافية والوضوح بعيداً عن التعسف في منع بعض الكتب في معرض الكتاب، والسماح لنفس الكتاب في العام التالي، كما حدث لمحمد عابد الجابري وكتابه «مدخل إلى القرآن الكريم». يدعونا عدم وضوح استراتيجية الرقابة في عملية المنع للوقوف أمام الرقيب، والمطالبة بأن يكون دوره لاحقاً وليس مسبقاً ومعالجة الخلل بموضوعية من دون تعسف فقط لأن اسم كاتب أو عنوان قد يثير الرقيب».يشير إلى أن «الحملة ضد الرقيب التي نسعى إلى الدفع بها مبكراً هي للمطالبة بحقنا في التفكير والقراءة الحرة من دون وصاية من أحد أو مجموعة تحاول قيادة المجتمع نحو فكر أحادي تسلطي لفرض نفسه كوصي أمين على المجتمع وأخلاقه وأفكاره، لذلك ندعو مؤسسات المجتمع المدني إلى دعم حملتنا ضد الرقابة والرقيب لأنها مخالفة صريحة للدستور الذي يرعى حرية المواطنين وحقوقهم».حرية الإبداع ومسؤوليتهتؤكد الكاتبة أفراح الهندال أن للمبدع حرية الإبداع ومسؤوليته وللمتلقي حرية القراءة واتخاذ موقف، «قد لا نوافق على عمل ونرفض فكرته، لكن من غير المسموح لنا إدانته ومعاقبته»، مبينة أن الحراك الثقافي يعي جيداً مسؤولية الإبداع وحرية المساءلة، لذلك يجب أن يكون راقياً.تعتبر أن حملة «لا للرقابة» موجهة إلى ترف مقص الرقيب، لأنه في راحة على مدار العام لفرط المنع، وصار مقصه «مشرشراً»، يتفنن في الاقتطاع ويبتسم للعقول التي يقطع حبل أفكارها.تضيف: «أطلقنا هذه الحملة قبل إعلان فعاليات معرض الكتاب بفترة لتسجيل موقف يتكامل مع المواقف السابقة لمؤسسات مثل: « مبدعون كويتيون» وفعاليات «مركز تنوير للحوار» واعتصام «رابطة الشباب الكويتي الديمقراطي» و{صوت الكويت» وحملة «لا لمقص الرقيب» على «تويتر» وغيرها، وكانت مشاركاتنا مؤيدة لها جميعا»، موضحة أن المفاجأة اليوم لا تكمن في طول قائمة المنع فقط، إنما لاعتبارات يمكن مناقشتها والتعامل معها بصورة حضارية راقية وموضوعية أكثر، من باب المساءلة والمنع كمرحلة تالية، وليس كجهاز رقابي متزمت وحاد قبل إنتاج العمل أو نشره».وتلفت الهندال إلى أن ما أجج الموقف هو الانحدارات المتزايدة، «عبر رسالة قصيرة فاجأني الشاعر اللبناني وديع سعادة بمنع دار النشر وعدم موافقة مشاركتها بأعماله الشعرية الكاملة، رغم أنه كان ضيف المجلس الوطني للثقافة والفنون قبل أقل من عام، ضمن فعاليات «مهرجان القرين الثقافي»، وهو نفسه ما حصل من منع لدواوين الشاعر عدنان الصائغ الذي قدم أمسية شعرية ضمن فعاليات سابقة للمجلس الوطني الثقافي أيضاً، بالإضافة إلى سلسلة طويلة من المنع طالت أعمال الأدباء الكويتيين، فأي تخبط يدور في هذه المؤسسات بين فعل ثقافي ذي أفق شاسع وأجهزة مضادة موضوعة للمنع والقمع، فيضيع القارئ العادي الذي يهمه الاطلاع لتحديد موقف حر، والمثقف الباحث عن معاني الجمال بلا حدود».وتستطرد الهندال في الحديث عن التأثير السلبي لممارسات الرقابة، مؤكدة أن الحراك الثقافي حول مسؤولية الإبداع وحرية المساءلة، يجب أن يكون راقياً وبصورة تعترف بالجمال والقيم وتدعو إليها، «لذا نتمنى من خلال فعاليات مركزة وواضحة الموقف إنهاء ملامح عصر محاكم التفتيش والإطاحة بهذا الجهاز المسيء لسمعة الكويت، رائدة الحراك الثقافي الخليجي والضلع الأساس العربي، والتمسك بقيم الحرية الأسمى التي تعطي المؤلف والفنان حرية الموقف ووعيه بمسؤولية، وللمتلقي حرية تبنّي موقف مقابل وحق المساءلة، بأسلوب فولتير الذي قال عن كاتب آخر انتقده: «لم أوافق إطلاقاً على أخطاء كتابه ولا على الحقائق التافهة التي يحتويها، ولكني وقفت إلى جانبه بكل إصرار لأن بعض الناس التافهين أدانوه بسبب هذه الحقائق بالذات»، وهذا تماماً ما يجب الانتصار له!
توابل - ثقافات
حملة أطلقها مركز تنوير احتجاجاً على ممارسات لجنة الرقابة
19-09-2012