من المطمئن ألا نغير شيئاً فينا، غير أن تقبّل التغيير يعني الإقدام على خطوة نحو معرفة الذات وبالتالي بلوغ مرحلة السكينة. إذاً تبدو عملية التغير ممكنة برأي الفلاسفة وعلماء النفس، فهي تنطوي على عمل داخلي طويل وعميق ومؤلم...
«في سني، لا شيء سيغيرني»، «لطالما كنت هكذا، هذا طبعي»، «كيف يمكنني أن أتغير؟» عبارات جاهزة ومتكررة، غالبًا ما نسمعها من كل الذين يتمسكون بعاداتهم القديمة وبأنماط حياتية بالية، من الصعب أحيانًا التخلص منها...لكن لا فائدة من الاختباء وراء إصبعنا: التغير مفيد ونعرف ذلك تمامًا في أعماقنا، لكن هل هو ممكن؟ أجل، شرط أن ننظر إلى أنفسنا بعين العطف ونتعرّف إلى نقاط ضعفنا ونبدي الاستعداد لتصحيحها.حرب يوميةأن نصحح أنفسنا لا يعني أن نؤنبها أو أن ندينها. علينا أن نتعلم النظر إلى سلوكنا بانكفاء ضروري، للحكم بأفضل طريقة على أعمالنا وتكرار ذلك إلى حين تصبح كلماتنا وأعمالنا أكثر عدلاً وجمالاً وطبيعيةً... من هنا، يجب الاستعداد لنصبح محاربين يوميين. في الواقع، لا فائدة من التفكير بأننا سنتغير جذريًا بين ليلة وضحاها من خلال صيغة سحرية مجازفة أو حيلة خيالية.تغييرات صغيرة نحدثها في أنفسنا تكون غير محسوسة أحيانًا، لكنها ثمرة وعي وإرادة تسمح لنا أن نتغير بالعمق. إنه عمل يتطلب بعض الصبر وكثيرًا من الحب. لنتغير، يجب أن نكون قادرين على تخيّل أنفسنا بشكل مختلف أي بشكل أفضل مما نحن عليه، وأكثر إشراقًا وانسجامًا واكثر سعادةً. عندما نضع حداً لتذمرنا من القيود التي تمنعنا من التصرف، نعطي أنفسنا فرصة التغير أي التحسن، وهذه بداية مغامرة خيالية، تضعنا في مسار الحياة الصحيح.إذًا، لنسدي أنفسنا خدمة ولنتجنب استبعادنا من الحياة ولنكفّ عن النظر إلى الآخرين وهم يتقدمون ويتغيرون ويتطورون، لنتغير!الأنا المثالية ومثالية الأنافي المجال الطبي، أصبحت العقاقير المضادة للاكتئاب بمثابة «عقاقير السعادة» في حين أن مرض السيدا يذكرنا بأن الناس كلهم هالكون. أدى الميل إلى التحكم بالنفس إلى إضفاء تعديلات على الصورة الجسدية من خلال الجراحة التجميلية.من الآن فصاعدًا، إنه وقت التحولات الأكثر سهولة إنما بشكل مختلف، وتتطلب تعديل طبع الفرد وعلاقاته بالمحيط ونظرته إلى الحياة. يفسر هذا التطور نجاح وصفات غريبة، تتكاثر كالفطر بعد هطول الأمطار.«يجب أن نكون أنفسنا» أو حتى «أن نصبح ما نحن عليه»، كما يقول نيتشه. فضلاً عن ذلك، نفترض وجود نموذج محدد يجب أن نتشبه به لنكون قريبين من المثالية بأكبر قدر ممكن.في الواقع، يفترض الانفتاح والشعور بالسعادة ونجاح الحياة معياراً يسمح بقياس هذا الانفتاح. يجب إعطاء ذاتنا وسائل توصلنا إلى وضع الانسان «المنفتح» في مجتمع معين.«أن نكون أنفسنا»، «أن نصبح أنفسنا»، «التوصل إلى حقيقتنا»، تنتج جميعها من بحث معقد، إذ علينا أولاً معرفة ما هو «الأنا». يكمن الخطر في خلط «الأنا المثالية» و{مثالية الأنا».تغيير السلوكالإنسان ضعيف بطبيعته، حتى إذا ادعى العكس وأظهر قوة حازمة لا تتزعزع، فهو يعرف في داخله أن هذه الادعاءات قد تسقط في أي لحظة. مقاومته وعقده وموانعه هي الشهود الأكثر وضوحًا، وردود الفعل العنفية هي النتيجة المؤسفة حتى لو كانت شائعة.إن مورست هذه الردود العنيفة على الآخرين أو على أنفسنا، تبقى بمثابة تعبير عن سوء العيش وسوء معرفة النفس. تقودنا الحياة ومعاشرة الآخرين إلى التعرض إلى إصابات واضحة ولا أحد معفى منها، فمن أجل أن نحمي أنفسنا، نظهر مقاومة.التغيير ممكنالتغيير باب ينفتح نحو الداخل. كثير من انفعالاتنا المقاومة هي إجابات لتوقعات عشناها في الماضي وأعدنا تفسيرها كأنها سمات من شخصيتنا، لدرجة أنها أصبحت تتطابق مع شخصيتنا وأصبحنا نعتقد أنها فعلاً شخصيتنا الحقيقية.ليست هذه الانفعالات المقاومة سوى جزء سطحي من شخصيتنا. ومن خلال العمل على العوائق الأساسية التي أحدثت هذه الانفعالات وغذتها، يمكن التغلب عليها أو على الأقل تهدئتها، ما يساعدنا على اكتشاف ذاتنا بشكل أفضل ومعرفة كيف نتصور حياتنا.نحو المستقبلمجرد تمني التغير لا يكفي للتوصل إليه، فابدأوا إذًا بتحديد الأسباب التي تحثكم على التغيير. إليكم بعض النصائح التي تساعدكم على تحديد أسباب مقنعة للتغيير:• كلما توضحت أسباب التغيير، أصبح من السهل التوصل إليه.• كلما كانت الأسباب شخصية، أصبح من السهل التغيير.• كلما أردتم تطبيق هذه التغييرات لمصلحتكم الخاصة، أصبح من السهل التغيير.• كلما أردتم تطبيق هذه التغييرات لإرضاء شخص آخر، يصبح من الصعب الاستمرار.حددوا أسبابكم الخاصة التي تدفعكم إلى التغيير وابدأوا الآن. وعلى الصفحة الأولى من دفتر التمارين التي من شأنها تحفيزكم، في فقرة «لماذا ترغبون بالتغيير؟» دونوا ثلاثة أسباب تدفعكم إلى التغيير. وفي كل مرة تفكرون بسبب آخر، أضيفوه إلى القائمة. فهذه الأسباب الشخصية ستساعدكم على المثابرة.مفاتيح التغييربحسب عالم النفس والمعالج النفسي باتريك إستراد، يمكننا التوصل إلى التغيير عبر امتلاك مفاتيح التغيير. في ما يلي التفاصيل ...على رغم الألم الذي تتسبب به حوادث الحياة، إلا أنها تفتح أمام الذي يملك المفتاح، باباً رائعاً نحو المستقبل. لكن هذا الباب غالبًا ما يكون مغلقاً من الداخل. لتجنب المعاناة، نلجأ إلى المقاومة، نقلل من أهمية الأساسي ونزيد من أهمية غير المفيد ونهمل وجودنا وجسدنا وكل من نحب، وفي النهاية ننتهي بنسف حياتنا. هذه المقاومة التي تجعلنا نعاني، تشكل جزءاً من شخصيتنا لكنها ليست كل شخصيتنا. بحسب باتريك إستراد، نتمكن من خلال العمل عليها من اكتشاف هويتنا الحقيقية.كيف نتوصل إلى الرغبة بالتخلص من أنفسنا؟ نميل في حياتنا إلى تفضيل الآخرين على أنفسنا، لدرجة أننا مستعدون للتصرف بظلم معها. فنحن نخاف من حكم الآخرين علينا ومن نظرتهم ومن فقدان حبهم لنا. لذلك، نتقبل ما لا يمكن تقبله ونحول حياتنا إلى جحيم. علينا أن نفهم أن هذه الحالة قاسية لأنها، على رغم هولها، تنطوي على فوائد ثانوية واضحة تتمثل في قدرتنا على التخلي عن مسؤولياتنا تجاه حياتنا الخاصة، ما يعني التخلص من الأنيس الظالم والأليم.كيف نرى هذا التغيير؟يشبه العمل على الذات بيتاً ثانياً، قررنا أن نبنيه إلى جانب البيت الأول، بتروٍ وهدوء. بينما يتم بناء هذ البيت وتجهيزه، نقرر نقل بعض الأغراض من البيت القديم إلى البيت الجديد. ننقل إليه ما نراه مهمًا وما نحبه. إنها تصرفات وسلوك وطرق حياة نعتبر أنها تشبهنا فعلاً وتعبر عن شخصيتنا الحقيقية.أما الأمور الأخرى التي لا تشبهنا فنتركها في البيت القديم أو ننقل منها نماذج صغيرة لأننا غير متأكدين أننا لسنا بحاجة إليها. شيئًا فشيئًا نكشف عن شخصيتنا الحقيقية التي لا تحجبها انفعالات عابرة.في الواقع، التغيير هو بمثابة انتقال إلى مستوى أعلى من التعرف إلى الذات، ما يترجم في العناية بالذات وتقديرها والحفاظ على الحميمية، وفي الوقت نفسه الانفتاح على الآخرين والعالم، فنجد السعادة والسكينة من خلال التعرف إلى ما يناسبنا فعلاً، ونجدد الثقة بالذات وبالآخر على حد سواء.
توابل - علاقات
هل يمكن أن نتغير حقًا؟
07-08-2012