هناك بعض المقومات التي يرتكز عليها الفكر المدني في الكويت، بغض النظر عن تفاوت المنتسبين إليه سياسيا، فمثلا هناك اتفاق عام على تقديس الحياة الديمقراطية وسيادة القانون ومبدأ الأمة كمصدر السلطات، كما أن هناك اتفاقاً على احترام الحريات المكفولة في الدستور؛ من حرية رأي وتعبير وعقيدة، واحترام مؤسسات الدولة والقانون الوضعي دون التقليل من شأن المعتقدات الدينية، وأخيراً هناك اتفاق بشكل عام على أهمية فصل الدين عن الدولة مع مراعاة الهوية المسلمة للكويتيين واحترامها. وهناك أيضا "عرف" بأن من ينتمي إلى التيار المدني يتحلى بدرجة من آداب الحوار واحترام الرأي الآخر أفضل من بعض التيارات الأخرى، وذلك بسبب إيمانه بفكر يرحب بالاختلاف ويراه صحياً، فإن كانت شعارات التيارات المحافظة أو الدينية تؤمن بمقولة "من خرج عن ملتي فهو ليس مني"، فالأجدر أن يؤمن منتسبو التيار المدني بمقولة "اخرج عن وملتي أو ابقَ معي، في الحالتين لك حقوقك واحترامك"، ولكن مع الأسف، في الأونة الأخيرة بدأنا نلمس نفساً إقصائياً دخيلاً على التيار المدني، فبدلاً من الترحيب بكل من يتفق معه على البنود العريضة لتطوير شأن البلد، أصبح يتهجم على كل من ينتقده... وإن كان منه! وأبرز هذه النقاشات الدموية تحدث في مواقع التواصل الاجتماعي، ويكون السيناريو المكرر كالتالي: يكتب شاب تغريدة فيها نقد- قد يكون بنّاء أو غير بنّاء- ويقوم زميله المغرد بالرد عليه، ويزداد الاختلاف ويحتد النقاش وتنقلب المسألة من حوار سياسي إلى إدراج أحداث حصلت في الماضي ليس لها أي صلة بالحوار مثل "إنت محتر لأنك خسرت في الانتخابات"، أو "إنت شكو في التيار المدني وإنت لا منه ولا تعرفه"، ومن ثم يحتد النقاش أكثر وأكثر فيتم الزج بأسرة المغرد، ومن ثم ينتهي الحوار بمهاترات عنيفة بين شباب يدّعون أنهم عقلاء ولكنهم يتصرفون مثل صغار فتيات المدرسة حينما "يتكامشون بالكشيش!". أهذا هو الفكر المدني؟ أهذا هو العمل السياسي الجماعي؟ إذا اتفقنا على أن مشكلة التيار المدني في العقود الثلاثة الماضية هو فشله في إبراز قيادات شابة جديدة، فعلى الأقل قياداته "الشياب" كانوا عقلاء محترمين مهذبين يفتخر أي كويتي بالحوار معهم، ولكن ما يحدث الآن هو أن تصرفات بعض الشباب البارزين إعلاميا والمحسوبين على التيار المدني أصبحت منفّرة، بحيث يتفادى المرء الدخول في أي نقاش خوفاً من تحوله إلى جزرة لفظية قد تبعدنا أكثر عن تيارنا، حتى لو كنا مؤمنين بكل مبادئه. انتبهوا لما يحدث في البلد، فهناك فرصة كبيرة لإعادة إنعاش التيار المدني متى ما أدركتم أن الكثير من الكويتيين بحاجة إلى من يمثلهم دون أن يقصي وجهة نظرهم وإن كانت ناقدة، كفوا عن الشماتة بالتيارات المحافظة متى ما تعرضوا لهزيمة سياسية وتعلموا منهم أصول العمل الجماعي، فهم يتفوقون عليكم في التنظيم والممارسات الاجتماعية التي تتماشى مع مجتمعنا الكويتي، إخوانني أنتم تضيعون فرصاً كثيرة في عدم إكثار عدد المنتسبين إلى تياركم بسبب تصرفاتكم الإقصائية وعنفكم اللفظي، فإن كنتم تؤمنون حقا بحرية الرأي، فالأجدر أن تمنحوها لمن يتفق مع مبادئكم ولكن لا ينتمي إلى جماعاتكم... المراد: هذبوا أسلوبكم. نصيحة أخيرة:  لكل من يعتقد أني تماديت في النقد بسبب حقد شخصي دفين، أود أن أخبركم بأن ليس لدي أي طموح سياسي، ولم أرشح نفسي لانتخابات التحالف وخسرت، ولا أطمح في أن أكون إحدى قيادات المنبر مع مودتي وتقديري لهم، وليس لي أي علاقة مباشرة أو غير مباشرة مع قائمة الوسط الديمقراطي في الجامعات المختلفة، كل ما في الأمر أنني مواطنة بسيطة أؤمن بالفكر المدني والثوابت الكويتية، وأحزن لرؤيته يتفكك عن طريق من يعتقد أن مجموعته فقط هم شعب الله المختار في تمثيل التيار المدني، فما استمر ولن يستمر العمل الجماعي الناجح بإقصاء الآخر.
Ad