وكأن تظاهر البدون في يوم "اللاعنف" استثار المفردة ليفجّر الكامن فيها بقمع أكبر، تيماء وما حولها صارت ثكنة عسكرية تقبض على مخترقيها من السكان، وأعصاب تفلت من بين الطلقات الصوتية حتى تكاد تفرض حظر تجول، وبين هراوات وقنابل مسيلة للدموع احتفالية باليوبيل الذهبي على طريقة "الجهاز المركزي لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية"، تماماً بطول هذا المسمى ومحموله الثقيل.

Ad

ماذا لو مارسنا اللعبة نفسها التي تصنف البشر؟ لو فككنا الجملة وتناولنا مفرداتها بدءاً من "دولة" قائمة بذاتها ومقيمة بصورة غير قانونية في ذلك "الجهاز"، بفكر عنصري ومحركات اقتصادية وسياسية مخاطِرة بالبشر، مضحية بدعامة أساسية لبنيتها التحتية، ومعرضة إياها للتصحر والسلب كما "ما ضاع" من قبل لولا "بنياتهم" الموزعة في الصحراء، وخيامهم الضاربة في الحب لهذه الأرض... ما الذي سنجده سوى تكريس طبقي جشع وحاد، وتعزيز الاختلافات بتطعيمها بأمراض مجتمعية فتاكة!

 فبين بداية المشكلة التي كانت خاملة قبل عشرات السنين وواقعها المفجع قصة مجتمع منسجم النسيج رغم اختلاف مشاربه وأصوله وقومياته، سبب الاختلاف المزعوم لاحتقاره اليوم لا يعدو نتيجة التهميش والنفي المقصود طوال تلك السنوات في مناطق أقرب إلى العشوائيات ووظائف متدنية المكانة والمردود المالي، وتعويد على رداءة الحال للتكيف معها والتشكل بها، حتى خلّف شريحة كبيرة في طبقة دنيا ضمن مجتمع الطبقات الذي تم الإعداد له بعناية رغم النسيج الواحد!

 والمشكلة ليست في الأيدي التي ساهمت بقوة في هذا "التصديع"، بل في استمراء شرائح كل طبقة لذلك، واضطهادها ما دونها، ليحل التنابز بالأصول والمذاهب والمناطق محل العلاقات الوشيجة التي كانت، وليؤدي كل دوره في هذا التراجع الحضاري بالسلوكيات وحتى بالصمت، يتساءل الكاتب الياباني نوبواكي نوتوهارا في كتابه "العرب من وجهة نظر يابانية" الذي سجل فيه رؤاه بعد تنقله 40 عاماً بينهم قائلاً: "أفهم أن تضحي السلطة بأفراد متميزين ومفكرين وأدباء وسياسيين وعلماء وفنانين، ولكن لماذا يضحي الشعب نفسه بأولئك الأفراد؟"، سؤال دوّنه بشكل عام نقلاً عن الواقع العربي الذي يزداد ألماً وحسرة، ونحن نرى طمس إبداعات وإمكانات "البدون" في الكويت.

والكتاب الصادر عن دار الجمل حري بالقراءة، لأن كل عبارة فيه تمس واقعنا المحلي بقوة مماثلة لطرحها العام، يشير إلى القمع المترامي الأبعاد في الوجوه الجامدة والمشاعر الشاحبة، "الناس في شوارع المدن العربية غير سعداء، ويعبر صمتهم عن صرخة تخبر عن نفسها بوضوح"، مرجعاً ذلك إلى غياب العدالة الاجتماعية، لأنها أول ما يقفز إلى النظر. وهذا ما يؤدي في نظره إلى الفوضى.

أما قصة الديمقراطية التي نرددها، ونكررها، ونطالب بها في محفل ونؤكدها في آخر، فيعزي الكاتب نفسه ذلك إلى سبب وحيد: حضور النقيض تماماً، ألا وهو القمع وغياب الديمقراطية، وهو سبب حضورها بأكثر من وجه؛ ضد الرقابة ورفضا لممارسات منع حرية الرأي والتعبير والتفكير، والاعتقالات بسببها، إنه القمع الذي لا يمانع الحضور معنّفا... حتى في ذكرى يوم "اللاعنف"!