انتابني شعور غريب وأنا أرى على شاشة تلفزيون الكويت حفل استقبال سمو الأمير لجموع الزائرين من الرجال والنساء يوم الثلاثاء الماضي 6/11، صفّ طويل من الرجال يليه مثيله من النساء، يصافحون سموه، يقبلون الأنف أو الكتف أو الرأس، يحنون الرأس باحترام ثم يخلون المكان لمن يليهم. ليس لدي شك في إخلاص نيتهم وولائهم وصدق الدافع خلف زيارتهم، أو على الأقل خلف زيارة العدد الأكبر منهم، فهناك دوماً المتمصلحون والمراؤون بين كل البشر، ولكن في العموم، لا أشكك في النية الطيبة لهذه الجموع التي ذهبت تؤكد ولاءها، وتعلن الموافقة، وتظهر السمع والطاعة.

Ad

ولكن، هل هذا يعني أن في قلوبهم من الولاء للوطن والتقدير لقائده ما يفوق ما في قلبي وغيري ممن لم يقدم على هذه الزيارة؟ هل تعلن المواقف في الدولة المدنية بتقبيل الأكتاف أم بالتفعيل الحقيقي للرأي ووضعه موضع التنفيذ الصالح؟ أؤمن من أعماق قلبي أن لدى الزائرين رؤية ورأي لا يقلان إخلاصاً عما أعتقده في قلبي، لكن، هل كان يجب أن تحج الجموع وتقف في الصفوف وتقبّل الأكتاف والرؤوس في محيط الدولة المدنية ليتم إثبات الولاء والطاعة؟ وهل عدم زيارتي إعلان موقف عدائي مخالف؟

مما لا شك فيه، فإن سمو الأمير رمز للدولة، ومما لا شك فيه أن الاختلاف ليس على شخص سموه، الاختلاف على فكرة وسياسة إدارة بلد، فما هي الحكمة وما هو الناتج من الزيارة والتقبيل وما هو الناقص من الامتناع عنهما؟ هل يحاول الزائرون إثبات الطاعة أم التوافق مع الفكرة والقرارات السياسية؟ فأما الثانية، فذاك ما يجب أن يكون في الدولة المدنية، إعلان التوافق مع الفكرة والمثابرة على تحقيقها، وهذان يتحققان بممارسة الدور الاجتماعي والسياسي المحفزين للفكرة والدافعين بتحقيقها. وأما الأولى فتلك مما لا تليق بالدولة المدنية ولا بطريقة إدارتها، فالمسألة ليس لها علاقة بالمحبة ولا بالسمع ولا بالطاعة، فكل تلك تأتي من قلوب المواطنين باتجاه قلب سمو أمير الدولة بشكل شخصي، أما الشكل العملي والرسمي للأمور، والذي يكون مشَرٍفاً لتلفزيون الدولة أن تبثه على قنواتها، فهو في الحوار والتفعيل للفكرة، فلو أن هذه الجموع عقدت أي نشاط لتعلن فيه رأيها وتمحصه لكان خيراً لها ألف مرة وأكبر وقعاً من زيارة اجتماعية تقسمنا على بعضنا وتعلننا بالصوت والصورة، مطيعين وغير مطيعين.

كيف تريدون دولة مدنية وتنحون بالمنهجية السياسية لمثل هذه الأنماط من التصرف؟ أنا أختلف مع المرسوم الأميري، وأعتقد بضرورة التغيير وحتميته، وليس لهذا الرأي السياسي أي علاقة بمحبتي أو احترامي لسمو الأمير، كما أختلف مع والدي في الكثير من الآراء السياسية وغيرها، ولكنني أقدّس تراب قدميه، مع حتمية اختلاف الوضع هنا بين سمو الأمير قائد الدولة، ووالدي الذي يحكم علي ويؤثر في حياتي مباشرة. ولسوف يختلف بعض ولربما الكثير من حضور ذلك الحفل مع سمو الأمير في رأي أو أكثر خلال السنوات القادمة، فتلك طبيعة الحياة، والاحتمالية المرجحة، فماذا عساه يكون الوضع عندها إذا ذهب فريق آخر للزيارة لتأكيد القبول بالأمر المختلف عليه، وتأكيد الولاء والطاعة؟ هل سننقسم إلى مجاميع تزور ولا تزور، تبدي الطاعة وتعاند؟ هل هي دولة مدنية أم هل نحن عشائر، نبايع ونعلن الولاء والطاعة ونقبل الأكتاف؟

مع خالص تقديري واحترامي لكل الزائرين وإيماني العميق بصادق نواياهم، إلا أن الدول القوية على مدى التواريخ البشرية لم تقم على سواعد من يلهج بالسمع والطاعة، فهما ليسا مقياسين للولاء مطلقاً. من يعارض، من يرتفع صوته بالنقد، يعرض نفسه للمزيد من المخاطر ويقلل من حظوظه بالحظوات، وتأتي تلك التضحية عن ولاء للدولة وقائدها. لابد كذلك أن تكون بين المعارضة فئات ذات نوايا خبيثة، كما ذكرت أعلاه تلك هي طبيعة البشر، إلا أن الحوار ها هنا حول الفعل لا النوايا، فمع حسن الظن بنوايا كل الأطراف، من تريد أن تكون؟ وكيف تريد أن تكون في الدولة المدنية؟