صحيح أن مفهوم «الاستثنائية الفارسية» قد يؤجج رغبات إيران في اكتساب إمكانات نووية وفي تعزيز نفوذ البلد، لكن يصعب تصديق فكرة أن الفرس سيتمكنون من الهيمنة على العالم العربي.

Ad

إيران هي عبارة عن نظام ديني، لكن لا يفهم الكثيرون طريقة تقسيم السلطة بين كبار قادة رجال الدين. صحيح أن الجميع يركزون على الخطاب الهجومي الذي يستعمله الرئيس محمود أحمدي نجاد، لكن تبقى صلاحياته محدودة فعلياً.

يتولى القائد الأعلى علي خامنئي السيطرة على القوى المهمة مثل الحرس الثوري والبرنامج النووي، ومن خلال ممثليه المنتشرين في أنحاء النظام البيروقراطي الديني والعسكري والسياسي في إيران، يمكنه أن يضمن نقل الرسائل التي يريدها.

تنجم صعوبة تحديد النوايا الإيرانية، وبالتالي التعامل معها بفاعلية، عن طبيعة المداولات الغامضة التي يقوم بها خامنئي في أوساطه الداخلية.

من المعروف أن خامنئي لم يُعيَّن كخليفة لمؤسس الجمهورية الإسلامية بسبب تعليمه الديني بل بسبب حنكته السياسية. بالتالي، يمكن اعتباره شخصاً "إيديولوجياً منطقياً".

نظراً إلى التكتم الذي يحيط بعملية صنع القرار في إيران، تبقى أهداف الطموحات النووية الإيرانية مجهولة. إنّ الطابع الديني الذي يغلب على القيادة يدفع بعض المعلقين إلى وصف البرنامج النووي بالطريقة الرامية إلى تحقيق أهداف رجال الدين الطموحة، لكن على أرض الواقع يبدو أن صانعي القرار في إيران أشخاص منطقيون أكثر مما يظن الكثيرون.

لكن التصرف بشكل منطقي لا يعني بالضرورة أن يكون القادة الدينيون مستعدين للتنازل، واستناداً إلى معنى "الاستثنائية" الفارسية وتجارب التدخل الخارجي، فضلاً عمّا يعتبره الإيرانيون إنجازات ثورية، يعتبر هؤلاء القادة أنهم كسبوا مرتبة رفيعة باعتبارهم لاعبين مستقلين. تنجم المفاوضات الأخيرة التي تدور حول تطوير قدرات تصنيع أسلحة نووية عن تزايد العقوبات الصارمة على إيران والتهديد العسكري الذي تطلقه إسرائيل ومواقف الولايات المتحدة.

إنه وضع مألوف لأن الإيرانيين لم يكونوا مستعدين يوماً للتفاوض بجدية حول أي مسائل شائكة إلا إذا أصبحوا في موقف صعب. بعبارة أخرى، يتطلب هذا النوع من المفاوضات الحساسة أن تحتسب طهران حجم المخاطر مقابل المكاسب المحتملة أثناء سعيها إلى الحصول على إمكانات نووية بالطريقة التي يقيّم فيها الأشخاص الذين يفاوضونها احتمالاتهم. هذا ما يصعّب تحديد نوايا إيران في المفاوضات النووية وفي مجال السياسة الخارجية عموماً. فبينما يميل البعض إلى اتهام القيادة السياسية الإيرانية بأنها تفتقر إلى حس المنطق بسبب مواقف أحمدي نجاد، تثبت طبيعة النظام الديني الإيراني أن جميع قرارات السياسة الخارجية (وتحديداً تلك المتعلقة بالمفاوضات النووية) هي من صنع خامنئي ومستشاريه.

كما يحصل في جميع الأنظمة التي تنشأ بعد الثورات، يحتل صمود النظام الأهمية الكبرى، لكن تبدو التجربة الإيرانية فريدة من نوعها كونها تقدم أول مثال معاصر عن ثورة إسلامية ناجحة. صحيح أن تلك الثورة كانت إسلامية شيعية، ولكن مهندسيها (كان بعضهم من المسلمين غير الشيعة خلال فترة معينة) تجاوزوا انتماءهم الشيعي، فاعتبروا إيران مثالاً عظيماً عن المجتمع المسلم الواسع وسعوا إلى إسقاط حكامها الفاسدين وغير الإسلاميين. تتابع إيران هذا النهج نفسه مع أنها قدمت أفضل أداء لها في هذا المجال منذ 30 عاماً. تشكل بنود الدفاع عن حقوق جميع المسلمين ودعم المظلومين في صراعاتهم المحقة ضد الظالمين عوامل دستورية توجه مسار السياسة الخارجية.

على الرغم من ادعاءات البعض، يصعب أن تُترجَم تلك الفلسفة على شكل نتائج سياسية عملية في المنطقة أو على الساحة الدولية. صحيح أن مفهوم "الاستثنائية الفارسية" قد يؤجج رغبات إيران في اكتساب إمكانات نووية وفي تعزيز نفوذ البلد، لكن يصعب تصديق فكرة أن الفرس سيتمكنون من الهيمنة على العالم العربي. كذلك، تسود فكرة مفادها أن الأقلية الشيعية في المنطقة ستشكل جبهة تابعة لإيران أو طابوراً خامساً يعمل لمصلحتها، لكن تغفل هذه الفكرة عن دور النزعة القومية والانتماء الإثني في تحديد ولاءات الشعوب.

برزت ادعاءات أخرى مفادها أن إيران تسعى إلى توسيع نفوذها بين الشيعة المؤمنين عبر تقديم "قائدها" بصفته خليفة آية الله الأكبر السيستاني الذي كان أهم عالِم في أيامه، لكن يغفل هذا الادعاء عن طبيعة الإيمان الشيعي. نادراً ما يظهر زعيم روحي واحد ولا منافس له، بل من الطبيعي أن تتعدد مصادر السلطة. كذلك، يتجاهل ذلك الادعاء واقع أن قوة المنافسة تكمن في استقلالية قادتها.

صحيح أن التقرب من طهران قد يؤمّن الدعم المالي، لكن فقدان الاستقلالية نتيجةً لذلك يجعل هذا الخيار غير مناسب بالنسبة إلى الطائفة الشيعية عموماً.

قد تسعى القيادة الدينية في إيران إلى التأثير في الأحداث خارج حدودها، لكن تبقى قدرتها على فعل ذلك محدودة. من المعروف أن قادة البلد يشكلون أقلية إثنية وطائفية ضمن عالم عربي سني في معظمه. كذلك، لا يتناسب نموذج حكمهم الإسلامي مع أي نموذج آخر، ويبدو أن التزامهم بتوفير الدعم للمظلومين يدخل في إطار المساعي الرامية إلى تحقيق أهداف إيرانية أخرى على مستوى السياسة الخارجية. إن قادة إيران الدينيين ليسوا مجرد إيديولوجيين جامحين، بل تخفي عملية صنع القرار الغامضة حقيقة مغايرة: هم يبقون قادة منطقيين في نهاية المطاف.

* باحث في معهد «لوي» للسياسة الخارجية.