من المفارقات الصادمة أن فريد زكريا، المعلق السياسي البارز في مجلة «تايم» الأميركية ومقدم البرامج على شبكة «سي إن إن»، قُبض عليه متلبساً بالسرقة الأدبية، واعترف المعلق الشهير بذنبه في بيان أصدره وجاء فيه أن الاتهام صحيح بأكمله.

بدأ فريد زكريا النجومية في الصحافة في وقت مبكر، فذاع صيته وهو في الثامنة والعشرين كأصغر رئيس تحرير لمجلة «الفورن أفيرز»، وأول مقال نشره فيها كان «صدام الحضارات» للمفكر صامويل هنتنغتون. ثم استمر تميزه في مجلة «نيوزويك» حيث رأس تحرير الطبعة الدولية، وفيها كتب تقارير ومقالات مهمة كثيرة أبرزها المقال الشهير «لماذا يكرهوننا؟»، الذي نُشر بعد أحداث 11 سبتمبر 2001. لكن زكريا أسقط نفسه بالضربة القاضية، أو زرع اللغم الأرضي ووقع فيه، فهو نقل مقاطع في مقالته من مقالة أخرى نشرتها البروفسورة في جامعة هارفارد، جيل ليبور، في عدد 23 أبريل الماضي من مجلة «ذي نيويوركر». لسوء حظ زكريا، التقط شخص ما في مجلة «تايم» أوجه التشابه والتطابق بين مقالة البروفسورة ليبور ومقالة زكريا التي يتناول فيها مسألة توفر الأسلحة النارية الشخصية في الولايات المتحدة.

Ad

وعلى ما يقول المثل «غلطة الشاطر بألف»، فالمعلق الشهير اقترف ما لا تحمد عقباه، مقال واحد كان كافياً لتسقط هالته في مستنقع النقد الذي لن ينجو منه، فهو أوقف عن الكتابة وتقديم البرامج لفترة على أن يُدرس أمره في وقت لاحق. كان زكريا جريئاً في اعتذاره، لكن الاعتذار في هذا المجال لا يكفي، خصوصاً لكاتب مثل فريد زكريا.

ماذا لو كان زكريا في العالم العربي؟ ماذا كان سيحدث؟ ربما لوجدنا النقاد يتحدثون عن نظرية «التناص» أو الاقتباس أو الانتحال على نحو ما يفعل الشعراء من خلال إعادة كتابة بعض النصوص التراثية بلغة معاصرة أو حداثية. حدث أن اكتشف بعض لصوص الأفكار، ولم تكن السرقة إلا فضيحة للثقافة العربية في مجملها. نذكر هنا قضية الناقد الجزائري الحفناوي علي صاحب كتاب «مدخل إلى نظرية النقد الثقافي المقارن» الذي نال جائزة الشيخ زايد، وتبين لاحقاً أنه قرصن معظم كتابه من كتابات الناقد عبدالله الغذامي الذي كان عضواً في لجنة تحكيم الجائزة، وعلى هذا كانت الفضيحة مزدوجة للناقد السارق ولجنة تحكيم الجائزة التي لا تقرأ.

قضية أخرى يجب أن تفتح وهي أن بعض الملمين العرب باللغات الأجنبية (الفرنسية والإنكليزية تحديداً) لا عمل لديهم سوى السرقة الأدبية على أنوعها، بدءاً بالقصائد ووصولاً إلى أفكار الكتب والمقالات الصحفية، يترجمون أفكار الغربيين إلى العربية ويدعون أنهم أصحاب «فتوحات» في الثقافة. هوس النجومية لديهم يجعلهم يظنون أن أحداً غيرهم لا يعرف اللغات الأجنبية، وإذا كان فريد زكريا قد اعترف بسرقته واعتذر للقراء فبعض من قبض عليه ملتبساً بالسرقة في العالم العربي يتنكر لجرمه ويوظف من يدافع عنه في الصحف في إطار ما يسمى الشلل الثقافية والشعرية. كذلك ثمة موجة جديدة في العالم العربي، وهي قرصنة أفكار الروايات من الروايات الأجنبية، موضوع يحتاج إلى حديث آخر.

بالعودة إلى قضية فريد زكريا، نقول رب سقطة خير من ألف ميعاد، فالخطأ الذي ارتكبه المعلق الشهير طغى على أعماله كافة، وأصبح مثل الطوفان على شبكة الإنترنت، وثمة من شمت به قائلاً: «تعلم زكريا أن السلطة لا تكتمل إلا بـ»الخدم» (الباحثون والمعاونون في حالة الكاتب) الذين يؤدون المهمة الحقيقية بينما يعود الثناء والعرفان إلى «المخدِّم» الذي قد يلقي إلى الخدم بفتات مائدته»، وهو على ما يبدو كان ضحيه هذا السلوك والنزوع.

سابقاً، أصدر فريد زكريا كتاباً بعنوان «عالم ما بعد أميركا»، وقد شوهد الرئيس باراك أوباما يحمله بيده كدلالة على أهميته، واليوم يمكنه أن يدون كتاباً بعنوان «إعلام ما بعد سقوط فريد زكريا»!

ربما تكون الأمور على هذا النحو، لكن لا أحد ينكر عبقرية زكريا الذي يمكنه النهوض مجدداً.