ينهمك المخرج اللبناني جو بو عيد في تسويق فيلمه «تنورة ماكسي» أوروبيًا وأميركيًا بعد عرضه في مهرجان دبي والمغرب وموناكو ونيله جائزتي أفضل مخرج وممثلة، علماً أن الفيلم تعرض لهجوم من رجال دين مسيحيين رأوا في بعض مشاهده مساساً بالمقدسات والشعائر الدينية، ما أدى إلى وقف عرضه في الصالات اللبنانية فترة ومن ثم استؤنف العرض بعدما سويت القضية. عن حملة الأكاذيب كما سمّاها، ورؤيته السينمائية في الفيلم، تحدث إلى «الجريدة».ما خلفيات مطالبة جهات كنسية وقف عرض «تنورة ماكسي» ومن ثم إعادة عرضه مجدداً؟
عندما بدأ عرض الفيلم في الصالات اللبنانية وفي مهرجانات عدة خارج البلاد حصد ردود فعل إيجابية، إلى أن بدأت حملة الأكاذيب التي شُنّت ضده في برامج تلفزيونية وفي الإعلام فشوّهت الحقائق عبر دمج مشاهد من الفيلم بمشاهد أباحية من أفلام أخرى، فظنّ الناس أنه يمسّ بالمقدّسات المسيحية، علماً أنه نال مباركة الكنيسة قبل عرضه في الصالات.ربما يتضمن الفيلم مشاهد جريئة على صعيد تكوين الصورة وسيميائيتها، لكنه لا يمس بالكنيسة. هذه المعمعة كلها كانت نتيجة تحريضات إعلامية وتحريض رجال دين يعبرون عن رأيهم الشخصي وليس عن رأي المركز الكاثوليكي للإعلام.لكنك أظهرت فتيات منطقة جزين اللبنانية وكأنهنّ فتيات هوى؟ليس صحيحًا، أظهرت فتاة واحدة تمارس الدعارة في الفيلم، في حين لا شيء يؤكد انتماء الفتيات الأخريات إلى تلك المنطقة. ثم لا أقدم فيلمًا وثائقيًا عن الجنوب أو عن جزين أو عن بكاسين، بل فيلم روائيّ يرتكز إلى الخيال وحلم طفل، وأظنّ أنه يحق لأي شخص أن يحلم، فإذا أرادوا قمعه، فالأفضل ألا نقدم أفلامًا سينمائية.ألم يثر تركيزك في بعض المشاهد على الجنس حفيظة المجتمع المحافظ؟احترم تحفظ المجتمع، لكنني ارتكزت على الإيحاء وليس على العري في المشاهد. بالتالي، أتحدى أياً كان أن يجد صورة عارية، فأنا أحترم تقاليد المجتمع العربي ولست في وارد تحطيمها، إنما أرفض في الوقت نفسه مثلث الممنوعات، الجنس والسياسة والدين، في العمل الفني لأن ذلك يقمع الحرية. لماذا نخشى الحديث عن الجنس الذي لم استبحه بل أظهرت كيفية ممارسته عند فتاة في حين تعاني شقيقتها القمع؟ تكمن المشكلة في تحوير البعض للحقائق ودفع الناس إلى متابعته مع حكم مسبق لديهم.هل أثرت هذه الحملة في نسبة مشاهدي الفيلم؟كثيرًا، على رغم أن الإعلان السيئ هو إعلان جيد، حسب ما قيل لي، إلا أن الأرقام لدي تثبت النجاح الذي حققه الفيلم قبل بدء الحملة وتراجع نسبة المشاهدين بعدها. ثمة من يدّعي أن الفيلم يسيء إلى الدين من دون أن يشاهده نقلا عن لسان رجل دين معين وإعلامي معين، وكأنهما يريداننا أن نعود إلى سياسة القطيع الأعمى.ما تعني بـ «تنورة ماكسي»؟يتحدث الفيلم عن راوٍ يحكي قصة بطريقته الخاصة ويمسك المقصّ ويحيك القماش، كذلك يشير العنوان إلى التحول الذي يطرأ على مسار شاب ترك الكهنوت ليتحول ثوبه إلى تنورة ماكسي واسعة تتسع لخبريات كثيرة، خصوصًا أن الأطفال يجنحون نحو رفع هذه التنورة بدافع الفضول.كم استغرق إعداده؟خمس سنوات بين التحضير والتصوير بسبب غياب الإنتاج الكافي، ولأنني أردت أن ينضج الفيلم فعلاً قبل إطلاقه.هل السينما هي المرحلة الطبيعية التي يسير نحوها مخرج الكليب؟بدأت كتابة هذا الفيلم وتصوير أجزاء كبيرة منه قبل إخراج الكليبات. تدفع قلة الإنتاج السينمائي في لبنان والدول العربية المخرجين إلى تصوير الأغاني والإعلانات بانتظار خوض مجال السينما عندما تتسنى أمامهم الفرصة. لكن ليس ذلك قاعدة، فثمة مخرجون لم يتجهوا يومًا إلى الكليب فيما عمل آخرون في الكليب والإعلان ولم ينتقلوا إلى السينما. بالنسبة إلى تجربتي الشخصية، فقد أردت منذ البداية خوض مجال السينما والأفلام الطويلة.كيف تفاعل الجمهور الغربي مع مضمونه علمًا أنه يعكس طبيعة مجتمع لبناني معين؟خفت بداية من ردود الفعل الغربية، لكن الجمهور أعجب به وتحدث النقاد عنه ووصفوه بالعمل الإبداعي، ونال في أوروبا جائزتين. وعلى رغم فرحي بتأثر الجمهور الغربي بمشهدية الفيلم إلا أنني حزنت بسبب المطالبة بإيقافه في لبنان، أي في وطني الذي أردت التوجه اليه أولا قبل التوجه إلى أي بلد آخر.تلقى الفيلم دعمًا من مهرجان دبي، متى يصبح الإنتاج السينمائي لبنانيًا بحتاً؟تلقى الفيلم دعماً من وزارة الثقافة اللبنانية التي صنفته من فئة «أ» لعام 2012 وقدمت مساعدة رمزية له لا تكفي لتنفيذ جزء منه، كذلك جاء دعم دبي رمزيًّا أيضًا.في رأيي عندما تنتظم الأمور في لبنان ويتوقف هدر حياتنا بصراعات ومشكلات وانتماءات، سنجد وقتًا لوضع خطة عمل لدعم أي قطاع ثقافي. طالما يتجه السياسيون بالناس نحو الهاوية ويبثون سمومهم، لن تتطور الثقافة في لبنان، خصوصًا أن غالبية الأفلام السينمائية اللبنانية الراهنة تنطلق من تجارب شخصية. لست متشائمًا، إنما لا يمكنني القول إن ثمة ركيزة للسينما اللبنانية قادرة على تأمين تمويل ذاتي.نلاحظ أن أبطال الفيلم ليسوا من نجوم الصف الاول، ما السبب؟أؤمن بالشخص الذي يقف وراء الممثل وليس في الممثل المعروف مع احترامي له ويمكن أن أتعاون معه مستقبلا. أردت أن أكون صادقًا عبر تقديم شخصيات من الحياة تشبه والديّ، ولم يكن ذلك بالأمر السهل فنزلت إلى الشارع وبحثت عن أناس ليكونوا أرضًا خصبة أستطيع أن أزرع فيها ما أشاء. بصراحة، عندما تعرفت إلى جوي كرم وجدت أن تعابير عينيها ملائمة للدور، خصوصًا أن ثمة أهمية للصمت والتعابير والنظرات في الفيلم.كيف مزجت بين الأحداث الحقيقية والوقائع والخيال والمشاهد الرمزية؟شكل الطفل في الفيلم الرابط بين الحقيقة والخيال وبين الحاضر والذكريات. لا حقيقة من دون خيال في مكان ما. حتى الواقع الذي نعيشه يلامس الخيال في أحداث معينة. ينبثق الخيال من رواسب واقعية وقصص حقيقية نبنيه من خلالها لنعكسه على المشاهد، هكذا تحقق المزج بين الواقع والخيال ليشكلا خلطة أساسية للفيلم، ما أضفى عليه نظرة سينمائية مختلفة عن الفيلم الروائي العادي الذي يتضمن أحداثًا كلاسيكية بالنسبة إلى المشاهد.ألم تكن هذه المشاهد الرمزية المحرك الاول للتأويلات والتفسيرات الخاطئة؟أفضل التأويلات واتهام الفيلم بدلاً من إعطاء مادة تافهة لا تستفز فكر المشاهد. لم أرغب بتوقيع عمل يظهر مشاهد من ضمن لزوم ما لا يلزم. يولّد الفنّ عموماً ردود فعل متناقضة بين تأييد ومعارضة وإلا لا يستحقّ الحديث عنه علمًا أن ذلك لم يكن هدفي أبدًا، لكني لن أستخف بذكاء المشاهد الذي اعتاد الأمور السهلة ولن أقلل من احترامه.هل خلّدت والديك من خلال هذا الفيلم؟عبثت بذكرياتهما لانتقل إلى مكان آخر من دون أن أقدم فيلمًا وثائقيًا يخلدهما. إلى ذلك هما خالدان في نظري، وأردت تقريبهما من الأساطير من خلال طريقة طرحي الشخصيات ومعالجة القصة.لماذا ركزت على عين المخرج أكثر من السيناريست؟أنا مخرج قبل أن أكون كاتب سيناريو، وفي واقع السينما المخرج هو نفسه الكاتب لافتقادنا إلى الكتاب السينمائيين. لم اسعَ من خلال هذا الفيلم إلى تقوية عضلات المخرج بل إلى تكوين القصة ومضمونها ومزج الحقيقة في الخيال، واحتاج ذلك كله إلى مخرج يربط القصص أكثر من كاتب سيناريو وحوار. إلى ذلك أردت أن يكون التعبير من خلال الصورة لذلك أدى المخرج دوره الأكبر في هذا المجال.تواصل بطلا الفيلم عبر النظرات، هل يهدف ذلك إلى إظهار طابع البراءة في العلاقة بين والديك؟لم أرغب في أن يتحدثا لئلا تسقط صورتهما وليبقيا في مصاف أعلى يليق بالأيقونة التي رسمتها لهما، وتركت للمشاهد أن يتخيل من خلال نظرتهما حوارهما ومشاعرهما.ما عناوين مرحلتك المقبلة؟لدي أفكار لسيناريوهات جديدة واختلاج داخلي يحثني على البدء بعمل سينمائي طويل.هل ستعود إلى إخراج الكليب؟بالطبع لأنني أحترمه ولا أعتبره دونيًا. لذلك ثمة مشاريع جديدة مقبلة مع تركيز على الأفلام السينمائية والطويلة.هل سيرتدّ الفيلم على إخراج الأغاني المصورة؟ربما بعد تقديمي الفيلم سيرغب البعض في التعاون معي أكثر، مع أن ثمة من يثق بنظرتي الفنية ويرغب في التعاون معي قبل تقديمي هذا الفيلم. لا أحمل أكثر من بطيخة في يد واحدة لذلك أكرّس وقتي لكل مشروع أقرر البدء فيه.تتحدث غالبية الأفلام السينمائية عن حقبة الحرب، هل هي عملية تماثل للشفاء من جروحها أو انعكاس للصور في الذاكرة؟الاثنان معًا. نعيش في مرحلة سلام مرتقب وعبثي لذلك لا يمكن القول إن الحرب انتهت، لكن يجب ألا نركز على هذا الموضوع فحسب في أعمالنا. أظهرت من خلال بعض المشاهد إرادة لإسكات الحرب وإعطاء مساحة للحب، إنما لا يمكن إخفاء الحرب وجروحاتها لأنها أثرت فينا وعاشت فينا ونلمس تداعياتها راهنًا. بالتالي، لا يجدي محو التاريخ نفعًا.ماذا بعد هذا الفيلم؟سأستهل العمل في مشاريع مؤجلة.
توابل - مزاج
جو بو عيد: الإعلام شوّه تنورة ماكسي
01-06-2012