استخدمت المنظمات البيئية صوراًَ لجزر جنوب المحيط الهادئ لتوضيح الآثار المدمرة لارتفاع مستوى سطح البحر. لكن وجدت مجموعة من الباحثين الفرنسيين أن المشكلة أكثر تعقيداً: تُسحب الجزر بسبب تحرك الصفائح التكتونية. «شبيغل» تابعت هذه الظاهرة.

تظهر الجزيرة من المحيط كحصن بفتحات في سوره. تتراصف الأشجار على منحدراتها بتيجانها المنيعة، فتبدو الجزيرة وكأنها ملفوفة بغطاء من المخمل الأخضر. إلى الأسفل، تزنّر أشجار النخيل الشاطئ، وأشكال الأكواخ التي ينبعث من بعضها الدخان تواجه ضياء شروق الشمس الساطعة.

Ad

وجّه فريق من الباحثين الفرنسيين زورقهم بعناية عبر الشعاب نحو فانيكورو، وهي بقعة من الأرض تشكل جزءًا من جزر سليمان، في جنوب المحيط الهادئ. جاؤوا هنا لكشف أسرار الجزيرة. وبحسب خبيرة الجيوديسيا من باريس فاليري بالو (44 عامًا): «يبدو كما لو كنا في رحلة استكشافية منذ 250 عامًا». يُشار إلى أن الجيوديسيا هي علم قياس الأرض.

قفزت بالو في مياه رصيف رملي ضحلة، ثم دفعت القارب أمامها. على مرمى حجر، ستجتمع ثقافتان وطريقتان مختلفتان في العيش والتفكير. وليست الضحكة الودية سوى بداية جيدة للتخفيف من توتر هذا اللقاء الأول. صرخ ألكسندر فرانسوا (40 عاماً): «مومومبو واكو!». فرانسوا عالم لغوي من المجموعة الفرنسية، سبق أن عاش في الجزيرة ودرس لغاتها، يعرفه رجال فانيكورو ويطلقون عليه اسم «الرجل الأبيض من الجزيرة الكبيرة».

جاء الزوار الأجانب إلى هنا لأن فانيكورو تغرق ببطء في المحيط. أو على الأقل هذا ما يعتقدونه. بدأ الفريق من قاربه بتفريغ عدد من المعدات الثقيلة التي يود قياس الجزيرة من خلالها.

تبلغ مساحة فانيكورو أقل من 200 كيلومتر مربع (77 ميلاً مربعًا)، ما يجعلها أصغر قليلاً من جزيرة مارثا فينيارد. يعيش سكانها الذين يبلغ عددهم 900 شخص من دون كهرباء أو هاتف أو خدمة العبارة العادية. تنظر إلى الأفق فيُخيَّل إليك أنك تقف على نهاية العالم، وما من طريقة للذهاب بعيدًا عن هذا المكان سوى زورق طويل مجهز بشراع.

يقسّم سكان فانيكورو إلى ثلاث مناطق قبائلية تقريباً ويتحدثون أربع لغات مختلفة. تقع الجزيرة على بعد أكثر من 2000 كيلومتر (1200 ميل) من شمال شرق أستراليا. وهي مثل كثير من جزر أوقيانوسيا، نشأت نتيجة النشاط البركاني، ويتوقف مصيرها على تحرك الصفائح القارية وتصادمها. يخطط الباحثون من المركز الفرنسي الوطني للبحوث العلمية (CNRS) لتمضية يومين من التحقيق في هذا المشهد الجيولوجي.

أهمية عالمية

بدأ اليوم الأول بخيبة أمل: عندما قررت بالو وفريقها العثور على المكان الذي قاسوا فيه ارتفاع الجزيرة قبل سبع سنوات، اكتشفوا أن أهم علامة على المسح الذي قاموا به، والتي وُضعت أصلاً على مسافة آمنة من الشاطئ، هي الآن تحت الماء وقد تآكلت القطعة المعدنية وقاعدتها الملموسة. ذكر الجيولوجي ستيفان كالمان (52 عامًا) الذي يخشى أن تصبح العلامة «غير مجدية» نتيجة التآكل: «من المحتمل أن يكون ذلك قد سبب الانزلاق».

لا يزال هذا التطور يقدم دليلاً على شيء واحد على الأقل: الساحل هنا متحرك. لكن يبقى السؤال: هل مستوى سطح البحر يرتفع أم الجزيرة هي التي تغرق؟ قالت بالو: «الأسئلة التي نحاول الإجابة عنها هنا في فانيكورو لها أهمية عالمية». في الواقع، بفعل ارتفاع مستويات المياه بشكل أسرع حول الجزر في جنوب المحيط الهادئ أكثر منه في أي مكان آخر على وجه الأرض، أصبحت المنطقة تشكل موضوع دراسة مهم للعلماء.

قريباً من جنوب فانيكورو، تقع جزيرة تيغا وهي موطن السكان الذين أعلنت الأمم المتحدة أنهم «أول اللاجئين بسبب التغيرات المناخية» في العالم في عام 2005. هنا، في جزء من جزيرة فانواتو، كان على قرية كاملة أن تنتقل بسبب ارتفاع مستوى المياه، ونشرت إحدى وسائل الإعلام العالمية صورًا عن مزرعة لجوز الهند غارقة في المياه استعادها البحر.

كذلك حذَّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة (يونيب) آنذاك من أن انتقال القرية إلى تيغا «يؤكد على اتخاذ تدابير جذرية على نحو متزايد الآن للحفاظ على المجتمعات المحلية نتيجة الارتفاع في الانبعاثات التي من صنع الإنسان في الغلاف الجوي». ولاحظ كل من كلاوس توبفر (سياسي ألماني)، فضلاً عن الحزب الديمقراطي المسيحي بزعامة المستشارة أنجيلا ميركل والمدير التنفيذي لبرنامج «يونيب» في ذلك الوقت: «إن ذوبان الجليد وانحسار الجليد البحري وارتفاع مستوى سطح البحر، فضلاً عن موجات العواصف وما شابه، تشكل المظاهر الأولى لتبدل كبير جار، سيؤثر على الجميع في النهاية على هذا الكوكب».

معركة

لكن هل يرتضي مصير قرية تيغا حقًا أن تقدم الأخيرة نفسها على أنها عرض لظاهرة الاحتباس الحراري؟ الباحثون من فرنسا لهم شكوكهم، وقد أتوا إلى تيغا في فانيكورو للبحث عن أدلة.

كان المنجل أداتهم الأولى. بحثت فاليري بالو عن علامة المسح الثاني. سحب زميلها آلان لو برويس مخططات مرسومة باليد تشبه خارطة الكنز. لكن حتى من دون الحاجة إلى إلقاء نظرة عليها، أشار أليك سيلو، مواطن محلي، إلى شجرة مانغو صغيرة. فعلاً، يعثر الباحثون على علامة المسح هناك تحت الشجيرات. فيفكون بسرعة الحمالة الصفراء والحمراء التي تستخدم لمسح الأراضي. «تبدأ الآن المعركة لأجل كل ملليمتر»، بحسب بالو.

تحققت من وضعية هوائيات نظام تحديد المواقع، ثم طلبت من أليك قطع بضع الأشجار الصغيرة التي كانت تتداخل مع إشارات الاستقبال، وأوضحت بالو: «نحن في حاجة إلى أكبر عدد من إشارات أقمار نظام تحديد المواقع الاصطناعية للقياسات لدينا. هذا يزيد من دقة عملنا». أشار العرض على جهاز تحديد المواقع لديها إلى الاتصال بـ 16 قمرًا صناعيًا.

تخزن هذه الأجهزة بيانات الوضعيات من الأقمار الصناعية كل 30 ثانية لمدة 48 ساعة. «وكلما أطلنا مدة القياس، أصبحت النتائج أكثر دقة» بحسب بالو. تحديد تحركات القشرة الأرضية الدقيقة وصولاً إلى الملليمتر الواحد مهمة صعبة، فهذا الكوكب ليس مجالاً جامدًا. بل تجري إعادة تشكيله باستمرار نتيجة لقوة الجاذبية التي تمارسها الشمس والقمر، فضلاً عن الكواكب الأخرى، مثل المريخ والمشتري.

تلك الأجسام لا تسحب على سطح الأرض فحسب، بل أيضًا على أقمار نظام تحديد المواقع الاصطناعية، فتؤدي إلى تباينات في مداراتها. وأوضحت بالو: «تؤدي هذه الأمور كافة إلى فقدان الدقة».

تسلَّق العالم جذوع الأشجار التي تمتد إلى تيار مستنقعي ويعود بعدها إلى الشاطئ. مسح كالمان، العالم الجيولوجي، الشاطئ مع جهاز تحديد المواقع الاصطناعية لمقارنة النتائج مع المخططات السابقة. أشار لو برويس إلى تعفن جذور الشجرة في الماء وقال: «في زيارتي الأولى، كان الساحل يمتد على طول المكان هذا».

سبق وزار لو برويس فانيكورو مرات عدة، لكن زياراته السابقة كانت لسبب مختلف، قال: «نحن واقفون على أرض تاريخية»، لافتًا إلى النصب التذكاري الذي يحمل لوحة من البرونز، مفسِّراً أن هذا الشاطئ هو المكان الذي لجأ إليه طاقم من بحارة المستكشف جان فرانسوا دي لابيروز الشجاع عندما غرقت سفنهم على الشعاب المرجانية المحيطة بالجزيرة.

قررت السفينتان الإبحار قبل وقت قصير من قيام الثورة الفرنسية، موفدة من وصي عرش فرنسا المحاصر لويس السادس عشر. في عام 1788، بقوا في عرض البحر في منطقة المحيط الهادئ لمدة عامين فيما وجد لابيروز نفسه، المريض بداء الاسقربوط، في وسط الإعصار. «بحلول الوقت الذي رصد فيه الرجال جزيرة في البحر المزبد، كان الأوان قد فات»، بحسب لو برويس. «كانوا فعلاً قريبين جدًا من الشعاب المرجانية».

أثار مصير رجال لابيروز اهتمام أوروبا كلها في أوائل القرن التاسع عشر، ووصل حطام السفينة الصغيرة إلى جزيرة فانيكورو. «آه، يا له من موت رائع للبحار!» هتف الكابتن نيمو بطل رواية جول فيرن «20000 فرسخ تحت الماء»، عندما غطس وصولاً الى حطام.

وكان لو برويس هناك عندما جاء علماء الآثار وانتشلوا المراسي والزجاج. على الشاطئ، وجدوا قطعًا نقدية، وآنية خزفية وجمجمة تمكنوا من تحديد أنها تنتمي إلى عالم كان على متن السفينة. تم الآن وضع جهاز نظام تحديد المواقع في موقع تلك المأساة لتسجيل البيانات.

فضلاً عن ذلك، يقدم تقرير تغير المناخ الذي سينشر العام المقبل أدلة على أن المحيطات في العالم سترتفع بين 0.5 و1.2 متر بحلول عام 2100، مع ارتفاع درجة حرارة الأرض التي تزيد منسوب مياه البحار بمقدار 1.8 ملليمتر سنويًا. مع ذلك، هذه الكمية ليست كبيرة مقارنة مع التقلبات الطبيعية في العمل هنا. مثل معظم سكان منطقة جنوب المحيط الهادئ، لا بد لسكان فانيكورو من التعامل مع تقلبات في مستوى سطح البحر تبلغ نحو 20 سنتمتراً والتي تسببها التيارات في المحيط الهادئ، مثل ظاهرة النينيو المناخية.

لغة الناجي الوحيد

كانت بالو في عجلة من أمرها. فأمام فريقها أقل من 48 ساعة لتحديد ما إذا كانت أجزاء أخرى من شريط الجزيرة الساحلي تختفي أيضاً، وكانوا يخططون لزيارة قرية تيموو على الجانب الشرقي من الجزيرة. بعد الغداء على متن سفينة الأبحاث « أليس»، التي يديرها معهد بحوث التنمية في فرنسا، أنزلوا زورقهم الآلي مجددًا في المياه.

في طريقه، مرّ فريق البحث في وابل الأمطار الاستوائية. ثم وصل إلى شاطئ حيث تمكن الباحثون من رؤية أشجار جوز الهند مع جذورها المكشوفة من جراء المياه. هل هذه هي العلامات الأولية التي تشير إلى أن الجزيرة تغرق، أو أن مستوى سطح البحر يرتفع؟

استقبل القرويون فريق بالو استقبالاً حماسيًا، فراحت تتحدث معهم لمعرفة المزيد عن سلوك المحيطات، بمساعدة العالم اللغوي فرانسوا. التفت إليها شاب. قميص البولو والسروال الأنيق يميزانه عن سكان الجزيرة في قمصانهم الباهتة. قدم نفسه باللغة الإنكليزية باسم مايكل ميننغا (38 عامًا)، وهو مدرس تم إرساله إلى هنا لمدة ثلاث سنوات من لاتا، عاصمة مقاطعة تيموتو. وسأل بالو ما إذا كانت على استعداد لإجراء محادثات مع تلامذته حول بحثها.

سحب ميننغا كمبيوتراً محمولاً جديداً، يبدو وكأنه كائن غريب من عصر آخر في هذه القرية التقليدية. وعاد إلى مكتب المدرس المحفور تقريبًا، ووصل الكمبيوتر ببطارية سيارة كان قد شحنها بلوحة شمسية، مستحضرًا ثقافة الباوربوينت من الأكاديمية الحديثة في مسار تصادمي مع المعتقدات الشعبية المحلية عن الأشباح وقوى الشر.

باللجوء إلى شكل مختلف من الإنكليزية المبسطة المستخدمة هنا، بدأت بالو بالشرح حول نواة الكوكب والصفائح القارية التي تنجرف عبر الصخور المنصهرة. وتحدثت عن الزلازل التي يعرفها الجميع هنا أيضًا. وشرحت أن تحت أقداهم مباشرةً تنزلق الصفيحة تحت الأخرى. ومالت بيدها لتمثل الصفيحة الاسترالية التي تختفي تحت المحيط الهادئ، مضيفة أن الصفائح تعلق الواحدة على الأخرى ويتحرر بذلك الضغط.

تضرب الزلازل والتسونامي فانيكورو بانتظام، لكن الناس هنا يقبعون تحت رحمة قوى الطبيعة: في مسار الغرق البطيء، سحبت الصفيحة الأسترالية فانيكورو إلى الأعماق. وكانت بالو قادرة على أن تؤكد أن هذه هي الحال بالنسبة إلى جزيرة تيغا القريبة مستعينة بوثائق منشورة العام الماضي. غرقت تلك الجزيرة ما يقارب 12 سنتمتراً بين عامي 1997 و2009، إلى درجة أن مزرعة جوز الهند الشهيرة الآن في مؤتمرات المناخ العالمي أصبحت تحت الماء. وشرحت: «ارتفع مستوى سطح البحر، لكن نتجت ثلاثة أرباع ذلك من انخساف الأرض».

أصبح من الواضح أن فكرة الأمم المتحدة كانت سابقة لأوانها في الإعلان عن أن القرويين في تيغا هم لاجئون بسبب التغيرات المناخية عندما تسبب زلزال كبير ضرب الجزيرة بإخراجها مجددًا من المياه في عام 2009. وقالت بالو: «وعادت مزرعة جوز الهند إلى اليابسة منذ ذلك الحين».

مع ذلك، فهي تشير إلى أنه، بالنسبة إلى الشعب هناك، لا يهم كثيرًا ما هي الظواهر الفيزيائية المعينة التي أجبرتهم على التخلي عن قريتهم. ما أحبط بالو هو أن صندوق التكيف مع تغير المناخ ساعدهم على الاستيطان في قرية جديدة، لكن في موقع بالكاد أفضل من الموقع الأصلي». «الموقع على ارتفاع منخفض» ذكرت بالو، «ولا يزال يمكن للمد والجزر أو لتسونامي الوصول إليه».

في مدرسة القرية، نظرت بالو حولها وشعرت أن جمهورها ماعاد يتبعها، لذلك سألت سؤالاً أكثر تحديدًا: «لماذا في رأيكم تحدث الزلازل؟». في البداية، لم يجرؤ أحد على الكلام، ثم أجابت فتاة في مقتبل العمر، ويفترض أنها مساعدة مدرس. فمها أحمر مشرق بفعل نبات التنبول الذي تمضغه، كما يفعل معظم سكان فانيكورو، فوصفت رجلاً، ساحراً خبيثاً، مسكوناً بالأرواح الشريرة وقالت: «هو سبب الزلازل».

ما زال سكان فانيكورو يعتقدون في الأرواح حتى يومنا هذا. وعلى رغم أن العلماء يجدون صعوبة في الموافقة عليها، هذه الخرافات تحديدًا هي التي كانت تتولى حماية الناس من قوى الطبيعة في هذه المناطق.