تمكنت مدينة سيول الكورية الجنوبية من إقامة أضخم دورة أولمبية حتى وقتها عام 1988، وتمكن الاتحاد السوفياتي من الانقضاض على الصدارة للمرة السادسة في تاريخه، بينما انفجرت في هذه الدورة أشهر فضيحة في التاريخ الأولمبي، حيث تبين أن العداء الكندي بن جونسون بطل 100م تناول منشطات، فقدمت ذهبيته إلى منافسه الأميركي كارل لويس.
سيول تسعة ملايين نسمة، عاصمة كوريا الجنوبية، بلاد بعيدة جداً يقطنها شعب غريب استضاف حدثاً كبيراً جداً هو دورة الألعاب الأولمبية الـ24.وكوريا الجنوبية كانت وقتذاك بلدا مضطربا في آسيا، ومحور الاهتمام العالمي، بلد الترقب والمتناقضات، سكانها أناس في امكانهم أن يسحروا المرء أو أن يرعبوه. بلد لايزال يبحث عن هوية، وعاصمة قفزت مباشرة من القرون الوسطى إلى عام 2000.وفي القرن العشرين، كان الفائز الأول في سباق الماراثون في دورة برلين الأولمبية عام 1936، كورياً يدعى سون كيتي (سون كي شونغ) شارك تحت اسم اليابان بسبب احتلال الأخيرة للأرض الكورية.لكن وبدءاً من عام 1948، بدأت كوريا الجنوبية تخوض المشاركات الأولمبية، وتنافس أبطالها في ظل علم بلادهم بعد نيلها الاستقلال. وبرز رياضيوها في الملاكمة، والمصارعة، ورفع الأثقال، والجودو، وكرة السلة، وكرة القدم، وكرة الطاولة، والرماية بالقوس والسهم والكرة الطائرة.وحققت كوريا الجنوبية أفضل النتائج في دورة لوس انجلس 1984، حيث حصد أبطالها 19 ميدالية بينها 6 ذهبيات، واحتلت المركز العاشر في الترتيب العام.أضخم دورة أولمبيةفي 17 سبتمبر 1988 تناست كوريا الجنوبية همومها ومشكلاتها على مدى 16 يوما، وكانت سيول قبلة العالم قاطبة وعاصمته، حيث أقيمت أضخم دورة أولمبية حتى تاريخه، وكسبت الرهان بتقديم ألعاب باهرة.وفي كوريا الجنوبية "أرض الصباح الهادئ" كانت الأغلبية العظمى من المواطنين مصممة على إظهار أفضل وجه لبلادها أمام العالم، وفي حفل الافتتاح تجلى تاريخ البشرية كله في الاستعراض الذي أقيم في الاستاد، وخلاله تسلم كل متفرج جهاز استقبال صغيرا تمكن بواسطته من وقائع الاحتفال بثماني لغات.وللمرة الأولى في تاريخ الألعاب، بدأت مراسم المهرجان من خارج الملعب وتحديداً من مياه نهر هان المجاور، حيث كانت سفينة كبيرة تتقدم أسطولا من خمسة الاف زورق وتقوم باستعراضات رائعة.وخاض المنافسات 8465 رياضيا بينهم 2184 امرأة من 159 بلدا وهو رقم قياسي، وغابت تضامنا مع كوريا الشمالية كوبا وإثيوبيا ونيكاراغوا.وشملت الدورة 237 مسابقة في 23 لعبة هي: ألعاب القوى والتجديف وكرة السلة والملاكمة والكانوي-كاياك والدراجات والفروسية والمبارزة وكرة القدم والجمباز ورفع الأثقال وكرة اليد والهوكي على العشب والجودو والمصارعة والسباحة والخماسي الحديث وكرة المضرب وكرة الطاولة والرماية والقوس والسهم والكرة الطائرة والألواح الشراعية.وسجلت عودة كرة المضرب للمرة الأولى منذ 64 عاما، ودخول "اللعبة الدبلوماسية" كرة الطاولة.وكانت بعثة الولايات المتحدة الأضخم (722 شخصا)، تلتها بعثة الاتحاد السوفياتي (655).السوفيات في الصدارة للمرة السادسةشهد أسبوعا المنافسات حصد الاتحاد السوفياتي 132 ميدالية بينها 55 ذهبية، وحلت المانيا الشرقية ثانية بـ102 (37)، والولايات المتحدة ثالثة بـ64 (36). وكانت المفاجأة الأبرز حلول كوريا الجنوبية رابعة بـ33 ميدالية (21).وبذلك كرر الاتحاد السوفياتي إنجاز الصدارة للمرة السادسة في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.أما المحصلة العربية الإجمالية، فقد بلغت ست ميداليات هي: ذهبية المغربي إبراهيم بوالطيب في سباق 10 الاف م، وبرونزيات المغربي سعيد عويطة في سباق 800م، الذي اعتبر من كبار الخاسرين في الدورة، ومواطنه الملاكم عبدالحق عشيق في وزن 57 كلغ، والجيبوتي أحمد صلاح أحمد في الماراثون.سباق القرنسجلت الدورة عودة علنية للمحترفين، ففازت الألمانية الغربية شيتفي غراف بذهبية كرة المضرب، ووصلت المنافسة بين الاميركي كارل لويس والكندي بن جونسون في سباق 100م إلى القمة، فأطلق عليه "سباق القرن".وفاز جونسون مع رقم عالمي جديد مقداره 9.73ث في 24 سبتمبر، ثم إنفجرت أشهر فضيحة في التاريخ الأولمبي بعد ثلاثة أيام، حيث تبين أن العداء الكندي تناول منشطات فقدمت الذهبية إلى غريمه وشطب الرقم.واللافت في هذه الدورة تبادل الألقاب في ألعاب كانت حكرا على دولة دون غيرها، إذ دخل لقب كرة القدم في جعبة الاتحاد السوفياتي بعد مضي 32 عاما، أي منذ عام 1956، وأسقط السوفيات الاميركيين للمرة الثانية بعد الأولى عام 1972. في المقابل، انتقل لقب الكرة الطائرة إلى الاميركيين للمرة الأولى، وخرجت اليابان إمبراطورة الجودو بذهبية واحدة، وانتزع الكينيون "عداؤو السافاري" معظم سباقات الجري من 800 إلى 5 الاف م بفضل بول ايرينغ وبيتر رونو وجون نغوجي وجوليوس كاريوكي، ولم يصل أي صيني إلى الدور نصف النهائي في فردي كرة الطاولة.تحطيم الأرقام القياسية بالجملةعلى صعيد الأرقام القياسية، تم تسجيل 27 رقما عالميا في ألعاب القوى والسباحة ورفع الأثقال والرماية، وكانت هناك ميزة خاصة هي تحطيم بعض هذه الأرقام بالجملة، لا بل من دقيقة إلى أخرى.ونال 34 لاعبا ولاعبة ميداليتين ذهبيتين على الأقل، والأوفر ألقابا بين الرجال هو السباح الاميركي مات بيوندي الذي أحرز سبع ميداليات منها خمس ذهبيات في سباقات 50 و100 م حرة، والتتابع 4 مرات 100م و4 مرات 200م حرة و4 مرات 100م متنوعة.وكانت الألمانية الشرقية كريستين اوتو نجمة الأحواض والاولمبياد معا، فقد انتزعت ست ذهبيات من أصل ميداليات بلادها الـ37، أي اقل من السدس بقليل.ووحده الأميركي غريغ لوغانيس تمكن من الاحتفاظ بلقبين، وذلك بعد فوزه في مسابقتي الغطس المثيرتين. وهو كاد يفقد حياته خلال المنافسات إذ إصطدم رأسه باللوحة المخصصة للقفز وهو في الهواء في اتجاه الحوض، فسقط في الماء الذي تعكر بالدم، بيد أن السباح الأميركي نجح في الخروج بمفرده من دون مساعدة ووضعت له أربع غرز.وبعد نصف ساعة عاد لوغانيس إلى المنصة وأعاد القفزة ذاتها وحقق أفضل نقطة في الدور التمهيدي.وبعدما عادت إليه حقوقه في سباق 100م، اجتاز الأميركي كارل لويس مسافة 8.72م في الوثب الطويل، ما ضمن له الاحتفاظ بالذهبية أيضا.ورافق انتصار مواطنته فلورنس غريفيت جوينر ذات الصوت العريض والأظافر الطويلة الملونة في سباقي 100م و200م ورقميها القياسيين العالميين المثيرين للجدل 10.54ث و21.34 ث تساؤلات عدة. وفازت مواطنتها جاكي جوينر كيرسي بذهبية الوثب الطويل والمسابقة السباعية.دجاجة ذهب لتركياوتألق بطل الجمباز السوفياتي فلاديمير ارتيموف، وأضحى الرباع التركي نعيم سليمان اوغلو بطل الملايين في بلاده الجديدة والمحروين في موطنه السابق بلغاريا والذي لم يستطع أن ينافس تحت رايته في لوس انجلس 1984 بسبب "المقاطعة الشرقية". وكانت الموهبة الفذة أو هرقل العصر دجاجة ذهب لتركيا، وهو تمكن في سيول من تحقيق ستة أرقام عالمية في وزن 60 ملغ، ورفع ثلاثة أضعاف وزنه!.وللمرة الأولى تعود ميداليات مسابقة الترويض في الفروسية للسيدات، وكانت بطلاتها الألمانية الغربية نيكول ابوهوف، والفرنسية اوتوكريبين، والسويسرية كريستين شتوكلبرغر.وحازت الألمانية الشرقية كريستيا لودنغ روتنبرغر الفائزة بميداليتين في دورة كالغاري الشتوية، فضية سباق السرعة للدراجات على المضمار.وشاركت السويدية كريستي بالمه للمرة السابقة في المبارزة. وكما كان للدورة نجومها وأبطالها، فإن سجل الخاسرين يضم نجوما بارزين في طليعتهم كما ذكرنا المغربي عويطه الذي خسر رهانه وتحديه، وبطل 400م حواجز الأميركي ادوين موزس، وعملاق المسابقة العشارية البريطاني ديلي طومسون، وسلطان رمي المطرقة السوفياتي يوري سيديخ، وبطل التجديف الفنلندي بيرتي كاربنتينن الذي لم يخسر في الفردي منذ دورة مونتريال 1976.فضائح ومفارقاتإذا كانت لا تمر دورة من دون مفارقات، يسجل في سيول بعض الاتهامات بالتلاعب في نتائج الرماية والملاكمة، والتهجم على الحكام وضربهم، ومن أبرزها تحول حلبة الملاكمة التي كانت تقام عليها مباراة الكوري الجنوبي بيون يونغ والبلغاري ألكسندر خريستوف، إلى مسرح لفوضى كبيرة واشتباكات عدة.ففي مناسبات عدة فصل الحكم بين الملاكين ووجه اليهما إنذارات، وعندما تلقى يونغ إنذاره الثالث طلب الحكم الرئيس من زميله على الحلبة اعطاءه نقطة جزاء، وأضيفت إلى رصيده أخرى في الجولة الأخيرة، ما منح الفوز لمنافسه البلغاري، فصعد مدرب يونغ وعدد من مواطنيه إلى الحلبة للاعتداء على الحكم الذي حماه زملاؤه. وانضم أعضاء أجهزة الأمن الكوري الجنوبي إلى المعتدين ووجهوا ضربات إضافية إلى الحكم.وبمجرد انتهاء الاشتباك صعد يونغ إلى الحلبة وجلس فوقها رافضا التحرك احتجاجا على قرار الحكم. وبقي في مكانه 67 دقيقة، وهو "رقم قياسي أولمبي" في الاعتصام لم يحطم حتى الآن.كما تسجل محاولة سرقة تمثال من أحد الملاهي الليلية، قام بها بطلا السباحة الأميركيان في فريق التتابع 4 مرات 400م، تروي دلبي ودوغ جيرتسن.ولحق بهم المجريون بعدما اكتشفوا أن رباعهم أندرو تشاين الحائز فضية وزن 100 كلغ متنشط.
رياضة
سيول 1988: فضيحة بن جونسون تعكر صفو أرض الصباح الهادئ
21-07-2012