لا ينفك الباحثون يحاولون أن ينتصروا على سرطان الثدي بشتى الوسائل، وقد نجحوا في الحد من انتشاره حول العالم. فماذا عن سرطان البروستات؟  The Economist اطلعت على الأبحاث في هذا المجال.

تؤدي معظم أمراض السرطان على اختلاف أنواعها إلى الموت. غير أن البعض منها يطاول الأعضاء الجنسية تحديداً. فسرطان الثدي مثلاً نادر عند الرجال أما سرطان البروستات فهو من دون أدنى شك غير موجود لدى النساء.

Ad

شهدت السنوات الأخيرة ثورة على صعيد إنتاج أدوية حديثة- بدءاً بعام 1998 مع هرسبتن  (Herceptin) لمعالجة أورام الثدي التي تصل إلى مرحلة متقدمة يصعب التحكم بها. غير أنّه ما من تقدم مماثل يطاول سرطان البروستات، فهذا المرض تسهل معالجته بمجرد الكشف المبكر عنه، في حين يصبح خطراً عند وصوله إلى مرحلة متقدمة فيتسبب بالموت. لكن ثمة أمل بالتغيير.

في هذا الإطار، ساعدت دراسة بيولوجيا المرض، خصوصاً دور التستوستيرون في تعزيزه، على تطوير حقبة جديدة في مجال إنتاج الأدوية، المحفز الرئيس لإطلاق هرسبتن (Herceptin). وتصدّرت هذه العلاجات المهمة التي تخضع حالياً لاختبارات سريرية مناقشات مؤتمر الجمعية الأوروبية لعلوم المسالك البولية الذي انعقد في باريس الشهر الفائت.

بيد أنّ بعض العلاجات يبقى خارج الاستخدام: مثلاً، ثمة فيروس تم تعديله وراثياً من شأنه أن يتلف خلايا سرطان البروستات من الداخل، فكثيرة هي العلاجات المتوافرة أو التي ستتوافر قريباً. مثلاً، الـ{كابازيتاكسل» (Cabazitaxel) من صنع الشركة الفرنسية سانوفي (Sanofi). هذا المنتج مرتبط بـ «تاكسول» (Taxol)، دواء يُستخدم لمعالجة سرطان الثدي والمبيض.

يعمل هذا الدواء من خلال تكوين تركيبات تعرف بالأنابيب الدقيقة، التي تطرح الكروموسوم جانباً عبر تجزئة الخلايا (كخلايا السرطان). تمت الموافقة على استخدام هذا الدواء في عام 2010 بعدما برهنت التجارب أنّ من شأنه تمديد حياة الإنسان في مراحل متقدمة من المرض المذكور. كذلك تمت الموافقة في عام 2011 على دواء ثان وهو الـ «أبيراتيرون» (abiraterone)، من صنع شركةJohnson and Johnson الأميركية، لكن تم إيقافه لاحقاً إذ أظهرت التجارب قوة فاعليته ونجاحه إلى حد اعتبر المنظمون أنّه غير منصف بحق المجموعة الضابطة التي لم تكن تتلقى العلاج أيضاً.

يتداخل الـ «أبيراتيرون» (abiraterone) مع الأنزيم التي تساهم في إنتاج التستوستيرون. وهذا ما يقوم به تحديداً في الأنسجة المنتجة للتستوستيرون كافة، بما في ذلك أيضاً الغدد فوق الكلوية وليس الخصيتين فحسب. عندما تتحول خلايا البروستات إلى خلايا مسرطنة، تصبح غاية في الحساسية تجاه التستوستيرون. في هذه الحالة، يُشار إلى سرطان البروستات في مراحله الأخيرة بـ «المقاوم للخصي»، إذ يعجز علاج الحد من التستوستيرون الفاعل عن كبحه، في حين يستطيع «أبيراتيرون» (abiraterone) القيام بذلك.

تسميم التستوستيرون

استئصال مورد التستوستيرون ليس الحل الوحيد، فـ MDV3100، من صنع الشركة اليابانية Astellas والشركة الأميركية Medivation يحد من حساسية السرطان تجاه التستوستيرون. هذا الدواء الذي لم تتم الموافقة على وصفه بعد، يعمل على حجم حاسات التستوستيرون في مساحات خلايا السرطان فلا تعود قادرة على التفاعل مع الهرمون. بالإضافة إلى ذلك، يعمل على قطع الروابط بين نواة الخلية والحاسات التي لا تزال نشطة، فيتعذر على النواة تلقي التعليمات من الهرمون.

لكنّ طريقة عمل الأدوية مختلفة. فالدواء الرابع، alpharadin، من إنتاج الشركة النرويجية Algeta يعمل بطريقة مختلفة تماماً، إذ لا يطاول السرطان الرئيس بل أحد أكثر الانعكاسات خطورة، أي أورام العظام الثانوية. واللافت أنّ مكوّنه الرئيس هو الإشعاع، هذه المادة التي غالباً ما تعتبر سبباً للسرطان لا علاج له. والسبب الرئيس للاعتقاد بأن الإشعاع خطر، هو كما يتبين، شبه تركيبته الكيماوية بالكالسيوم، مكون العظام الرئيس؛ فتمتصه العظام عند استهلاكه، بدلاً من استبعاده.

استغل الباحثون هذه الميزة لإنتاج دواء تمتصه العظام، وهذه الناحية إيجابية لدى شخص مصاب بالسرطان أصلاً، إذ يقتل الإشعاع الناتج من الدواء الخلايا السرطانية ليتركز الدواء حيث الضرورة.

قد يبدو الأمر محبطاً بالفعل، لكنه فاعل. فقد توقفت تجربة في مستشفى Royal Marsden Hospital في لندن العام الماضي للأسباب نفسها التي أدت إلى إيقاف أبيراتيرون (abiraterone)، إذ أتى العلاج بنسبة نجاح عالية جداً، ما صعُب إنكار ذلك للمجموعة الضابطة. حالياً، لا يزال Alpharadin بانتظار موافقة السلطات المعنية.

أما المقاربة الأخيرة المؤكدة لسرطان البروستات المقاوم للخصي فهو اللقاح؛ في هذه الحالة، لا يكون اللقاح للوقاية من المرض كسائر اللقحات، بل لمعالجة المرض الموجود. يحمل هذا اللقاح اسم Sipuleucel-T، من صنع الشركة الأميركية Dendreon. أولى الخطوات المتبعة هي زراعة خلايا بشرية تغصنية، جزء من الجهاز المناعي؛ يمكن استخدامها لجعل خلايا سرطان البروستات عرضة للهجوم المناعي في حال معالجتها بالشكل المناسب بواسطة مادة تُعرف ببروتين الانصهار.

لكنّ نقطة ضعف Sipuleucel-T الرئيسة هي تخصيص العلاج لكل فرد يتلقاه باستخدام خلايا تغصنية من جسم هذا الأخير وحده. هذه العملية عالية التكلفة- حوالى 100.000 دولار أميركي للجلسة. ولا شك في أن شركات التأمين الصحي وهيئة الخدمات الصحية الحكومية تمتنع بشكل قاطع عن دفع مبالغ مماثلة.

تكلفة كثير من علاجات سرطان البروستات الجديدة غاية في الأهمية، واعتبر المعهد الوطني البريطاني للجودة الصحية والسريرية، الذي يقيّم تكلفة العلاجات الجديدة المجدية والتي بوسع هيئة الخدمات الصحية الوطنية دفعها، أنّ أبيراتيرون (abiraterone) مثلاً باهظ الثمن مقارنة بالأشهر الإضافية التي يضيفها إلى حياة المرء. لكن في البداية، كان هرسبتن  (Herceptin) أيضاً عرضة للانتقاد بسبب تكلفته العالية، غير أنّه بات اليوم كأي علاج عادي آخر، لذلك تحسنت حياة نساء كثيرات (بل باتت أطول)، ونأمل في السنوات القليلة المقبلة، بأن تصبح هذه الحالة هي نفسها حالة الرجال.