لم تكن افتتاحية جريدة "الجريدة" ليوم السبت الماضي 13 أكتوبر منتظرة من جريدة هي الأقرب إلى المنهجية الليبرالية التي تدعو إلى الحرية والمساواة وإلغاء الفكر العشائري، فأن تعنون الافتتاحية بجملة تهديدية "إياكم المساس برمز الدولة" فإن ذلك بحد ذاته مناهضٌ للفكر المدني الديمقراطي الذي أتوقع من جريدتي أن تكون عليه. الموضوع لا يحتاج إلى فزعة في دولة المؤسسات والقانون، وإن كان من مساس فسيعاقب الماس عليه وبالقانون لا باللهجة التصعيدية من الجانب الآخر.

Ad

لتكن الأمور واضحة، شخصياً أنا أرفض أسلوب المعارضة الحالي من رأسه لأخمص قدميه، أرفض انتقاء الكلمات وحِدّة التعابير وحتى نبرات الأصوات، إنه أسلوب يترجى الفزعة ويستحضر السخط، ويبرر العنف اللغوي، ولربما ما هو أكثر من ذلك، ولكن، لا أعتقد أن العلاج يكون برد الصاع صاعين، وبالتحجيم والتكميم، فمن قال يتحمل نتيجة قوله، والقانون هو الفيصل في النهاية.

تتكلم الافتتاحية عن خرق السقف، نعم السقف خُرق من حيث الخطاب الموجه مباشرة إلى سمو الأمير، إلا أن "التطاول" و"تجاوز الأصول" اللذين تحدثت بهما الافتتاحية لا يتناسبان والسياسة الفكرية للجريدة. لسنا في الواقع دولة عادات وتقاليد وأصول، لكننا دولة قانون ودستور وقضاء، هي المنظمة والفاصلة والحامية. ترفض الافتتاحية "أي مساس بشخص الأمير" وهو رفض يجبه وجود قانون لا يكتفي بالاعتراض والتنبيه ولكن بالمعاقبة كذلك، هذا، مع إيماني بأن التوجه الليبرالي الحر هو ذاك الذي يدعو إلى المزيد من الحريات السياسية ورفع الأسقف وتمكين الناس من المزيد من وسائل المحاسبة، لا أن يتم تقييدهم بالأصول و"عاداتنا وشيمنا" و"نحن شعب وسط" وعلاقاتنا "رضا ومحبة وتفاهم"، ثم الانتهاء بالتأكيد على أننا "سنستمر على هذا التقليد" الذي تفرضه "أخلاقنا وواقعنا مثلما يفرضه التفكير السليم". كيف تم الحكم على نوع واحد من التفكير بأنه السليم؟ وكيف ندعو إلى صون العادات والشيم والتقاليد ونحن نخوض في القانونية والدستورية والديمقراطية؟  

سترفع الأسقف شئنا أم أبينا، فهذا هو ديدن العصور المقبلة، القداسة للبشر كمنطق محَفز تقليداً أو تخويفاً للتعامل لن يستمر، وعلينا أن نعلم أن المرحلة المقبلة من الحياة البشرية هي مرحلة بلا أسقف، سيتحدث بها الناس بحرياتهم المطلقة إن لم يكن عبر الميكرفونات المفتوحة فسيكون عبر آلاف الميكروفونات الإلكترونية المخبأة التي يعلو صوتها على تلك التقليدية. هذا ينطبق حتى على القداسات الدينية التي تنفجر المعارضة إلى أشلاء محاولة الدفاع عنها، فالمبدأ لا يتجزأ، والصوت الحر لا يصنف، والنقد من حق الجميع، وفي كل المجالات بلا استثناء. وكل ما يبقى هو الردود المنطقية السليمة الهادئة التي تجب النقد المريع وتنتصر عليه بالمنطق لا بالتهديد. وللقانون دور، ولكن في مسألة الحريات يجب أن يكون محدداً وضيقاً، فالدور الأكبر هو للحوار والرأي والرأي الآخر.   

تُخرق الأسقف أحياناً فيتجدد الهواء أو يجلدنا صقيعه، وفي الحالتين نحتاج نحن هذا التذكير ولو من جانب معرفة ما يدور في الصدور. نعرف اليوم عن المعارضة ونوعيتها وطبيعة الفكر الذي يدور فيها أكثر بكثير من أيام الدواوين المغلقة، وقد يأتي ذلك في مصلحة الحكومة والنظام في الواقع، اللذين قد يستفيدان لا من نقاط الضعف فقط ولكن من مواقع النقد كذلك، وإن كانت لهجته متواضعة.

مهما ارتفعت الأسقف، الحرية الحقة والديمقراطية الصادقة تقولان بالمزيد، لابد لنا أن نتعامل وهذا المنطق إن كنا نريد حقاً أن ننتقل إلى مرحلة الدولة المدنية الخالصة، فنتعامل مع النقد مهما قسى لا أن نكبته ونمنعه، وتذكيراً للمعارضة: هذا الكلام ينطبق على كل الجوانب لا على تلك التي تأتي على مقاس قضاياكم فقط.