تعد الكاتبة التركية أليف شافاك (أو شفق) من أهم ممثلي الرواية التركية الحديثة، إلى جانب ياشار كمال وأورهان باموك ونديم غورسيل، وقد دخلت دائرة الأضواء منذ رواية «لقيطة استانبول»، التي أدت إلى محاكمتها بتهمة سبّ الهوية التركية (وصف أحد شخصيات الرواية مذبحة الأرمن خلال الحرب العالمية الأولى بأنها إبادة جماعية).ليس العالم العربي بعيداً عن شهرة الروائية التركية أليف شافاك، فقد ترجم بعض أعمالها إلى العربية، من بينها «قصر القمل» (ثمة من يترجمها «قصر البرغوث») عن دار «قدمس»، وأخيراً ترجمت رواية «لقيطة استانبول» (ثمة من يترجمها «لقيطة»)، وقريباً تصدر «قواعد العشق الأربعون» (رواية عن جلال الدين الرومي) عن دار «الجمل» بتوقيع المترجم السوري خالد الجبيلي.
شكَّلت محاكمة شافاك فضيحة تركية تبين وقع «التابو» القومي في تلك البلاد، فالكاتبة كانت معرضة للحكم عليها بالسجن ثلاث سنوات بسبب تصريحات شخصيات خيالية في روايتها «لقيطة استانبول» التي ترجمت إلى التركية بعنوان «بابا واللقيط»، واعتبر المدعي العام والقضاء أنه لا توجد أدلة كافية لاتهام الروائية التي لم تكن حاضرة في أول جلسة محاكمة. وحظيت المحاكمة باهتمام إعلامي واسع صبَّ في مصلحة انتشار الرواية في العالم.بعيداً عن الضجيج الذي رافقها وأدى إلى انتشارها الواسع، تستحق الرواية القراءة فعلاً لأنها تتسم بحبكة خاصة فيها من متعة السرد ما يكفي، عدا عن كونها تحمل «رسالة» أو قضية طالما شغلت الرأي العام وتنكر لها القوميون الآتراك. فالروائية التركية المتعددة الثقافات والمعارف التي كسبتها عبر تواصلها مع الحضارات في الشرق والغرب، تميل الى الوجه الإنساني في كتابتها. تروي في «لقيطة» قصة فتاة أرمنية هاجرت من بلدها إلى الولايات المتحدة الأميركية في القرن الحادي والعشرين هرباً من المجازر. لكنها أرادت أن تكتشف جذورها، لذلك عادت الى إسطنبول وراحت تبحث عن أصولها من خلال الإطلاع على تاريخ بلدها.تجسد هذه الفتاة نموذج الشخصية الأدبية التي تسعى إلى البحث عن انتمائها المجهول. فهويتها، التي لم تكن تعرفها، بدأت تنكشف تدريجاً من خلال هذه الحبكة القصصية. عبر سطور الرواية تنهض الشخصية التراجيدية التي ستروي المأساة التي نزلت بالأرمن في تركيا العثمانية. يقول أحد الأبطال: «أبي هو برصام شاكماكيان وخالي الأكبر هو ديكران ستامبوليان وأبوه هو آرمانوش شاكماكيان وأنا من ذرية هؤلاء من فتاة نجت من المجزرة». من المتوقع أن حبكة شافاك سيكون تأثيرها كبيراً على روائيين كثر، وثمة من تأثر بها فعلاً في لبنان.في روايتها «قصر القمل» نشعر كأننا في عالم «ألف ليلة وليلة»، قصة عمارة فخمة وضخمة كانت في الأصل قصراً بناه مهاجر روسي لزوجته في نهاية العهد القيصري في اسطنبول رغبة منه في تعويضها عن ظلم جديد ألحقه بها حين هاجر من المدينة التي أحبتها زوجته بعد خسارتها وطنها الأول. يرحل إلى باريس ويعاشر فتاة تصغره بعقود، ويترك زوجته في دار للرعاية جراء إصابتها بأزمة نفسية، ثم يعيدها إلى اسطنبول ويبني لها قصر بونبون، اسم اختارته الزوجة للمكان الذي شهد وفاة طفلتها الوحيدة.يموت الزوجان وترث الابنة غير الشرعية من زوجته الفرنسية القصر الذي يتم تأجيره شققاً تتحول خراباً يبتلي بالقمل، القمل مصدره شقة الخالة والتي ضمت محتوياتها الأغراض المتروكة من إرث الزوجين. تدعي الروائية أنها تخيلت قصة هذا القصر لأجل التغلب على عقدة خوفها من الحشرات، فكل عصر جيولوجي يرمز إلى مجموعة حيوانية والعصر الذي نعيش فيه هو عصر الحشرات، وقد أسست الأخيرة تفوقاً معيناً بالنسبة إلى مجموعات الحيوانات الأخرى.تذكر الروائية: يقولون إنني صاحبة خيال قوي. وهذا أفضل أسلوب اكتشف حتى اليوم لقول: «إنك تقولين هراءً!». قد يكونون على حق. عندما أبدأ بالقلق، وعندما أقابل بضرورة ما أقول وأين ومتى، وعندما أخاف من نظرات الآخرين، وعندما أحاول عدم إظهار أنني أخاف من نظرات الآخرين، وعندما أريد أن أعرف بنفسي لشخص أريد أن أتعرف إليه، في الحقيقة أنني أتجاهل مقدار قلة معرفتي بنفسي، وعندما يحرق الماضي روحي، وعندما لا أستطيع قبول أن المستقبل لن يكون أفضل من اليوم، وعندما أهضم أن أكون في المكان الذي أوجد فيه أو الإنسان الذي أنا عليه»، عندها يكون خيال الروائية واسعاً وخصباً.أما رواية «قواعد العشق» فحظيت باهتمام كبير من القراء، خصوصاً أنها تتناول شخصية مثل جلال الدين الرومي الذي يعد الشاعر الأشهر في العالم، من إيران حتى الولايات المتحدة الأميركية حيث اهتمت به النجمة العالمية مادونا.ولدت أليف شافاك في مدينة ستراسبورغ في فرنسا عام 1971، من أم كانت تعمل في السلك الدبلوماسي التركي. أمضت طفولتها وصباها متنقلة بين مدريد وعمان وكولونيا قبل أن تعود إلى تركيا، وهاجرت إلى الولايات المتحدة لتواصل دراستها أولاً، ثم بعد ذلك لتشغل منصب أستاذة محاضرة في مادة الدراسات والأجناس في جامعة أريزونا. نشرت روايتها الأولى «الصوفي» وهي في السابعة والعشرين من عمرها، وحازت جائزة الجمعية المولوية الأدبية في عام 1998. في روايتها الثانية «مرايا المدينة» تناولت موضوع محاكم التفتيش في إسبانيا في القرن السابع عشر، وما قامت به من جرائم، وحصلت على جائزة اتحاد الكتاب الأتراك.في عام 2000، نشرت روايتها الثالثة «التحديق»، وفي ربيع 2004 أنهت شافاك روايتها الخامسة باللغة الإنكليزية «قديس الحماقات الأولى»، وهي قصة أربعة طلاب في منزل واحد في الولايات المتحدة من أصول مغربية وإسبانية وتركية وأميركية، وتبرز مسألة الهوية القومية والانتماء والتراث الديني.
توابل - ثقافات
أليف شافاك... روائيَّة خرق المحظورات
24-04-2012