بدأ المسلمون يمدون بأبصارهم صوب شمال افريقيا بعد أن أرسى الصحابي عمرو بن العاص قواعد الحكم العربي الإسلامي في مصر، فقد توجه غربا ليفتح برقة ومنها إلى طرابلس الغرب، بذلك يكون عمرو بن العاص هو فاتح ليبيا، إلا أنه تراجع عن طرابلس بعد ذلك وتخلى عنها.

وكان تراجعه رغبة في تأمين الفتوح في مصر أولاً وعدم التوغل في افريقيا خوفا من هجوم بيزنطي على موانئ مصر فيجد عمرو نفسه وسط قوات الروم في افريقيا أمامه وقوات رومية في مصر من خلفه، أضف إلى ذلك أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما أرسل له عمرو بن العاص قائلاً: "إن الله قد فتح علينا طرابلس وليس بينها وبين افريقيا إلا تسعة أيام فإن رأى أمير المؤمنين أن يغزوها ويفتحها الله على يديه فعل"، فكتب عمر إليه: "لا..أنها ليست بافريقيا ولكنها المفرقة، غادرة مغدور بها لا يغزوها أحد ما بقيت". لذلك لم يتطلع أحد إلى التقدم غربا طوال خلافة عمر بن الخطاب حتى رحيله.

Ad

توجهت أنظار العرب صوب افريقيا (تونس فيما بعد)، في خلافة عثمان بن عفان، الذي أقال عمرو بن العاص من ولاية مصر، وأقر مكانه أخاه من الرضاعة عبدالله بن سعد بن أبي سرح، الذي قرر مواصلة الفتوح في افريقيا، وجهز الجيوش لذلك، ففي سنة 27هـ/647م انطلق جيش المسلمين الذي قدر وقتها بعشرين ألف مقاتل بقيادة والي مصر عبدالله بن أبي سرح إلى افريقيا، وهو الجيش المعروف بجيش العبادلة لوجود عدد من أبناء الصحابة يسمون عبدالله في قيادته، وهم عبدالله بن الزبير بن العوام، وعبدالله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وعبدالله بن مروان بن الحكم.

وبدأ ابن أبي سرح بفتح طرابلس من جديد، إلا أنه سمع وهو يحاصر طرابلس أن حاكم افريقيا الرومي جريجوريوس (المعروف باسم جرجير عند العرب) قد تحرك على رأس جيش يقدر بـ 120 ألف مقاتل، لذلك قرر ابن أبي سرح فض حصار طرابلس والتحرك لمواجهة الجيش الرومي، ونشبت بين الجيشين على مدى أيام حرب عنيفة تخللتها معارك طاحنة بالقرب من مدينة سبيطلة –عاصمة افريقيا- إلا أن الهزيمة النهائية كانت من نصيب الروم بعد أن قتل قائدهم جرجير، ودخل عبد الله بن أبي سرح مدينة سبيطلة، بعد أن عقد الصلح مع أهلها على أن يؤدوا الجزية.

وكانت افريقيا مهيأة يومئذ إلى استقبال العرب الفاتحين، فقد كانت في حال يرثى لها من الانحلال والتفكك، يسود الاضطراب نظمها وإدارتها، وتمزقها الأهواء والمطامع والفتن، وكانت عصور من الطغيان والجور قد عصفت بمواردها، وكانت المدن الساحلية التي تتكدس فيها ثروات البلاد والخاضعة لحكم البيزنطيين في حرب دائمة مع سكان الصحراء من قبائل البربر شرسة الخلق، فكان سكان البلاد على استعداد تام للتعاون مع الفاتحين الجدد يخلصونهم من نير الظلم البيزنطي.