من الشائع أن نسعى إلى قمع مشاعرنا كالخوف والغضب والحزن... كي لا ندعها تطغى علينا، لكننا غالباً ما نفشل في كبحها. في الواقع، التقنيات النفسية المناسبة تهدف إلى تنظيم عواطفنا بدلاً من خنقها. كما أننا لا نستطيع حبس الهواء في غرفة، لا يستطيع المرء أيضاً السيطرة تمامًا على عواطفه. لكن عرف أصحاب المطاحن والبحارة في الماضي استخدام الرياح كمل يفعل اليوم مصنعو توربينات الرياح. هل يمكننا إذًا «استخدام» عواطفنا، واستخدام قوتها من دون أن ندعها تسيطر علينا أو تتحكم فينا؟ يسعى تيار بحثي معاصر حول علم النفس، العام والسريري إلى التفكير في هذه النقطة...
لا يمكننا الامتناع عن الشعور بالعواطف والتأثر بها. فالإنسان كغيره من الثدييات مجهز ببرنامج تفاعل عاطفي: لا نحتاج إلى تعلم الخوف أو الغضب، لكن على العكس، ستعلمنا البيئة مما نخشى أم لا، ومما نغضب أم لا، إلخ. فإثارة العواطف تلقائية: وحده تنظيمها يندرج تحت سيطرة إرادتنا النسبية. بالتالي، تمثل العواطف شكلاً من أشكال الذكاء يسبق النطق والوعي. إنها هياكل إجابات معدة سلفًا، تشارك تلقائيًا في عمليات التكيف. منذ شارل داروين، نعرف أن لدينا مجموعة واسعة من المشاعر تسمى «أساسية» تتمثل بالغضب والحزن والفرح والخجل... وهي فطرية وعالمية، تخدم وظيفة تكيفية محددة. وحده التعبير عن العواطف وتشكيلها يعتمد على البيئة على عكس وجودها.مع ذلك، يتم تغيير القيمة التكيفية لردود الفعل العاطفية في خلال أمراض العواطف، و{الاضطرابات العاطفية» والاكتئاب والقلق الرهابي، حيث يشعر الأشخاص بتنشيط شديد ومتكرر بصورة غير طبيعية لعواطفهم الأساسية: يعاني المكتئب هبات من الفزع والحزن لا تتناسب مع الأحداث التي بدورها تساعد على ظهور هذه العواطف، وقد يعاني الرهابي نوبات من الذعر (مخاوف بغاية العنف وغير قابلة للسيطرة) في غياب أي خطر موضوعي.لكن العواطف الأساسية، الشديدة والقصيرة، لا تترجم بما نشعر به غالباً في حياتنا اليومية: فالرهبة الكبيرة أو الغضب الشديد هي في نهاية المطاف (ولحسن الحظ) نادرة، وغالبًا ما تسيطر علينا حالات أكثر تعقيدًا لكن ليس أقل تأثيرًا، كالعواطف الخفية، مثل تقلبات المزاج أو المشاعر المختلطة (الشعور بالحزن والسعادة في الوقت نفسه، على سبيل المثال في حفلة أقيمت بمناسبة تغيير في الحياة الشخصية أو المهنية). الاضطرابات المرتبطة بالعواطف المنفصلة أو المشتقة (كالشعور بالحزن أو القلق أو الانفعال) غالبًا ما تكون السبب في الأمراض الأقل حدة، أو الصعوبات في التكيف لدى فرد «طبيعي» أي لا يعاني بالضرورة مرضاً نفسياً مؤكداً. في الواقع، أهميتها أساسية في مفهوم «الرفاهية الذاتية». من هنا جاءت الموجة الأخيرة من البحوث حول المزاج في سياق «علم النفس الإيجابي» (كيفية مساعدة الناس على بناء التوازن العاطفي والنفسي أو تعزيزه)، لكن أيضًا في الطب النفسي الوقائي (كيفية تجنب الانتكاس لدى الأشخاص الذين سبق أن أظهروا اضطرابًا عاطفيًا).استراتيجيات عفوية للتحكم بالعواطفالاستراتيجيات العفوية، أو على الأقل استراتيجيات الشعور التلقائي، موجودة في كل واحد منا، حسب حالاتنا العاطفية اليومية، خصوصاً عندما لا تكون مريحة جدًا. تتمثل هذه الاستراتيجيات بالتفكير في شيء آخر، والتحدث الى رفيق، وممارسة الرياضة... كثيرة هي المعتقدات الشعبية التي تسود حول مزايا هذه المواقف المختلفة للتحكم العفوي بالمشاعر.واحدة من المعتقدات الاكثر شيوعًا (في الغرب، بل أيضًا في الشرق، خلافًا للاعتقاد السائد) هي الحاجة إلى التعبير عن المشاعر، مثل طنجرة الضغط التي تحتاج إلى تصريف الفائض من البخار، وإلا تنفجر. هذه النظرية «الساذجة» هي مصدر العلاجات التي لا تحصى والتي تشجع المرضى على التعبير ولو بطريقة عنيفة أحياناً (كما في الصرخة الأولى) عن عواطفهم الحالية أو المكبوتة في الماضي (والتي هي السبب في هذه العلل الحالية). يُشار إلى أن فاعلية هذه العلاجات في «التفريغ العاطفي» بعيدة كل البعد عن إثباتها... وغذت لمدة طويلة فرضيات سميت «بالشافية»: يمكننا أن نطيح بغضبنا من خلال تصريف الانفعال بطريقة لفظية (من خلال الصراخ) أو جسدية (من خلال الضرب). وتشير جميع بيانات البحوث إلى أن الاستراتيجيات الشافية تؤدي عادة إلى نتيجة عكسية: فالشخص الذي تم تشجيعه على ضرب أشياء بعد إظهار حالة من الإحباط سيكون أكثر عرضة للعنف إذا ما شعر بالإحباط مجددًا... فضلاً عن ذلك، وعلى رغم أن الكلمة هي أحد أشكال التفريغ العاطفي الأكثر دقة، فالتكلم عن حزننا يمكن على المدى البعيد أن يؤدي إلى ابتعاد أصدقائنا عنا (ما يحدث لدى المرضى الذين يعانون الاكتئاب، والذين يبدأ محيطهم بتجنبهم تدريجًا) بعد أن وعدونا في البداية بأن يستمعوا لمشاكلنا ويهتموا لأمرنا. ذلك أن الفوائد المترتبة على التعبير العاطفي، الحقيقي، لا تتوافر إلا في ظروف محددة: أن يكون الفرد منظمًا، دقيقًا، وأن يتوجه إلى محاورين متاحين، يتقاسمون وإياه المراجع الثقافية نفسها، وما إلى ذلك.مع ذلك، فإن قمع المضمون العاطفي ليس موصى به، على الأقل بشكل منهجي. يبدو أنه لا يتناسب سوى في حالة الحركات العاطفية الصغرى، والتي تسبب حالات لا تحتاج إلى سلوك محدد: على سبيل المثال، لا تدع نفسك تنغمس في لحظة حزن عابرة متعلقة بالتعب أو بقلة النوم، أو لا تجيب بالغضب على حماقة غير طوعية. لكن عندما يتطلب الوضع تكيفًا (الحزن المرتبط بالإحباط الشخصي أو المهني) أو عندما تكون العاطفة غامرة، عادة ما يعقب القمع «تأثير الارتداد» لمضمون الفكر المرتبط بالعاطفة، والمعروفة جيدًا من قبل الأطباء النفسيون. يمكن لهذا تأثير على سبيل المثال أن يكون بماثبة تفسير للافكار الدخيلة المتكررة في اضطرابات الوسواس: كلما حاول المريض عدم التفكير في ما يقلقه يزيد تمكن هذه الأفكار من عقله، معيدة بذلك معها عاطفة القلق. فضلاً عن ذلك، إن استراتيجيات الإلهاء («النسيان وتحويل الفكر إلى فكرة أخرى») ليست فعالة في حالات التعبير العاطفي البسيط والدقيق. لذلك يوصي الباحثون والمعالجون باتخاذ موقف «التحكم بالعواطف» الذي يدمج استراتيجيات مغايرة عن تلك التي ننتقل إليها من تلقاء أنفسنا.التنظيم العاطفي: المسارات الحاليةنظرًا لأهمية العواطف في رفاهيتنا وقدرتنا على الصمود، تم اعتمادها منذ عدة سنوات كموضوع للمعالجة في مجال بحوث العلاج النفسي. غالبًا ما تتركز أعمال البحث على تنظيم عاطفة معينة (مثل الغضب لدى بعض السائقين الخطيرين). ولكن من المرجح أن تشمل الاستراتيجيات التنظيمية في المجال العاطفي العواطف كلها، ليس فقط بسبب الدوائر الفاضلة (شعور أقل بالقلق يؤدي إلى غضب أقل، أو حزن أقل،الخ.)، ولكن أيضًا بسبب آليات مشتركة (الوعي للإثارة العاطفية، والتشكيك في أهميتها وجدواها، ووضع خطط عمل لمعالجة هذه المشكلة عن طريق العاطفة دون إحداث غيرها...). هذا ما يؤكد، على الصعيد الدوائي، الأثر العام للتنظيم العاطفي الشامل (للمرضى ولكن أيضًا للمتطوعين السليمين) التي يتم التوصل إليها في كثير من الأحيان بواسطة مضادات الاكتئاب التي تسمى مثبطات انتقائية لامتصاص السيروتونين كالبروزاك وأمثاله. لهذه العقاقير تأثير مضاد للقلق والهلع، متباين بشكل كبير عن تأثيرها المضاد للاكتئاب (يتم تنفيذه حتى إذا لم يكن المريض يعاني الاكتئاب). ويبدو أنها أيضًا قادرة على الحد من حدة مشاعر الخجل والوعي المؤلم في القلق الاجتماعي المرضي. أما الوصفة الطبية فتترك للاضطراب العاطفي الشديد.يتعلق أكبر عدد من الأبحاث بالعلاجات المعرفية والسلوكية. تشجع هذه الأخيرة المرضى، بمن فيهم من يعانون القلق والرهاب، على التوقف عن تجنب المواقف التي تؤدي الى ظهور العاطفة، كذلك على السعي إلى تجنب التجربة العاطفية نفسها. على سبيل المثال، نعرف أن الأشخاص الذين يعانون اضطرابات الهلع يلجأون إلى شتى الطرق لأجل تجنب الشعور بأقل الإشارات التي تشير إلى استعادة الاضطراب (الشعور بضربات القلب، وصعوبة التنفس): يقولون انهم يعانون «الخوف من الخوف» لأنهم يخشون ظهور أولى علامات الإصابة بالذعر. لذلك يتجنبون المواقف المرتبطة بهذه الأعراض، ويبذلون قصارى جهدهم للتوقف عن ممارسة الرياضة، وعدم التواجد في الأماكن التي يشعرون أنهم «عالقون» أو مضطهدون فيها، وما إلى ذلك. لكن بقدر ما يتجنبون الشعور بهذه العلامات العاطفية المسبقة، يبقون ضعفاء في مواجهتها. بالتالي سيساعد الجانب السلوكي من العلاجات المعرفية والسلوكية المرضى تدريجيًا على مواجهة عواطف الخوف (والعلامات الجسدية المرتبطة به) كي يدركوا أنه بإمكانهم البقاء على قيد الحياة، بالتالي «التخلص من ضعفهم تجاهها» والتوصل إلى ردود فعل عاطفية أقل حدة.اقتباسات من الفلسفة البوذيةيسعى الجانب المعرفي من العلاجات المعرفية والسلوكية لتسليط الضوء على الجوانب غير المناسبة للمعتقدات السائدة حول العواطف والتوضيح للمرضى أن نظرتهم إلى العالم تشوشها عواطفهم (المكتئب، المتأثر بحالته المزاجية مقتنع بأن «العالم حزين، ومحكوم عليه بالزوال، فلماذا يبذل جهدًا ليعيش؟»). وتهدف التقنيات المعرفية إلى مساعدة المرضى الذين يعانون مشكلة أكبر ويبدون انتقادات أكثر حول المضمون العاطفي والأفكار التي سيؤدي إليها هذا الأخير، لأن دور العواطف في الإدراك أساسي في الزمان والقوة، كما لاحظ الدوق لا روشفوكو، الذي كتب: «ستظل الروح دائمًا مخدوعة من القلب». العلاجات المعرفية والسلوكية تسمح أيضًا «بإعادة الصياغة المعرفية «التي من شأنها تنظيم العمليات العاطفية وتوجيهها. على سبيل المثال في الحسد، العاطفة التي تثيرها رؤية الآخرين يمتلكون شيئًا لا نمتلكه: غالبًا ما يكون الأمر لا مفر منه، ولكن نستطيع تحويل الحسد العدائي («لماذا يملك هذا المغرور غير الكفء ما لا أمتلكه أنا؟») أو الاكتئابي («أنا مثير للشفقة لأنني لا أملك ذلك») إلى حسد تنافسي («كيف تمكن هذا الشخص من الحصول على ذلك وكيف يمكنني القيام بذلك بنفسي؟»)، ما هو نسبيًا أكثر راحة وأكثر قابلية للتكيف.ويشدد تيار معاصر من العلاج النفسي الإنساني والمعرفي، من خلال المبادئ العامة للفلسفة البوذية، على المشاكل العاطفية، وتقنيات القبول. وبدلاً من إنكار التجربة العاطفية (في محاولة لطرد الحزن وإنكار الإحباط أو الحسد، أو رفض حتى السعادة كي لا نعاني عندما نفقدها في المستقبل)، يشجع المعالجون مرضاهم على قبولها بالكامل، باعتبارها تجربة فحسب، من دون التمسك بها من منظور يدين الأشياء مسبقًا. على سبيل المثال: إذا شعرت بالحزن بعد نكسة، تقبل هذا الحزن واستوعبه، مع الحرص أولاً على عدم جعله قاعدة «التحول المعرفي» (تعميم العجز، والمستقبل المظلم، الخ.)، الذي من شأنه أن يخضعك إليه بشكل دائم (بدلاً من الحفاظ عليه في مكانه كإشارة إنذار بسيطة عن شيء خطأ في حياتك)، وثانيًا، السعي إلى إزالة العاطفة المرتبطة بالوعي (من خلال تغيير أفكارك في الرياضة والتفاعل الاجتماعي...): إن عدم أخذ هذا في الاعتبار هو طريقة أخرى لإساءة الاستخدام (إذا كنت حزينًا، فيعني أن شيئًا ما يحصل، وربما أنك تستطيع تحسينه: الحالة أو حساسيتك تجاه الحالة). هكذا، فإن التدرب على تقنيات التأمل من نوع تنبيه الذهن والتي تشكل تمارين صغيرة تمارس بانتظام للحفاظ على الاهتمام في هذه اللحظة (من دون الحكم أو التوقع، ولا الإجترار: عيش اللحظة لا غير) ولمراقبة «محايدة» لحالاتنا العاطفية، أثبت فعاليته في منع الانتكاسات الاكتئابية لدى المرضى الذين سبق وأظهروا ثلاث نوبات كبيرة من الاكتئاب أو أكثر.أخيرًا، إن فوائد العواطف الإيجابية في تنظيم العواطف الشاملة تبدأ في أن تكون موثقة جيدًا. نحن نعلم أن الشعور بالعواطف الإيجابية المتكررة هو ميسر للصحة البدنية السليمة، والإبداع، والإيثار، والسيطرة على النفس، وبطبيعة الحال هو عنصر مهم للشعور بالرفاهية الذاتية. وتكمن المسألة الأساسية في معرفة ما إذا كان من الممكن تعليم الناس بطريقة من الطرق الشعور بالمزيد من السعادة التي يمنعهم ماضيهم والمحددات البيولوجية المحتملة من الشعور بها بشكل عفوي. مجددًا، يبدو أن الأعمال التمهيدية، من بين أمور أخرى تطبق على مرضى الاكتئاب (الذين يعتقد أنهم يظهرون في آن ضعفًا للعواطف السلبية وعدم كفاءة نسبية تجاه العواطف الإيجابية)، الذين تُقدم لهم « علاجات الرفاهية}، وهي نوع من العلاج النفسي المعرفي الذي يتركز على الحالات النفسية المريحة، مشجعة جدًا على التفكير.كتب بول فاليري «الروح تسود لكنها لا تحكم». فضلاً عن ذلك، يجب أن يتقاسم المنطق السلطة مع العواطف التي تسيّر حياتنا. ويكمن الذكاء العاطفي بالضبط في الاستخدام الجيد للعواطف. فهذه الأخيرة هي إشارات إنذار فاعلة جدًا (الغضب عن الإحباط، والخوف عن المخاطر، والحزن عن الخسارة وعدم الرضا والحسد عن الاختلافات بيننا وبين الآخرين، الخ)، لكن ما إن يتحقق دور الإنذار هذا، ليس من المستحسن السماح لها بالاستمرار في السيطرة على حياتنا. فهي، على حد التعبير « خدم جيدون، وأسياد سيئون».... إنها مادة حية، عنيفة أحيانًا، والتحكم بها يشبه عموماً فن ركوب الخيل المجزي، لكن المحفوف بالمخاطر أكثر منه فن ركوب الدراجة الهوائية الأكثر سلامًا...
توابل - علاقات
عواطفنا... هكذا نتحكَّم بها
12-07-2012