كان لنا موعد فلكي مهم في ساعات الصباح الباكر اليوم الأربعاء (الموافق السادس من يونيو 2012)، فقد صادف عبور كوكب الزهرة أمام قرص الشمس. بدأت عملية العبور الساعة الواحدة وعشر دقائق بتوقيت الكويت من بعد منتصف الليل ووصلت إلى مرحلة الذروة عند الساعة الرابعة والنصف فجراً، على أن تنتهي بتمام الساعة السابعة والتاسعة والأربعين دقيقة صباحاً، علماً بأن شروق الشمس يوم الأربعاء كان في الساعة الرابعة والدقيقة السابعة والأربعين صباحاً، أي أننا نرى كوكب الزهرة وقد عبر أقرب نقطة له من مركز قرص الشمس والذي حدث قبل موعد الشروق بثلث ساعة تقريباً، حيث نرى كوكب الزهرة كنقطة سوداء صغيرة في الطرف الشمال الغربي من قرص الشمس.

من موقعنا على سطح كوكب الأرض يمكننا مشاهدة عبور أحد كواكب المجموعة الشمسية الداخلية عطارد أو الزهرة وهما يمران أمام قرص الشمس، يكون ذلك عندما يحدث اقتران سفلي أي أن تقع الأرض والكوكب الداخلي بالجهة نفسها من الشمس. الكواكب الداخلية هي التي يكون مدارها داخل مدار الأرض حول الشمس، أضف إلى ذلك أن تكون الأرض وكوكب الزهرة كمثال هنا والشمس على خط مستقيم يمر بنقطة العقدة وهو تلاقي مدار دائرة البروج مع فلك أو مدار كوكب الزهرة حول الشمس، يحدث هذا أكثر من 14 مرة في القرن بالنسبة إلى كوكب عطارد، أما كوكب الزهرة فيحدث ذلك بندرة تصل إلى مرة كل أكثر من مئة عام والذي صادف حدوثه اليوم. إنه عبور نادر لكوكب الزهرة لن نستطيع مشاهدته مجدداً في حياتنا المنظورة.

Ad

في البدء سنحاول فهم ظاهرة العبور من الناحية العلمية لكيفية حدوثها ومن ثم سنقوم بسرد تاريخي لبدايات رصد عبور كوكب الزهرة وأهميته العلمية في حساب حجم المجموعة الشمسية، بالتالي حجم الكون المنظور وأبعاده.

اقتران كواكب المجموعة الشمسية مع بعضها ومع القمر ظاهرة تحدث بصورة دورية وهي تعبر خط دائرة البروج the ecliptic line، وكمثال اقتران الزهرة والمشتري مع القمر الذي شوهد بتاريخ 25 مارس الماضي. لكننا اليوم نتحدث عن كوكبين يقع مدارهما بين الشمس وكوكب الأرض، عطارد وهو الأقرب إلى الشمس ويليه الزهرة، تستغرق مدة دوران عطارد حول الشمس 58.7 يوماً وتكون المدة لكوكب الزهرة هي 224.7 يوماً في مقابل 365.25 يوماً لكوكب الأرض، أي أن عطارد يدور حول الشمس أكثر من 6.2 مرة في المدة نفسها التي يستغرقها دوران الأرض حول الشمس أي سنة شمسية واحدة. أما كوكب الزهرة فيكون قد دار 1.6 مرة خلال فترة السنة الأرضية، هذه الأرقام وأخرى ستكشف لنا حقيقة حركة الكواكب وهي لماذا كان عبور الزهرة لقرص الشمس أمراً ذا دلالة.

يعبر كوكب الزهرة وجه قرص الشمس عندما يكون في اقتران سفلي inferior conjunction، بحيث يقع كل من الزهرة والأرض على الجهة نفسها من الشمس، حيث يكون كل من الأرض والزهرة والشمس على خط مستقيم، كذلك مرور كوكب الزهرة في إحدى نقطتي العقدةascending and descending nodes التي يتقاطع من خلالها فلك دائرة البروج ومدار فلك كوكب الزهرة.

لفهم ذلك، علينا تخيل وجود كرة كبيرة تتناثر عليها النجوم والأجرام السماوية ولنسمها الكرة السماوية -celestial sphere ، يكون مركز الكرة السماوية الأرض ويقسم هذه الكرة خط استواء سماوي هو امتداد لخط الاستواء الأرضي الذي يقسم الكرة إلى نصف شمالي ونصف جنوبي بقطبين شمالي وجنوبي. في المقابل، علينا أن نعرف المسار الذي تعبر الشمس من خلاله السماء وهي تشرق من جهة الشرق وتغيب بالغرب في حركتها عبر السماء، يُعرف هذا المسار بدائرة البروج the ecliptic line، تتقاطع دائرة البروج مع خط الاستواء السماوي عند نقطتي الاعتدال الربيعي والخريفي ويكون ميلان مدار دائرة البروج عن خط الاستواء الفلكي هو 23.5 درجة زاوية  أو درجة ميلان محور دوران الأرض عن دائرة البروج.

لكن ثمة مسألة مهمة أخرى وهي أن مدار الزهرة ينحني بزاوية 3.4 درجة عن دائرة البروج والذي بدورة سيحد من عدد المرات التي سيتعامد معها كوكب الزهرة والأرض بخط مستقيم مع الشمس.

يحصل عبور كوكب الزهرة من أمام قرص الشمس بدورة كبرى تحدث مرة كل 243 سنة، تبدأ دورة بعبور أول تحدث بعده فترة قطيعة تستمر لمدة 105.5 سنة، هنا يحدث بعد فترة الانقطاع عبوران متتاليان مفصولان بينهما 8 سنوات هما العبور الثاني والثالث، لتتبع ذلك فترة انتظار كبيرة هي 121.5 سنة قبل العبور الرابع، لنعود بعد ذلك إلى عبورين متتاليين هما الخامس والسادس والأخيرين في هذه الدورة. يكون حدوث العبورين المتتاليين إما في شهر ديسمبر أو يونيو، ذلك بسبب وقوع الزهرة في العقد الصاعد عند عبور ديسمبر أو العقد النازل عند عبور يونيو. نحن الآن في نهاية هذه الدورة التي بدأت مع عبور 3 يونيو 1769 والذي ستنتهي بعبور 6 يونيو 2012 (يونيو 1769، ديسمبر 1874، ديسمبر 1882، يونيو 2004، يونيو 2012).

عبور 4 ديسمبر 1639

تاريخياً، كانت لهذا الحدث أهمية خاصة من حيث توقعه ورصده العلمي في بداية عصر النهضة العلمية الحديث، خصوصاً مع التحول من اعتبار الأرض مركز الكون إلى أنها مجرد كوكب يدور في فلك الشمس. كان أول من توقع حدوث عبور الزهرة من أمام قرص الشمس هو يوهان كبلر (1571 - 1630)، الذي توقع حدوث العبور عام 1631، أي قبل عام من وفاته، لكن لم يستطع أحد مشاهدة هذا العبور لأسباب تعذر رأيته حيث كان تحت الأفق وقت العبور. لكن استطاع الفلكيان الهاويان من إنكلترا جرمي هوركس ووليام كرابتري من مشاهدة عبور 4 ديسمبر 1639 حيث تمكن هوركس من تحديد حساب العقد بدقة ومشاهدة عبور الزهرة باستخدام التلسكوب.

يُذكر أن بعض المصادر يشير إلى احتمال بأن يكون الفارابي (874 - 950) قد شاهد عبور كوكب الزهرة عام 910 من كازاخستان. لكن عند حساب إمكان رؤيته العبور من كازاخستان أو مدينة دمشق حيث توفي، فإن المشاهدة تكون مستحيلة لأن العبور قد حصل تحت الأفق لهذين الموقعين.

توقع الفلكي الإنكليزي إدمون هالي (1656 - 1742) حدوث العبور في عامي 1761 و1769، وكتب بذلك ورقة علمية تاريخية سلمها إلى الجمعية الملكية عام 1716، ما أدى إلى تكوين أول حملة علمية دولية شارك فيها جميع دول العالم آنذاك، حيث شكلت الفرق العلمية لمشاهدة هذا الحدث الفلكي والذي أصبح ذا أهمية قصوى كما سنرى، لتكون حملة الكابتن جيمس كوك إلى جزيرة تاهيتي المكتشفة حديثاً في المحيط الهادي هي الأهم.

تمكن كوك من رصد عبور كوكب الزهرة والعودة بالنتائج التي تم استخدامها مع نتائج رصد مماثلة للعبور نفسه، لكن من مواقع أخرى من على سطح الأرض، حيث تم حساب زمن العبور والزاوية التي تم الرصد منها لحساب مدار الأرض حول الشمس باستخدام قوانين كبلر، ومن خلال حساب مدار الأرض يمكن حساب حجم المجموعة الشمسية. اللافت أن الحسابات التي تم الحصول عليها من رصد عبور عام 1769 دقيقة بدرجة عشرة في المائة من القيمة المتفق عليها حالياً.

كان العبور التالي في ديسمبر 1874 ثم تلاه عبور ديسمبر 1882، تم أيضاً العمل على تجهيز البعثات العلمية لرصده وكان لبداية التصوير الفوتوغرافي الأثر في توثيق مشاهدة العبور. كذلك حدث عبور في 8 يونيو 2004، واليوم الأربعاء 6 يونيو 2012 حدث العبور الأخير في هذه الدورة التي بدأت عام 1769، أي من 243 عاماً وهو يصادف حملة الكابتن جيمز كوك لجزيرة هاييتي. كذلك فإننا لن نستطيع مشاهدة العبور المقبل إلا في ديسمبر 2117 أي بعد أكثر من 105 أعوام.

ثمة أمر مهم وهو أن عملية الرصد يجب أن تتم من خلال نظارات واقية من أشعة الشمس كالتي تستخدم لمشاهدة كسوف الشمس، أو أن تتم من خلال عمل ثقب صغير في ورقة والنظر إلى صورة الشمس المتكونة من خلال الثقب على ورقة ثانية، هذا يعرف بالكاميرا ذات الثقب وهي آمنة وتعطي صورة مكبرة لقرص الشمس. هنا يجب التذكير بأن القسم الأكبر من العبور سيحدث قبل شروق الشمس، لكننا سنرى نقطة سوداء على شمال قرص الشمس جهة اليسار عند المشرق والذي سيكون الساعة 4:30 صباحاً، ستكمل الزهرة عبورها من على قرص الشمس حتى الساعة 7:55 صباحاً ويكون بذلك قد انفصل عن قرص الشمس.