خمسون شاعرا في أمسية واحدة، قد تبدو الفكرة طريفة، أو مستحيلة، أو لافتة، وصادمة، فمِن قائل: هل يوجد في الكويت هذا الكم من الشعراء؟ ومن متسائل – غمزا أو لمزاً- عن مستوى بعض النصوص، ومكانة شعرائها!

Ad

الفكرة التي تبناها ملتقى الثلاثاء في أمسيته الشعرية المنصرمة، تتجاوز كل هذه الآفاق، وتجعل الاحتفاء بالشعر، والشعر وحده، من دون أي تمييز بين شاعر، وآخر، لذا فقد كانت الفكرة الأساس أن يقرأ كل شاعر نصا واحدا، في حدود دقيقتين تقريبا، ثم يتيح المجال للشاعر الذي يليه، من دون أي إطالة، أو «تفلسف» وإسهاب، بحيث يبدو المشهد في نهاية المطاف، مكتملا، وكأننا نستمع إلى نص شعري واحد طويل، يتسع لأكثر من ساعة ونصف الساعة، تتنوع القصائد – أسلوبيا وموضوعيا- ولكنها تتحد في نهاية المطاف، لتؤكد مدى رحابة الشعر واتساعه في وجه أولئك الذين يضعون الحدود والعراقيل أمامه، بناء على تصنيفات محددة، لا تخلو في نهاية المطاف من إقصاء وتهميش، لهذا الشاعر أو ذاك، وهي فكرة تقف ضدها الشعرية بمعناها الأشمل.

هل تحققت فكرة ملتقى الثلاثاء على أرض الواقع؟ أستطيع القول بأن الأمسية في مجملها كانت ناجحة، وإن لم تخل من بعض الهنات، كأن يطيل شاعر ما، ليأخذ أكثر من وقته المحدد، رأينا ذلك بشكل واضح مع ثلاثة شعراء، أو أربعة، لم يستوعبوا الفكرة الأساس من الأمسية، وذلك من مجمل العدد الذي يضم 37 شاعرا، لذا أستطيع القول إن الوجه الأجمل للأمسية كان طاغيا، ومتجاوزا لهذه الهنات.

وما أثار إعجابي كذلك أن المستوى الفني للقصائد التي ألقيت كان عاليا في المجمل، وليس جميع هؤلاء الشعراء مبتدئين، أو لا يمتلكون «فنيات» الكتابة كما يبدو للوهلة الأولى، فالحضور الإعلامي أو سني الخبرة في الكتابة قد يميزان شاعرا ما عن الآخر، إلا أن ثمة شعراء نستمع إليهم للمرة الأولى، ومع ذلك بدت قصائدهم متماسكة، ومكتملة النضج، أو أنها على أقل تقدير قد تجاوزت مستوى الخاطرة، والكتابة في الدفاتر الملوّنة الخاصة.

كنت حريصا على متابعة الأمسية حتى نهاية المطاف، وألا أفوّت صوتا شعريا واحدا، فقط لأتأمّل، وألامس، وأدرك، ماذا يفعل الشعر بوجداني، خصوصا وأن توزيع المشاركين في الأمسية جاء بعفو الأبجدية العربية، ومحاسن حروفها. ورغم اعتذار ما يقارب خمسة عشر شاعرا، إلا أن الأمسية كانت متألقة بعدد حضورها الكبير، وقصائدهم المتوهجة.

بعد هذه الأمسية، يحق لنا أن نتساءل عن خرافة شاعر كبير وآخر صغير، بل ما الذي يمكن أن يمنحه الشعر لقائله سوى الحزن، والتعاسة والفقر؟، لم يعد في مسمى «شاعر» شيء يستحق أن يقتتل الناس من أجله، كما أن الموهبة الشعرية يمكن أن تمنح لأي إنسان، ومن بعد فإن القراءة متوافرة للجميع، ومصادر المعرفة متاحة، والرؤية الوجدانية تنبع من تعقيدات «خيميائية» ومواقف ذاتية، هي بمثابة المشجّع والمحرّك على الكتابة، فما المانع من وجود هذا الكم من الشعراء؟، وما المانع من أن يستمع الشعراء إلى بعضهم البعض؟

ولم يكن الشعر يوما فنا جماهيريا، ولم يجتلب منذ قيامه آلاف المشاهدين، والمستمعين، كما نرى في حفلات الطرب، أو أمسيات المسارح والكوميديا.