كثر الحديث واللغط حول تعديل قانون الانتخاب قبل الانتخابات القادمة، وما إذا كان ذلك يشكل ضرورة أم لا، ولعل من أبرز المتبنين للرأي الرافض للتعديل بمرسوم أميري هو الأستاذ عبدالله النيباري، الذي نحترمه ونحترم تاريخه النيابي، لكننا سنختلف معه في رؤيته التي تصلح للمدينة الفاضلة.

Ad

أولا، يقول النيباري إن حكم المحكمة وفر التحصين للقانون الحالي، فكيف تكون الحكومة أول من يكسر هذا التحصين؟ والجواب بسيط وهو أن الحكومة لم تذهب إلى المحكمة لمجرد بحث دستورية الوضع الحالي، لكنها أرادت التأكد من دستوريته قبل المباشرة بتقليص الأصوات، فلا معنى من التعديل على القانون بينما أساسه قابل للطعن، ثم إن حكم المحكمة الدستورية وإن أقر بدستورية الوضع الحالي إلا أنه لم يحصنه من التعديل حسب الأطر الدستورية التي من بينها مرسوم ضرورة.  

ثانيا، يقر النيباري بأن تقليص الأصوات هدفه محاصرة معارضة الصوت العالي والنبرة الفئوية والانقسامية والإقصائية والتطاول على كرامات الناس... إلخ، كما يقر بأن القانون الحالي فيه عيوب وهو استحواذ أقلية لا يزيد عددها على 40% من الناخبين على 80% من المقاعد في الدائرتين الرابعة والخامسة مثلا، لكنه يعارض محاولة "تفصال" قانون انتخاب من أجل محاربة هذه الظواهر السلبية، بحجة أن الأغلبية أو الأقلية التي تنتجها الانتخابات هي ظاهرة وقتية تظهر وتتلاشى، مستشهدا بتعديل الدوائر سنة 81 الذي أنتج مجلسا مهادناً بالبداية، ومعارضا شرسا في سنة 85.

وهنا أقول إن السلطة ليست غبية لكي تعتقد أن تقليص الأصوات سيضمن لها مجلسا معتدلا إلى الأبد لأن تجربة مجلس الثمانينيات ماثلة أمامها- كما تفضلت بشرحه- لكنه سيضمن لها التعامل مع مجلس يعبر عن توجهات الشارع المختلفة بشكل أفضل من الوضع الحالي الذي يعاني خللا كبيرا وبشهادتك.

ثالثا، يمضي النيباري ليقول إن الإصلاح لا يكون بالعودة إلى الوراء، بل بالتقدم إلى الأمام، وهنا أسأله: بالله عليك، هل تقدمنا إلى الأمام عبر إقرار القانون الحالي أم عدنا إلى الوراء بالتمزق الحاصل الآن؟ وهل تعتقد أن المستفيدين من القانون الحالي الجائر وهم القبائل المنظمة التي تحصل على مقاعد أكثر من حجمها في دوائرها إضافة إلى نواب (القلص) سيصلحون قانونا هم مستفيدون منه؟! فالعقل والمنطق يقولان إن سمو الأمير سيكون أكثر حيادية من أي طرف آخر في تحديد المصلحة العامة في أي تعديل على قانون الانتخاب. وهل هناك ضرورة أكثر من الآن بعد تفاقم "النبرة الفئوية والإقصائية والتطاول على كرامات الناس بدون دليل"، كما ذكرت بمقالك، وخاصة بعد التطاول المباشر مؤخرا على المقام السامي بما يخالف مواد الدستور؟

رابعا، يفضل الأستاذ النيباري عدم تقليص الأصوات بمرسوم حتى نتجنب تصاعد العنف والعنف المضاد، وهذا لعمري كلام خطير لأنه يعتبر خضوعا لأسلوب التهديد بالعنف والابتزاز وإعطاء شرعية له، وهذا الخضوع المتواصل من السلطة والحكومة لهكذا أسلوب هو الذي أدخل البلاد في دوامة من الأزمات المتلاحقة بعدما استغل التيار الانقلابي ضعف القرار لفرض المزيد من التنازلات التي أثبتت الأيام أنها كانت مدمرة للبلد. فحتى لو تم تجنب العنف هذه المرة فلن نستطيع تجنبه إلى الأبد لأن التلويح به سيستمر أكثر فأكثر ما لم تتم مواجهته وإيقافه عند حده بقوة القانون، فبدلاً من أن تدعو إلى المهادنة على حساب هيبة القانون كان الأولى بك المطالبة بعدم الرضوخ للتهديد والوعيد الذي يحط من هيبة الدولة والقانون ككل!  

لا أدعي هنا أن تقليص عدد الأصوات هو الحل السحري لأزمة المخرجات التعيسة للانتخابات، فسيضل الاختيار حسب القبيلة والطائفة والعائلة هو المهيمن على خيارات الناخبين، ولن يعالج ذلك الدائرة الواحدة (مثلما اقترحت مرارا عبر مقالاتك وسيكون لنا وقفة مع ذلك لاحقا) لكنه بالتأكيد سيعطي تمثيلا أفضل لمكونات المجتمع من الوضع الحالي، ويجب أن يتم التعامل مع أي قرار من هذا النوع حسب الأصول القانونية "لا المزاجية"، التي بينها الدستور بشكل واضح، فلسمو الأمير حق تقدير الضرورة وللمجلس القادم حق رفضها.