بفضل تطبيقات ومستشعرات الهاتف الذكي، بات بإمكان الرواد في عالم التقنيات العالية مراقبة وظائف أجسامهم، كدقات القلب، وأنماط النوم، ودفق الدم. وهم يحلمون اليوم في طب «رقمي» يساعد الناس في عيش حياة صحية، من خلال تزويدهم بتحديثات عن وضعهم الصحي ووظائف جسمهم على مدار الساعة. ماذا كتبت «شبيغل» في هذا الشأن؟تظهر أمعاء لاري سمار عائمة وسط الغرفة، وهي أشبه بنقانق محشوة بين أعضائه المصورة الأخرى. يعدّل سمار، وهو أستاذ في علوم الكمبيوتر، نظاراته داكنة اللون وثلاثية الأبعاد فوق أنفه، ويلتقط المؤشر الإلكتروني، ثم يشرح وهو يشير إلى نقطة محددة تبين بوضوح التهاب جدران الأمعاء، قائلاً: «وهنا يظهر جدران القولون ملتهباً».
يشرع بعد ذلك إلى استخدام جهاز الإسقاط ويسلط الضوء على الجدار حيث تعرض صور الأشعة بالرنين المغناطيسي ثلاثية الأبعاد كاشفة عن كامل الأعضاء الداخلية في جسم الأستاذ البالغ من العمر 63 سنة. وقد يتراءى للمشاهد لوهلة أنه يقوم برحلة داخل بطن الباحث.ويسأل الأستاذ سمار، وهو مدير معهد كاليفورنيا للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (في مدينة لا جولا، بالقرب من سان دييغو): «أليس رائعاً لو كان بمقدور أي كان إلقاء نظرة على جميع أعضاء جسمه الداخلية كما نفعل الآن؟». والمعروف عن سمار أنه أحد المؤيدين المنادين بابتكار نوع جديد من العلوم الطبية المستندة إلى البيانات، وهو ما يعرفبـ «التقدير الكمي الذاتي». ويعتبر سمار ذلك النوع المبتكر مفتاح الثورة في مجال الرعاية الصحية والطريق الممهدة إلى حياة صحية ومتابعة بانتظام. يضيف سمار: «نجمع بيانات عن كل شيء إلا عن صحتنا، وهذا سخيف! ومنذ آلاف السنين، يسألكم طبيبكم «كيف تشعرون؟» لكن ذلك السؤال سيصبح كالتالي: «ما هي بياناتكم الصحية؟».ويعد سمار واحداً في طليعة عدد متزايد من النوابغ الأكاديميين المولعين بالتكنولوجيا والأشخاص المهووسين باللياقة البدنية، والمرضى المصابين بأمراض مزمنة الذين يراقبون وظائف جسمهم مراقبة دقيقة اعتبرت سابقاً مستحيلة. بفضل تطبيقات ومعدات اللياقة البدنية المتطورة جداً، يمكن لتلك الفئة من الناس جمع بيانات حول نبضات القلب، وأنماط التمارين الرياضية، وأنماط النوم، والعادات الغذائية.تزود الشركات الناشئة في كاليفورنيا، كشركة FitBit، وZeo، وBasis تلك المجموعة المستهدفة بأجهزة قياس يمكن تثبيتها في الجسم أو ربطها حول الرأس، أو الذراع، أو الصدر، أو البطن. وأحدث تلك الأجهزة هي أجهزة لاسلكية تعطي لمحة عن مستقبل تكون فيه معدات التتبع الطبية كافة بما فيها المعدات الأكثر تطوراً، بحجم وتصميم مصغر.7500 مؤيدفي طليعة الحركة المؤيدة لتقنيات المراقبة الذاتية، ثمة الموقع الإلكتروني الخاص Quantified Self, الذي يستقطب أعضاء من مختلف أنحاء العالم. ويملك فروعاً في حوالى 50 مدينة، بالإضافة إلى مجموعة أساسية من المؤيدين الأوفياء (حوالى 7,500 شخص) المهتمين بمراقبة وضعهم الصحي. «معرفة الذات من خلال الأرقام» شعار الموقع الذي يُجمع أعضاؤه على أنه من خلال تحاليل البيانات والإحصاءات، يمكن تحسين نمط حياتهم إلى أقصى حد.يجتمع مؤيدو تقنيات المراقبة الذاتية في ندوات تنظم عبر الإنترنت وفي المؤتمرات لمناقشة تجربتهم الخاصة، على سبيل المثال؛ هل يساهم تناول كمية أكبر من الأناناس في تخفيف الأرجيات التي أعانيها؟ هل يساعد تناول الزبدة بصورة منتظمة في رفع مستوى ذكائي؟ هل أغفو بسهولة إن ارتديت نظارات برتقالية اللون مسبقاً؟بالنسبة إلى هؤلاء المؤيدين، ما من سؤال أو تفصيل غريب، أو شخصي، أو سخيف. بل على العكس، فهم يرحبون بكل اقتراح ويعتبرونه انتصاراً على العلوم الطبية السائدة. وتؤمن تلك النخبة أن حياتنا بأكملها ستتحول قريباً إلى بيانات متوافرة على الشبكة العنكبوتية، كوزن الجسم، وضغط الدم، وعدد السعرات الحرارية، وأوقات الوجبات الغذائية، ونبضات القلب، ودورات العادة الشهرية، والأدوية الموصوفة...في هذا السياق، يعلق غاري وولف، أحد الناطقين باسم الحركة، قائلاً: «كلما زاد عدد مؤيدينا، ستتغير معايير الرعاية الصحية، أكثر فأكثر، وبصورة جذرية. وأعتقد أن أكثر الأدوات إثارة للاهتمام هي تلك التي توفر لنا الفرصة للتفكير بالذات».يسجل وولف، وهو شاب من كاليفورنيا، بصورة منتظمة حوالى 20 إشارة حيوية خاصة به. وقد نجح بالتحكم بضغط دمه المرتفع، بفضل اعتماده تقنية المراقبة والتحليل الذاتي. وبرأيه، لن يقتصر دور تقنيات المراقبة الذاتية، في المستقبل، على معالجة الأمراض بشكل أساسي، بل سيركز أيضاً على كيفية الحفاظ على الصحة والاستمتاع أكثر بالحياة. ويضيف وولف: «إنها تجربة تبدأ مع شخص واحد غاية في الأهمية وهو أنت».نظم مؤيدو تقنيات المراقبة الذاتية، أخيراً، في جامعة ستانفورد، كاليفورنيا، ندوة بعنوان «الحياة المحمّلة على الحاسوب: التقييم الشخصي من خلال تقنيات المراقبة الذاتية» (-The Uploaded Life: Personal Evaluation Through Self (Tracking. وخلال الاستراحة، تسنى للمشاركين في الندوة اختبار أحدث أجهزة القياس.في سياق الندوة، عرضت ممثلة شركة Proteus Biomedical نانسي دوغرتي جهازاً يتيح للمرضى مراقبة الأدوية التي يتناولونها، وذلك الجهاز عبارة عن رقاقة صغيرة مدمجة في كل قرص دواء ترسل إشارة فور وصول القرص إلى المعدة. وثمة مستشعر موصول إلى الجسم يتلقى تلك الإشارة ويقيس نبضات القلب ونشاطه، ثم يحمِّل تلك البيانات لاسلكياً على الإنترنت بواسطة الهاتف الذكي.تحميل البياناتشرحت دوغرتي التي ظلت تكشف عن المستشعر المعلق بصدرها طيلة العرض، قائلة: «ثم يقوم أحد أفراد العائلة أو الطبيب مثلاً، بتحميل البيانات على شبكة الإنترنت». أما تشارلز وانغ، ممثل عن شركة Lumoback، فقد علق مستشعراً في أسفل ظهره يراقب وضعية الظهر. هكذا، كلما أصبحت وضعية ظهره غير سليمة على كرسي المكتب، يبث المستشعر ذبذبات إنذار لاتخاذ وضعية مستقيمة.في القاعة المكتظة، تبادل الحاضرون اقتراحات عدة حول كيفية إدخال دفق من البيانات إلى الشبكات الاجتماعية؛ فهم يؤمنون بأن القوة الثورية لتقنيات المراقبة الذاتية تكون أكثر فاعلية إذا تشارك كل شخص بياناته مع الآخرين. ويجتمع آلاف الأشخاص الذين يستخدمون الإنترنت، على مواقع الكترونية عدة، كموقعي PatientsLikeMe، وCureTogether، حيث يناقشون بياناتهم الشخصية، والأعراض المصاحبة، ووسائل العلاج.بالنسبة إلى الأشخاص القلقين حيال الحفاظ على سرية بياناتهم، قد يشكل تحميل البيانات الشخصية على الإنترنت ومشاركتها أكثر كوابيسهم فظاعة. إلا أنه لا يمكن نفي أن نظام جمع البيانات قد جاء بثماره. فقد كشفت البيانات التي جمعها المرضى مثلاً أن ثمة دواء محدداً يسبب نوبات دوار لدى المرضى المصابين بداء الشقيقة.كذلك، بات بإمكان الهواتف الذكية تحديد تقلبات المزاج، بفضل التطورات الأخيرة في عالم التكنولوجيا. وقد اكتشف الباحثون أن بإمكانهم تحديد مزاج الشخص، موضوع البحث، من خلال مراقبة وتيرة النطق عندما يتكلم على الهاتف. وإن كان المتكلم في خطر ما أو في حالة اكتئاب مثلاً، ثمة برنامج قد يأخذ للأخير موعداً مع طبيب نفسي، قبل أن يفكر المتكلم في اتخاذ تلك الخطوة بنفسه.«الإنسان أشبه بأداة قياس كثيرة العيوب»، يقول الباحث سمار مضيفاً: «المستشعرات التقنية موضوعية جداً. فهي تكشف، بسهولة كبرى، عن أي انحراف عن القاعدة وتنذر بالإشارات المبكرة لتطور أي مرض».وما من شخص أفضل من سمار للترويج عن ظاهرة «الطب الرقمي»، فهو عبقري متعدد الاختصاصات، وعالم فلكي أجرى دراسات حول الثقوب السوداء وموجات الجاذبية الأرضية، قبل أن يصبّ تركيزه على الأعمال الريادية في عالم الحواسب الخارقة وبنية الإنترنت. وبات سمار، وهو مؤسس معهد كاليفورنيا للاتصالات وتكنولوجيا المعلومات (Calit2)، سان دييغو، مهتماً، اليوم، في استباق المنحى الذي ستتخذه تقنيات المستقبل. وفي ذلك السياق، أصبح سمار مولعاً بتقنية المراقبة الذاتية.في هذا الصدد، يقول سمار: «عندما وصلت إلى كاليفورنيا، كان وزني يفوق التسعين كيلوغراماً»، ثم يسحب من محفظته صورة له في تلك الفترة، ويتابع: «أما سكان مدينة «لاجولا»، فقد كانوا يتمتعون بلياقة بدنية ممتازة».قياس نشاط الدماغ ليلاًقرر سمار أن يخضع بنفسه للاختبارات التي تولاها، وقد أشرف عليه مدرب لياقة بدنية، وبدأ بتسجيل وظائف جسمه بصورة منتظمة. استعان سمار بعصبة ربطت على ذراعه لمتابعة كمية السعرات الحرارية المستهلكة، وعدد الخطوات التي مشاها، ونبضات قلبه. ثم استعان بعصبة رأس وهي أحد ابتكارات شركة Zeo، لتسجيل مراحل نومه من خلال قياس نشاط دماغه في الليل. ويستطيع مستخدمو المنتج الذين ينشرون بيانات التخطيط الكهربائي لدماغهم على الإنترنت، تلقي نصائح من الباحثين المعنيين بمشاكل النوم حول كيفية النوم ليلاً بشكل أفضل.كذلك، يسجل سمار بانتظام بيانات نظامه الغذائي، ويتوافر في هاتفه الذكي برنامج يقدِّر عدد السعرات الحرارية في كل وجبة من خلال الصورة. عن تلك المرحلة يقول: «بعد فترة، ضاعفت جهودي وأنقصت وزني إلى 80 كيلوغراماً، ووجدت ذلك الأمر ممتعاً. بدأت أتساءل عما يمكنني اكتشافه بعدما قمت بتحليل دمي».بدأ سمار يرسل نماذج شهرية عن تحاليل الدم إلى إحدى الشركات في فلوريداYour Future Health. كذلك أرسل إلى الشركة، بانتظام، نماذج براز. في هذا الصدد، يتذكر سمار: «سرعان ما بدأت أقيس مئة أشياء أخرى. وبعد السنوات الخمس الأولى، بت أتمتع بصحة أفضل».كذلك تمكن هذا الباحث العبقري من اكتشاف مرض مزمن ظل، لفترة طويلة، غير مشخص. كانت مؤشرات الالتهابات في تحاليل دمه تقلقه، لذلك، خضع لتحليل المجين، واكتشف على إثره أنه معرض للإصابة بالتهاب، ثم خضع سمار لفحص تنظير القولون.عن تشخيص الالتهاب، يشرح سمار: «اكتشفت أني مصاب بداء كروهن، وهو داء الأمعاء الالتهابي. وكانت 15 سنتمتراً من القولون ملتهبة. ولو لم أقم بتلك التحاليل المنتظمة، لما تمكنت من معرفة ذلك. أما الآن، فبات بإمكاني احتواء الالتهاب قبل أن يتطور إلى مرض خطير».هل الطب الرقمي شكل جذري من أشكال المراقبة؟هل يعتمد الطب، في المستقبل، على المراقبة الذاتية؟ هل سيتمكن المرضى، قريباً، من متابعة وضعهم الصحي، والتعرف إلى إشارات المرض الأولى، واتخاذ التدابير الوقائية؟ وهل تقنيات المراقبة الذاتية مجرد شكل جذري من أشكال المراق؟نشر سمار سجله الطبي بكامله على الإنترنت، كنموذج يعتمده أعضاء الحركة المؤيدة لتقنيات المراقبة الذاتية. وبحسب قول إيريك توبول، وهو طبيب قلب ومدير معهد العلوم متعددة الاختصاصات (Scripps Translational Science Institute)، لا جولا - سينتشر استخدام تلك التقنيات مع الوقت. ويرى توبول أنه في المستقبل، سيعرف المرضى عن نفسهم أكثر مما يعرف الأطباء عنهم. ويضيف قائلاً: «وذلك الأمر جيد».يؤيد توبول فكرة التعاون بين المريض وطبيبه، ليقتصر دور الأخير على الاستشارة والتحليل. وقد أبدى بعض شركات التأمين اهتمامه بتلك الفكرة.ويصرح ريك لي، موظف في شركة Healthrageous (شركة تزود خدمات استشارة إلى عدد كبير من شركات التأمين): «تتجاوز مخصصات الرعاية الصحية قيمة واحد تريليون دولار، وهي تغطي أمراضاً سببها نمط حياة المريض، لا سيما قلة الحركة، وكثرة التدخين والطعام». وبهدف تغيير ذلك الوضع المأساوي، أنشأت شركة Healthrageous منصة عبر الإنترنت حيث يستطيع مستخدمو تقنيات المراقبة الذاتية تحميل بياناتهم الصحية والحصول، في المقابل، على استشارة صحية شاملة.ويقترح لي، بجدية تامة، فرض أقساط تأمين أغلى ثمناً على كل من لا يقيس إشاراته الحيوية ولا يتقيد بالإرشادات الصحية. ويشير قائلاً: «ثمة أوجه شبه كثيرة مع سوق السيارات؛ كلما زادت حوادث السير المعني بها، ارتفعت أقساط التأمين التي يجب أن تسددها».ولن يخفى سر عن شركات التأمين بعد اليوم، سواء كانت مشاكلكم الصحية متعلقة بحميتكم الغذائية، أو لياقتكم البدنية، أو قسط النوم الذي تنالونه. إلا أن ذلك السيناريو لا يخيف مؤيدي تقنيات المراقبة الذاتية. ويرى سمار أننا في المستقبل القريب، سيكون جسمنا مزوداً بمستشعرات مجهرية تقوم، على سبيل المثال، بمراقبة مستوى الدم، والإنذار بوجود أي مشكلة صحية. ويتوقع الباحث أنه «في غضون سنوات قليلة، لن نلاحظ تلك المستشعرات في جسمنا مطلقاً».لا يتصور سمار حياته من دون تلك الأجهزة؛ فهو يعتبرها صديقته وملائكته الطيبة، ويضيف: «تساعدني على تخطي عاداتي السيئة وتحثني على ممارسة التمارين الرياضية».
توابل - EXTRA
الطب الرقمي ممرِّضك الخاص .. تقنيات المراقبة الذاتية تتيح قياس وظائف الجسم ليلاً ونهاراً
11-05-2012