التوجه شرقاً، دعوة لها جاذبيتها ومنطقيتها وضرورتها للخليج، وتتصدر دولة الكويت السعي إلى تعزيز علاقات التعاون بالشرق الآسيوي حيث الإمكانات والفرص الهائلة.

Ad

 الخليج على ارتباط تاريخي بالشرق الآسيوي وبخاصة الهند وإيران، وهو أكبر مستقبل للعمالة الآسيوية التي تشكل أكثر من 70% من المقيمين فيه، لكن المطلوب اليوم الارتقاء بهذه العلاقات إلى شكل جديد من التعاون يتناسب وحجم هذه القارة وإمكاناتها الهائلة، ويكون قادراً على المساهمة في حفظ السلام والاستقرار، كما يلبي طموحات شعوبها في الحياة الكريمة.

 الخليج الضامن الأكبر لإمدادات الطاقة لهذه الدول، لذا فأمنه جزء من أمنها، الحنين إلى عبق الشرق له جذور تاريخية في حضارتنا الإسلامية، وكان التجار العرب والمسلمون رواداً في هذا التوجه على مر التاريخ الإسلامي، وفي العصر الحديث كان المفكر المصري أنور عبدالملك من أبرز الدعاة في كتابه "ريح الشرق" الذي ظهر قبل 30 سنة، كان يحث المصريين على الاتجاه شرقاً بدلاً من التبعية للغرب، لكن منطلقاته كانت يسارية.

 وفي الثمانينيات انشغل مفكرنا الكبير محمد جابر الأنصاري بحث الخليجيين على الإفادة من التجربة اليابانية، باعتبار الخليج هو المؤهل لأن يكون واسطة التفاعل بين حضارة الشرق والغرب، مثلما كان البحر المتوسط واسطة التفاعل بين أوروبا وعرب المشرق وشمال إفريقيا.

 اليوم الكويت تترجم هذا التوجه الإيجابي باحتضانها مؤتمر القمة الأول لحوار التعاون الآسيوي (ACD)، والذي يعد أول قمة تاريخية لقارة حوار التعاون الآسيوي (32 دولة)... التساؤلات المطروحة على خلفية هذا الحدث الضخم هي:

 أولاً، لماذا المسعى الكويتي لتعزيز التعاون الآسيوي؟

1- الكويت هي الدولة الأكثر استعداداً للقيام بهذه المهمة، لها تاريخ عريق في مجالات التعاون التجاري مع دول الشرق الآسيوي، إذ كانت سفنها تجوب البحار، ويتعامل أهلها مع كافة شعوب تلك المنطقة، ويعبر د. عبدالمحسن جمال عنه بقوله "الكويت وهي تستقبل ممثلي دول آسيا فإنها تجسد طموح أهلها منذ القدم بأهمية التعاون مع شعوب العالم".

 2- هذا الحس التاريخي بأهمية التعاون، وتلك الخبرات المتراكمة هما الدافع والحافز لتبني الكويت سياسة "الدبلوماسية الاقتصادية" المعبر عنها في قاموس العلاقات الدولية بالقوة الناعمة، وهي سياسة عملية تقوم على 3 محاور: الأول ترك الخلافات السياسية جانباً، الثاني: تعميق التعاون الاقتصادي بتشجيع حرية التجارة والتنقل وتبادل السلع والخدمات وتشجيع الاستثمار ونقل المعلومات والتكنولوجيا وتبادلهما وتنمية العنصر البشري، الثالث: من شأن هذه العلاقات المتبادلة أن تتحول إلى آلية تساعد على حل الخلافات السياسية. (راجع الكتيب القيم: نحومستقبل أفضل لآسيا من إعداد د.هيلة المكيمي ومحمد بدر، وإشراف طارق المزروم، وإصدار وزارة الإعلام الكويتية).

 ثانياً، كيف نقرأ نجاح الكويت في احتضان هذه القمة؟ وما دلالاته؟

 لم يأت هذا النجاح من فراغ، بل سبقته جهود حثيثة للدبلوماسية الكويتية، ومبادرات كريمة من قبل سمو أمير الكويت، لتثمر وتتوج بهذه القمة، فمنذ أن أطلقت الكويت سياستها الخارجية القائمة على "الدبلوماسية الاقتصادية" عام 2004 فإنها سعت إلى ترجمتها عبر 4 خطوات أو محطات تاريخية:

 1- في يونيو 2006 قام سمو أمير الكويت- حينما كان رئيساً للوزراء- ومعه وفد كبير من رجال الأعمال الكويتيين بجولة آسيوية شملت العديد من الدول، لتوطيد العلاقات معها وتم خلالها توقيع العديد من الاتفاقيات الاقتصادية والمشاركة في مشاريع عملاقة.

 2- في عام 2009 تبنت الكويت أول قمة اقتصادية عربية بمبادرة من سمو أمير الكويت، بهدف تخفيف حدة النزاعات البينية وإعطاء فرص للتعاون الاقتصادي العربي.

 3- في عام 2011 احتضنت الكويت احتفالية مرور عشر سنوات على حوار التعاون الآسيوي، وكان على مستوى وزراء الخارجية، حيث دعا سمو أمير الكويت إلى عقد مؤتمر للقمة.

 4- في عام 2012 عُقد أول مؤتمر على مستوى القمة، حضره قادة ورؤساء حكومات ووفود من 32 دولة مشاركة في المنتدى.

ثالثاً، ما أهمية عقد المؤتمر في هذا الوقت؟

 يشير الاقتصادي القطري د. آل شافي إلى أن السوق الأوروبية والأميركية تشهد تباطؤاً في النمو؛ مما جعل الدول الآسيوية تسارع في العمل على زيادة تعزيز علاقاتها الاقتصادية.

رابعاً، لماذا حرصت الكويت على الدعوة إلى القمة؟

 منذ نشأة المنتدى في يونيو 2001 بمبادرة من تايلند صاحبة الفكرة والعمل يجري بطيئاً وغير جاد، لأسباب كبيرة منها حجم القارة الكبير، والخلافات السياسية والنزاعات الإقليمية، وتفاوت المستويات الاقتصادية، وغياب الإدارة السياسية، وانضمام الدول الآسيوية إلى منظمات إقليمية متضاربة في مصالحها، كما أن الاجتماعات السنوية على مدار السنوات العشر، على مستوى وزراء الخارجية، كانت دون المستوى التنفيذي المطلوب، إلى أن استطاعت الدبلوماسية الكويتية النجاح في الدعوة إلى عقد القمة للارتقاء بآلية وهيكلية حوار التعاون الآسيوي، وبهدف تحقيق نتائج ملموسة لتحسين مستوى المعيشة لشعوبه.

 خامساً، ما أبرز نجاحات الدبلوماسية الكويتية من خلال المؤتمر؟

 تضمن البيان الختامي للمؤتمر 22 بنداً، شمل كافة أوجه التعاون الاقتصادي بين الدول الأعضاء في المنتدى، وقد تضمن البيان تثمين جهود الكويت في العديد من المجالات الداعمة لتعزيز التعاون والارتقاء لآلية الحوار.

 ونشير بإيجاز إلى أبرز إنجازات الدبلوماسية الكويتية في هذا الشأن:

 1- اعتماد اجتماعات القمة كل 3 سنوات، تايلند تستضيف قمة الحوار الثاني 2015، وذلك غير الاجتماعات الوزارية السنوية.

 2- تحفيز الجهود الخليجية لتعزيز وتنشيط علاقاتها بدول التعاون الآسيوي كما عبر عنه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبدالرحمن الزياني بقوله "إن انعقاد قمة الحوار يؤسس لعهد جديد من التعاون الآسيوي".

 3- تثمين جهود الكويت في استضافتها أول قمة تاريخية لمنتدى حوار التعاون الآسيوي.

 4- تثمين عرض الكويت باستضافتها لسكرتارية المنتدى.

 5- الترحيب بمقترح الكويت وتايلند وطاجيكستان لإعداد التوصيات المتعلقة بالآليات المختلفة للوزراء، وذلك باقتراح الأمانة الدائمة لتقديم الدعم لعمل حوار التعاون الآسيوي.

 6- نجاح الكويت في إطلاق مبادرة الملياري دولار لآسيا، لمشاريع إنمائية في الدول الآسيوية الفقيرة غير العربية، وقد أعلن سمو أمير الكويت في كلمته الافتتاحية تبرع الكويت بمبلغ 300 مليون دولار لتلك المشاريع.

 7- نجاح الكويت في حسن تنظيم هذا المؤتمر الحاشد الذي حضرته (32) دولة وأكثر من 300 إعلامي، وينبغي هنا الإشادة بالجهود الكبيرة المبذولة التي أظهرت الوجه الحضاري لدولة الكويت، سواء في حسن الاستقبال أو في طيب الإقامة، أو في وفرة المعلومات، أو في الخدمات المقدمة للإعلاميين، ولقد تم تجهيز 3 مراكز إعلامية متكاملة كانت تعمل كخلية نحل، وقد صدق وكيل وزارة الإعلام الشيخ سلمان الحمود الصباح في قوله إن الإعداد والتنظيم استغرقا جهداً كبيراً للخروج بهذا المستوى المشرف لدولة الكويت.

* كاتب قطري