لا شك في أن بعض التحولات سيجعل من القطب الشمالي مكاناً يصعب العمل فيه. قد تكون التفاصيل شائكة، لكنّ المشهد العام واضح بوضوح مياه المحيطات المفتوحة!  ماذا كتبت The Economist عن الجليد في المحيط المتجمد الشمالي؟

عام 2007، صُدم علماء المناخ عندما تراجع مستوى جليد المحيط الشمالي خلال الصيف إلى مستويات لم يشهدوها سابقاً. خلال فصل الربيع من تلك السنة، غطى الجليد مساحة أقل من 15 مليون كلم مربع من المحيط (منطقة بحجم روسيا تقريباً). في منتصف شهر سبتمبر، عندما بلغ الجليد أدنى مستوياته، اقتصرت المساحة على 4،17 ملايين كلم مربع. إنها مساحة الاتحاد الأوروبي من دون اليونان. منذ عام 1979، عندما أصبحت تلك القياسات ممكنة بفضل الأقمار الاصطناعية، لم يحدث ذوبان بهذا الشكل.

Ad

هكذا كان الوضع حتى الآن. صحيح أن حجم الجليد البحري في شهر سبتمبر تحسن بعض الشيء مقارنةً بأدنى مستوياته في عام 2007، لكن يُسجَّل في كل سنة منذ ذلك الحين مستوىً أقل من المعدل الذي كان يُسجَّل سنوياً قبل عام 2007. هذا العام، لم يتم كسر الرقم المسجل في عام 2007 فحسب بل تم سحقه نهائياً!

بيانات الثلج

تراجعت تغطية الجليد إلى أقل من 4،17 ملايين كلم مربع في 26 أغسطس. في 16 سبتمبر (يعتبر المركز الوطني الأميركي لبيانات الثلج والجليد أن هذا التاريخ شهد أقل المستويات)، تراجع هذا المعدل إلى 3،41 ملايين كلم مربع. تساوي هذه المساحة الاتحاد الأوروبي من دون اليونان والبرتغال وإيرلندا وبريطانيا وألمانيا.

إنه أمر مفاجئ فعلاً لأن 2012 كان عاماً عادياً على مختلف المستويات في القطب الشمالي. في عام 2007، كان طقس الصيف غير مناسب لصمود الجليد، فقد بثّت الشمس أسوأ انعكاساتها بسبب كميات كبيرة من الرياح الجنوبية الدافئة والجو الصافي في السماء. لكن لم تشهد هذه السنة أي ظروف استثنائية مماثلة. صحيح أن إعصاراً قوياً قضى على كمية كبيرة من الجليد في بحر سيبيريا الشرقي وبحر تشوكشي في بداية أغسطس، لكنّ معدل فقدان الجليد تفوّق على المعدل الذي سُجّل في عام 2007 قبل العاصفة وبعدها.

بدأ الجليد البحري خلال الصيف يتقلص، ويحصل ذلك عموماً لأن الاحتباس الحراري يرفع الحرارة في القطب الشمالي. يترافق هذا الأمر مع انعكاسات مباشرة: حين يكون الهواء أكثر سخونة من العادة، تذوب كتل جليدية إضافية. لكن تبرز انعكاسات غير مباشرة أيضاً، منها انزلاق المياه الساخنة والمالحة من شمال الأطلسي إلى أسفل الطبقات العليا الباردة والعذبة في بحر بارنتس. أو ربما تأثر الوضع بواقع أن الهواء الساخن يكون أكثر رطوبة. يحبس الهواء الرطب حرارة أكبر في الصيف. أما في الشتاء، فهو يميل إلى تكوين غيوم إضافية، ما يُبقي حرارة السطح متدنية.

نظرياً، يُفترَض أن تساهم نماذج المناخ في تحديد الآثار غير المباشرة التي تؤدي أكبر دور في هذه الظاهرة، فضلاً عن رصد مدى تأثير التغيرات الطبيعية على تراجع الغطاء الجليدي وتدوين ملاحظات عن نتائج الاحتباس وسخونة الجو. إحدى أشهر تلك الملاحظات، نذكر أثر «جليد الإشعاع الكهرومغناطيسي» (ice-albedo): تظهر السطوح الداكنة حين يذوب الجليد اللامع والانعكاسي ويمتص إشعاعات من الشمس أكثر مما يفعل الجليد، ما يزيد سرعة العملية التي أدت في الأصل إلى ذوبان الجليد.

لكن لسوء الحظ، يبدو أن نماذج المناخ لا تجيد التكيف مع ظروف القطب الشمالي. تحصل عملية الذوبان بوتيرة أسرع على أرض الواقع مما يحصل في برامج الكمبيوتر. يبدو أن تلك البرامج لا ترصد التفاصيل الدقيقة حول الطرق التي تساهم في وصول حرارة إضافية إلى أقصى الشمال، ولا شك في أن تلك التفاصيل بالغة الأهمية.

هذا ما يصعّب تحديد مدى سرعة تقلّص حجم الغطاء الجليدي خلال الصيف. لكن يمكن الرهان على أن هذه الظاهرة ستستمر. تعني ظاهرة الاحتباس الحراري أن حجم الجليد القديم يتراجع كل سنة مقابل ظهور جليد جديد يتشكّل خلال الشتاء السابق. غالباً ما يكون الجليد الجديد هشاً ورفيعاً ويسهل أن يختفي بفعل طقس الصيف. في المناطق الدافئة، أصبح الطقس البارد الذي كان يسمح للجليد بزيادة سماكته وتقوية نفسه أقل شيوعاً، لذا تبقى فرص عكس مسار هذه الظاهرة نادرة.

إبطاء التراجع

حتى الآن، يمكن أن تؤدي تغييرات أنماط الرياح وتحولات المناخ الطبيعي على المدى البعيد إلى إبطاء عملية التراجع الراهنة. لكن وفق مارك سيريز من المركز الوطني الأميركي لبيانات الثلج والجليد، برز «نظام جديد» يمهد لظهور الجليد واختفائه كل سنة، ومن المتوقع أن تتراجع الكمية المتبقية خلال فصل الصيف كله. قد يصبح الغطاء الجليدي الذي ينحصر ضمن مساحة تقلّ عن مليون كلم مربع في شهر سبتمبر أمراً طبيعياً خلال عقود. إنها مساحة فرنسا وألمانيا فقط.

لا شك في أن العالم الذي تقوم فيه أشعة الشمس والتيارات البحرية بدفع طاقة أكبر نحو القطب الشمالي في الصيف سيشهد تجدد تلك الطاقة خلال الشتاء حين تبرد مياه السطح ويتجمد الجليد مجدداً. قد يؤدي إطلاق الحرارة إلى تغيير أنماط دوران الهواء في الغلاف الجوي عبر التيار النفاث (رياح تجول العالم في أسفل الطبقة العليا من الغلاف الجوي) أو ربما عبر وسائل أخرى. ستؤثر هذه التغييرات بدورها على الطقس في خطوط العرض السفلى.

سعت مجموعات متنوعة من الباحثين إلى الربط بين توسّع نطاق المياه المفتوحة في شمال سيبيريا خلال سنوات وذوبان الجليد بقوة خلال الصيف من جهة واشتداد البرد خلال فصول الشتاء اللاحقة في أوروبا الغربية من جهة أخرى. عموماً، قيل إن الانعكاسات على التيار النفاث قد تزيد حدة أنماط «الإعاقة» حيث تستمر حالة الطقس في منطقة معينة لأسابيع أو أشهر بعدما كانت تقتصر على بضعة أيام، ما يسبب الجفاف وموجات الحر.

لكن لم تتأكد صحة أيٍّ من هذه الأفكار بعد. حتى الآن، ما من نمط نهائي ثابت يتعلق بالطقس الصعب. يعمل جيمس أوفرلاند من الإدارة الوطنية الأميركية لدراسة المحيطات والغلاف الجوي على دراسة الموضوع وهو يشير إلى أن بعض الأماكن المعتدلة في العادة شهد فصول شتاء باردة وغير مألوفة في موسمَي 2009-2010 و2010-2011، وقد ربط البعض هذه الظاهرة بعملية ذوبان قوية سابقة. لكن بعد حدوث عمليات ذوبان مماثلة، كان الشتاء مختلفاً تماماً في موسمَي 2008-2009 و2011-2012.

ربما من الأسهل تقييم الآثار المترتبة على صيد السمك والتجارة في القطب الشمالي. لكنّ تدني مستويات الجليد لا يعني وجود مياه مفتوحة في كل مكان. تأجلت محاولات شركة «شيل» (Shell) للتنقيب عن النفط في بحر تشوكشي في شهر أغسطس الماضي بسبب الرقائق الجليدية التي كانت كبيرة جداً وفق معايير الهندسة البشرية مع أنها تُعتبر صغيرة على مقياس القارات. على الجانب الآخر من المحيط، بقيت قناة باري (جزء من الممر الشمالي الغربي الذي كان يخلو من الجليد في السنوات السابقة)، غير سالكة هذه السنة.