ما يجري في سورية حرب إبادة شعب يقوم بها النظام برخصة من المجتمع الدولي، هكذا لخص الشيخ حمد بن جاسم بن جبر آل ثاني رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الوضع المأساوي هناك، العالم كله يشاهد آلة القتل السورية تحصد أرواح المئات من الشعب يومياً وعلى مدار العامين لكن لا أحد يتدخل لحمايتهم من نظام قرر أن يضحي بهم، ولو حكم أرضاً بلا شعب كما يقول المرجع الشيعي الحر السيد علي الأمين.

Ad

 جولات الإبراهيمي لن توقف آلة القتل، ولن تفعل شيئاً مثلما لم يفعل المبعوث الدولي أنان من قبله شيئاً، وكذلك مبعوث الجامعة شاهد ما شاف شيئاً! ومبادرة روسيا والصين فاشلة مقدماً لأنها تقوم على بقاء الأسد، لم توفر هذه المبادرات إلا غطاء سياسياً لآلة القتل التي وصل ضحاياها إلى 40 ألف قتيل وتقول هل من مزيد؟! لم توفر إلا مزيداً من شراء الوقت لمنح النظام مبررات تشويه الثورة عبر آلة التضليل الإعلامي التي نجحت في تضليل وزيرة الخارجية الأميركية لتصرح مؤخراً بأن المتطرفين يختطفون الثورة السورية!

لقد آن للمجتمع الدولي أن يدرك أن كافة المبادرات عديمة الجدوى، ولن تحمي المدنيين بمواجهة آلة القتل والبطش، لقد آن لشرفاء العالم وأصحاب الضمائر الحية أن يقوموا بواجبهم الإنساني ويرفعوا أصواتهم عالية بضرورة التدخل الدولي الإنساني، لا شيء يوقف آلة القتل السورية إلا القوة، وكل هذه المبادرات ما هي إلا جهود ضائعة وآمال واهمة تشكل نوعاً من التواطؤ الدولي الكاذب على السوريين وعلى شعوب العالم.

 كل المطلوب من المجتمع الدولي حماية المدنيين عبر تحييد الطيران الذي يقصف المدن والقرى بلا رحمة، وتزويد المعارضة بأسلحة دفاع، سيذكر التاريخ بكل التقدير جهود قطر وجهود الدول الخليجية في حماية الشعب السوري، وسيذكر بكل فخر دعوة سمو أمير دولة قطر في خطابه الأخير بالأمم المتحدة إلى التدخل عبر تشكيل قوة ردع عربية لإنقاذ الشعب السوري، ووقف نزيف الدم العربي بعد أن عجزت الأمم المتحدة ومجلس الأمن عن اتخاذ قرار يضمن حماية الشعب السوري بسبب تضارب مصالح الدول الكبرى.

 وللمرء أن يأسف ويأسى لمواقف المعارضين للتدخل وعلى رأسهم الأستاذ الكبير هيكل الذي قرر أن على السوريين أن يقبلوا المجزرة ويستشهدوا من دون معاونة أحد حرصاً على طهارة الثورة كما يزعم! ورئيس الوزراء العراقي الذي نسي أنه جاء إلى منصبه بفضل التدخل الخارجي كما يقول عادل الطريفي، وغيرهما من الذين يعرضون مبررات متهافته، في الوقت الذي تعلن الأطراف الأخرى تدخلها السافر بالسلاح والرجال لدعم النظام القمعي.

 إن موقف سمو أمير قطر موقف مشروع أخلاقياً وإنسانياً وإسلامياً وقومياً، وكافة مواثيق حقوق الإنسان وجميع قرارات الأمم المتحدة وكل تعاليم الإسلام والمبادئ الأخلاقية تلزم المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته بالدفاع عن الشعوب المضطهدة وحقها في تقرير مصيرها، بل إن إسلامنا العظيم يقرر أن السكوت والتقاعس عن نجدة هذا الشعب العظيم الذي يواجه الرصاص الحي والحديد والنار ليعد إثماً كبيراً طبقاً لما جاء في بيان الأزهر الشريف على لسان الإمام الأكبر د. الطيب "إن ما يتعرض له الشعب السوري من قمع واسع واستعمال لأقصى درجات العنف واعتقال وترويع، يمثل مأساة إنسانية لا يمكن قبولها ولا يجوز شرعاً السكوت عنها".

الطارئ الجديد اليوم على الساحة هو تطور موقف الإسلاميين وبالذات رموز ومشايخ الإسلام السياسي، لمصلحة التدخل الدولي، وهذا مما يحمد لهم، لقد كانوا في الماضي ضد أي نوع من التدخل بمظلة الأمم المتحدة أو من دونها، لكن الإسلاميين اليوم تغيروا وأصبحوا بعد ثورات الربيع مؤيدين متحمسين للتدخل، فأيدوا تدخل الناتو لحماية الشعب الليبي، وأصدروا فتاوى بشرعية التدخل لإسقاط نظام القذافي، وهم اليوم يسعون ويتمنون التدخل الأميركي لحماية السوريين من آلة البطش، لكن أميركا لاهية بانتخاباتها، وأوباما يخشى عواقب التدخل على مصيره الانتخابي.

 وسبحان مغير الأحوال ومبدل المواقف، لقد كان الإسلاميون قبل الربيع العربي ضد التدخل الأميركي لإسقاط نظام صدام وإنقاذ الشعب العراقي من حاكمه الظالم، كانوا يتهمون المؤيدين للتدخل الأميركي بالعمالة والخيانة، وبأنهم "كتاب المارينز" وقاموا بإصدار فتاوى تحرض الشباب للذهاب إلى العراق لقتال المحتل الأميركي ومن يعاونه من المدنيين، وقالوا إن الجهاد ضد المحتل الأميركي فرض عين على كل المسلمين، ولا يحتاج لإذن من ولي الأمر الحاكم.

 ولعلي كنت أحد القلائل في قطر الذي أيد التدخل وتصدى لفتاوى مشايخ ودعاة "حي على الجهاد"، بمقالة بعنوان "الفتوى الخطأ في الوقت الخطأ" الراية القطرية 19/3/2003، قلت فيها: إن الفتاوى الصادرة من شخصيات وجهات دينية هنا وهناك بضرورة الجهاد ضد العدوان الصليبي على العراق، في غير محلها، وقد وقعت في عدة أخطاء كارثية:

 1- حالة عراق صدام، حالة دولة عدوانية مستمرة على شعبها عبر الكيماوي والمقابر الجماعية، وعلى جيرانها عبر حروب ذهب ضحيتها 2 مليون إنسان، فحالتها حالة رجل مريض أزمن، ولم تفد فيه كل العلاجات، فلا بد من عملية جراحية لشفائه، وهو ما ينطبق اليوم تماماً على الحالة السورية.

 2- تساءلت ومن منطلق شرعي بحت: كيف يتم إنقاذ شعب مسلم مضطهد لأكثر من 30 عاماً وهو يستغيث بالعرب والمسلمين طالباً الإنقاذ، تطبيقاً للنص القرآني الكريم "وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا"، فأين النصير العربي والمسلم؟ وأين الولي المنقذ؟! لماذا لا نأخذ على يد أخينا الظالم مصداقاً للحديث النبوي "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً... قالوا كيف ننصره ظالماً؟! قال: بأن تأخذوا على يديه"، وإذا كنا نحن العرب والمسلمين قد سكتنا طويلاً، ولم نقم بمسؤولياتنا الدينية والأخلاقية والقومية تجاه إخواننا المستضعفين في العراق، أفلا يكون من الواجب الترحيب بمن يريد القيام بهذه المسؤولية وإنهاء عذاب هذا الشعب الصابر من نظامه الظالم؟!

 3- إن إعلان الجهاد العام شأن خاص بولي الأمر الحاكم وحده– شرعاً وقانوناً- لا الشيخ الخطيب على المنبر ولا العلامة الفقيه، والذي لا يجوز له أن ينازع الحاكم اختصاصاته ويتدخل في مهماته ويدفع الشباب الغر إلى ميادين الهلاك، ثم لا يتحمل مسؤولية فتاواه المحرضة.

 4- أن هذه الفتاوى المحرضة بدعوتها الشباب إلى الذهاب إلى العراق لجهاد المحتل الأميركي والمدنيين المتعاونين معه إنما منحوا النظام الصدامي المستبد شرعية البقاء والاستمرار لارتكاب المزيد من الجرائم والآثام، وبذلك فإن هؤلاء المحرضين لا يتحملون نصيباً من الإثم.

* كاتب وباحث قطري