يعد المستشرق الإيطالي الأب الدكتور جوزيبي سكاتولين (أستاذ الفلسفة والتصوف الإسلامي) أبرز المستشرقين راهناً دفاعاً عن الإسلام وحضارته، ويرى أن صورة الآخر يسودها التعصب سواء لدى الغرب أو العرب، كما يرى أن القيم الروحية في الأديان من شأنها خلق حوار حضاري بين الجميع، ويطالب بضرورة الانتباه لخطر العولمة التي تستهدف السيطرة على العالم دون تفرقة بين عربي أو أوروبي، حول الإسلام في إيطاليا التقته "الجريدة" في هذا الحوار.

Ad

* كيف ترى صورة الإسلام في إيطاليا؟

- صارت صورة الآخر مشكلة كبيرة ومهمة جداً، وذلك لوجود نوعين من التعصب من جهة أوروبية ومن جهة عربية، أولاً دعنا نقول الحق إن العرب لا يعرفون الكثير عن الدراسات الأوروبية أو الاستشراقية التي تناولت الحضارة العربية والإسلامية، وأنا درست وقرأت كثيراً في الثقافة الإسلامية خصوصا في التصوف الإسلامي، وكلما أقرأ أجد هناك احتراما كبيراً للحضارة الإسلامية والعربية، ومستشرقون كُثُر ضد ما يُتصور أو يُعتقد في ذهن الأوروبيين عن الشرق، فالكثير من المستشرقين درسوا الحضارة العربية والإسلامية بحب وبرغبة في التعرف والتعارف والتقرب من الحقيقة، وليس صحيحاً ما يُقال عن أن المستشرقين تعمدوا تشويه صورة الإسلام والحضارة الإسلامية، هذا بالطبع مع الاعتراف بأن هناك استثناءات لكن هناك دراسات جادة بمعنى الكلمة في هذا السياق.

* لكن هناك موقفاً عدائياً من الغرب للمسلمين. لماذا؟

- ليس موقفاً عدائياً، لكن صورة الإسلام الشعبية تتأثر كثيراً بالأحداث في بلد الإقامة أو البلد الأم، فمثلاً حينما نسمع الكثير من العنف والحروب في العالم الإسلامي، فإن كل ذلك يؤثر على تصور الشعوب الأوروبية التي حينما ترى أو تسمع عن ذلك تعمم الحكم، وبسهولة يقال إن كل المسلمين إرهابيون أو أهل حرب وليسوا أهل سلام، وأنا أعرف أن هذه تعميمات ليس لها أساس من الصحة.

* ما الدافع وراء اهتمامك بدراسة الحضارة الإسلامية؟

- نحن في أوروبا ندرس الحضارات الإنسانية بداية من الحضارة اليونانية والرومانية، إذن الانفتاح على الحضارات الأخرى بالنسبة لي كان حاضراً منذ الفترة الثانوية، وعندما درست اللغة العربية كان لديَّ شوق للتعرف على حضارة أخرى مختلفة تماماً عن حضارتي وازدادت رغبتي في التعرف على الحضارة العربية والإسلامية، وعندما بدأت ذلك أردت أن أذهب فيها إلى أقصى حد ممكن.

* متى بدأت رحلتك إلى الشرق؟

- بدأت عام 1969 من لبنان لتعلم اللغة العربية، ثم السودان ومصر لدراسة اللغة والأدب العربي بكلية الآداب جامعة القاهرة ثم الفلسفة الإسلامية، وتخصصت في التصوف الإسلامي، وكانت الدكتوراة عن شعر الصوفي الأشهر الملقب بسلطان العاشقين عمر بن الفارض، ثم قمت بتحقيق ديوانه بطريقة علمية أكثر موضوعية وشمولاً عن التحقيقات السابقة، وصدر منذ نحو خمس سنوات عن المعهد الفرنسي بالقاهرة وواصلت دراساتي عن التصوف الإسلامي.

* ما الذي جذبك إلى التخصص في التصوف الإسلامي؟

- أعمل منذ سنوات على إعادة دراسة التصوف الإسلامي على منهج وتصور علمي حديث، وأعكف على مشروع إصدار موسوعة التجليات الروحية في الإسلام، يعاونني فيه تلميذي الباحث المصري أحمد أنور حسن وقد صدر منه حديثاً الجزء الأول ويضم نصوصاً من القرن الأول إلى القرن السابع الهجري، وهو إعادة قراءة للنصوص الصوفية، وقريباً سوف ننشر مجلداً عن أدب الطرق الصوفية، ثم مجلداً آخر في الأدب الصوفي المعاصر، وفيه نقدم للقارئ العربي مجموعة من النصوص بشروح وافية، حتى يسهل مطالعتها وإدراك معانيها، حيث أعمل على تسهيل إمكانية قراءة النصوص الصوفية، خصوصا أننا نرى أن هناك معارضة ضد التصوف، وهذه المعارضة ليس لها أساس أو سبب، وأظن أنها ناتجة من أحكام مسبقة أو من الجهل بأهمية التصوف.

* من وجهة نظرك ما سبب اعتراض البعض على التصوف؟

- أسباب كثيرة أهمها أن الصوفية لها مقاربة من النصوص الدينية تختلف عن المقاربة الفقهية، وفي رأيي أن الفقهاء فرضوا على الثقافة الإسلامية قراءات معينة للنصوص الدينية، هذه القراءة الفقهية للنصوص تحفل بظاهر النص للأحكام الشرعية بالتفاصيل في كل شيء، ولكن الصوفية لهم مقاربة من النصوص الدينية تهدف إلى المعنى العميق والخفي في هذه النصوص.

* ماذا عن ترجماتك من العربية إلى الإيطالية؟

- ترجمت سلسلة كتب من التراث الصوفي الإسلامي إلى اللغة الإيطالية، منها ثلاثة أجزاء مطبوعة بدأتها بالغزالي، كما لدي كتاب في التصوف الإسلامي أتناول فيه الخطوط الرئيسية للسلوك الصوفي في الإسلام، كما ألّفت كتاباً عن الإسلام والحوار الديني أدعو فيه إلى مبادئ للحوار الديني بين الإسلام والديانات الأخرى،

كما ألّفت أربعة كتب عن الدين الإسلامي من جوانب مختلفة تدخل كلها تحت مفهوم الحوار والمشكلات التي يواجهها الإسلام في هذا العالم.

* في رأيك متى يحدث حوار بنَّاء بين الأديان؟

- هذا ما نتمناه، فأنا أقول بصراحة هذا هدف لعملي البحثي، لذا أجتهد فيه من أجل خلق حوار حقيقي بين الغرب والشرق خصوصا في حالتي بين أوروبا والعالم العربي، لأن هذين العالمين عاشا في تقارب قرونا، وللأسف الشديد صار هناك تباعد بين هذين العالمين أوروبا والعالم العرب، فمن خلال دراسات متبادلة نتعارف بعضنا البعض ونقدر القيم الموجودة في كل ثقافة وفي كل حضارة ونكتشف القيم المشتركة بيننا التي تكون كأساس لبناء المجتمع حيث نتقبل الاختلاف بين الشعوب مع التعاون والتعارف، ومن الصعب طبعا معرفة كيفية تحقيق ذلك، لكن هذا واجب كل مثقف أوروبي أو عربي في الوقت الحاضر يعني أننا نواجه خطورة كبيرة، فنحن أمام تحد كبير وهو ما نسميه العولمة، وهي تتحقق راهنا على المستوى التسويقي بنظرة مادية، وهذه العولمة المادية التسويقية ليس لها سقف أو قيم أو حدود، فلا تفرق بين بلد أوروبي أو عربي، فهي تسعى إلى السيطرة المطلقة على العالم مع تدمير كل القيم الروحية الأخلاقية، لذا فإن الحوار بين الأديان مهم جدا لكي نؤسس التعايش بين الشعوب والحضارات على قيم ثابتة قوية بيننا، وإلا دخلنا في مرحلة الصدام بين الحضارات، وهذا عمل مدمر.

* هل القيم الروحية تختفي مقابل سيطرة القيم المادية؟

- هذا هو الخطر، وبالطبع هناك أجزاء من الحضارات الراهنة وقعت تحت سيطرة العولمة التسويقية، وأكبر دليل على ذلك أن معظم الشباب راهنا أصبح لا يشغله شيء سوى متابعة الجديد في عالم الأجهزة النقالة، وهذه ظاهرة عالمية، وذلك لأن الشباب ليس لديهم العمق الروحي لكي يقيموا هذه المنتجات بما هي عليه، ومع أنها منتجات مفيدة، لكنها ليست هي هدف الحياة البشرية، وعندما يحدث ذلك نفقد الإنسانية فينا.

* كمتخصص في دراسة التصوف الإسلامي هل يمكن للقيم الروحية المشتركة بين الأديان أن تلعب دوراً في تقريب المسافات لردم الهوة بين الشرق والغرب؟

- ليس ممكناً فقط بل هو مطلب واجب وضروري تحقيقه، فالقيم الأخلاقية الإنسانية المشتركة هي الأساس الوحيد الذي نبني عليه مجتمعاً تشاركياً، ويجب ألا يعيش أي دين قبلياً ومنطوياً ومرتكزاً على ذاته، فالدين في هذه المرحلة من التاريخ البشري يجب أن يكون متفتحاً ومنفتحاً على الآخر متقبلاً كل القيم التي توجد في الآخر، أنا كمسيحي عليّ واجب أن أقيم وأقدر وأقبل كل القيم الروحية والأخلاقية الموجودة في الإسلام، كما في الديانات الأخرى، كالهندوسية والبوذية، فكل دين في تاريخ البشر فيه كنوز من الحكم والأخلاق والرؤية والممارسات الروحية، وهذه كلها كنوز يجب على كل إنسان أن يستفيد منها، وإلا فنحن نبني حضارة ليست لها قيم... حضارة مادية خالية من الروح، والاعتماد على الإنتاجات التكنولوجية فقط لا يكفي لإشباع الشوق إلى الحياة الإنسانية وهو شوق موجود داخل كل إنسان منا.

* لإظهار حقيقة الإسلام ما الآليات المناسبة؟

- من الواجب خصوصا على وسائل الإعلام تصحيح الصورة وعدم المبالغة في الأمور ووصف الأحداث، فالإعلام يساهم بصورة أو بأخرى في تشويه صورة الإسلام والمسلمين، وهذا يطول الإعلام الغربي والعربي أيضاً، فالإعلام العربي ليس موضوعياً في مرات كثيرة، فهناك مصالح سياسية واقتصادية قد تؤثر في تصوير الآخر خصوصا في حالة الحروب بين الشعوب أو وجود أزمات سياسية، كل طرف يصور الآخر على أنه الشيطان الرجيم، فالإعلام يساعد على تفسخ العلاقات من جهة أو أخرى لا دعمها وتوطيدها، وهذا أيضاً ليس مقصوراً على الإعلام الغربي، فالإعلام العربي الإسلامي يفعل ذلك، أنا أحيانا أسمع بعض وعاظ المسلمين وبعض الخطباء يتكلمون عن المسيحية عن جهل بدون علم، ويشوهون الدين المسيحي، لذا يجب أن نخرج من هذه العقلية المنغلقة التعصبية.