مع أن الراقصة سامية جمال كانت صديقة تحية كاريوكا ومنافستها في الرقص في كازينو بديعة مصابني، فإن المثقفين والشعراء لم يجعلوا منها أيقونة كما فعلوا مع تحية. قلة من الشعراء كتبت عنها مقالات يوم رحيلها، ولم تدخل في النقاش الثقافي.

Ad

من بين القلة التي كتبت شعر في سامية جمال الشاعر المصري إبراهيم ناجي الذي عاش حياته باحثاً عن المرأة الملهمة التي تخرج ما في داخله من قصائد، وكانت أبواب قلبه مفتوحة لملهماته ليلاً نهاراً وكن يتوافدن عليه كما تتوافد القصائد على أوراقه التي يكتبها لهن إعجاباً وعشقاً في جمالهن أو فنهن... وقد تعرف إلى سامية جمال التي طلبت منه أن يصفها فصاغ قصيدته «بالله مالي ومالك»، يقول فيها:

يا من تمنيت شعراً

يكون كفء جمالك

وليس في الكون شعر

أراه كفئاً لذلك

عفو القوافي وعذراً

إن قصرت في سؤالك

حاولت وصفك لما

رأيت نور هلالك

فحررت ما قلت شيئاً

يليق باستقبالك

يا فتنة فوق ظني

بالله مالي ومالك...

بقيت سامية أيقونة في مكان آخر، وتجلت شهرتها في علاقتها مع الفنان فريد الأطرش وقصتها مع الملك فاروق. في هذا الإطار، تذكر سهير حلمي في كتابها «فاروق ظالماً ومظلوماً» قائمة طويلة بأسماء نساء أطلقت عليهن اسم «نساء فاروق» من بينهن: الأميرة مهوش طوسون، فاطمة طوسون، ليليان كوهين، الممثلة كاميليا، الراقصة سامية جمال، الأميرة باتريشيا، المغنية الفرنسية آني بيريه، ناهد رشاد وميمي ميدرت، وهيلين موصيري زوجة ولى عهد دولة أوروبية... من بين هذه الأسماء تبدو سامية جمال الأكثر شهرة والأكثر التباساً في علاقتها بالملك، فهي التي نفت هذه العلاقة خلال مقابلة تلفزيونية، لكن معظم الكتب يؤكدها. يذكر الكاتب الراحل مصطفى أمين في كتابه «ليالي فاروق» بعنوان «ملكة لليلة واحدة» أن سامية جمال أمضت ليلة في غرفة الملك واستيقظت فلم تجده بجوارها فقد اختفى من دون أن يودعها... وبسبب حبها له قطعت علاقتها بالفنان فريد الأطرش، حبيبها الأول.

يقال إن الملك فاروق لم يكن يحب سامية، بل لم يكن حتى يستلطفها وكان يطلق عليها أمام حاشيته اسم «سمجة جمال»، لكن الغيرة التي اشتهر بها تجاه الجميلات جعلته يختارها لتكون الراقصة الرسمية للقصر الملكي، لا لشيء إلا لمجرد الشعور بالانتصار على فريد الأطرش!

وذات يوم سألت الكاتبة إيريس نظمي فريد الأطرش: هل أحببت سامية جمال؟ فأجاب: نعم. تابعت: ولماذا لم تتزوجها؟ فردّ: كنت أغار عليها من الملك!

عمل الأطرش في صالة بديعة مصابني كمطرب بأجر يومي مقداره 60 قرشاً في الليلة، وعندما رفضت «الست» رفع أجره إلى 80 قرشاً ترك العمل في الصالة، وتضامناً معه حذت سامية حذوه. تقول الشائعات إن سامية عشيقة الملك كان قلبها في اتجاه آخر، يميل نحو فريد الأطرش الذي أحبها ورفض أن يتزوجها، وبعدما يئست منه أرادت أن تنسى هذا الحب فتزوجت من مليونير أميركي اسمه «كنج» اصطحبها وعاد إلى بلده أميركا، حيث عاشت سامية عامين ونصف العام، ثم عادت إلى مصر بعد حصولها على الطلاق.

عند رجوعها إلى مصر، كانت ثورة يوليو قد قامت وسألتها مجلة «الكواكب» عن حقيقة علاقتها بالملك فاروق فأجابت: «سامحهم الله أولئك الذين يغرمون باختراع الروايات... كل ما في الأمر أنني رقصت مرة في قصر عابدين كأية فنانة تدعى إلى حفلات القصر، ويكفي أن تعلم كي تدرك مدى سعة خيال الناس أنني لم أسترع انتباه الملك في رقصتي. حتى إنني لم ألحظ أنه صفق لي ولو من باب التحية والتشجيع. ولقد علمتني الحياة الواقعية في أميركا ألا أعبأ إلا بالحقائق. ولم يكن أمامي وقت لأمضيه في الرد والتكذيب، فاكتفيت بأن أقول سامح الله الجميع».

نقطة الفقر

سامية جمال (اسمها الحقيقي زينب خليل إبراهيم محفوظ)، الراقصة الشهيرة في أفلامها في دور الجنية (مع فريد الأطرش) أو الجارية (مع أنور وجدي)، كان من يراها يظنّ أنها عاشت حياة عائلية مترفة هادئة وأرستقراطية، نظراً إلى جسدها الطاغي والهادئ كالفراشة، ولامتلاكها الأداء المثير في الرقص في بعض المشاهد، حتى من دون تحريك الأرداف أو ارتداء الثياب اللافتة.

لكن سامية جمال عاشت العذاب قبل الرقص، فهي بدأت من نقطة الفقر الشديد، وروت في أكثر من حديث عن شعورها الدائم بالجوع، وانتمائها إلى عائلة مشردة. انفصل الأب عن الأم وتزوج امرأة أخرى، ولاقت سامية العذاب على يد زوجة أبيها (خالتها في المعنى العاميّ)، ما حدا بها إلى الهرب مرتين، خصوصاً عندما حاولوا تزويجها بالقوّة. وكانت زوجة أبيها تعاملها كخادمة، لكن كان يعوضها ويسعدها الاستماع إلى الراديو من المقاهي المنتشرة في المكان. وانتقلت زينب من بيت والدها إلى بيت أختها فاطمة في السيدة زينب، وهناك تأثرت بإنشاد المداحين والصوفيين، وكانت حجرتها تطل على قهوة بلدي، فصادف أن استمعت من مذياع المقهى إلى صوت فريد الأطرش وكان مطرباً جديداً في ذلك الوقت، وكان يغني «باحب من غير أمل وقلبي راضي وسعيد» فأحبت الأغنية وعشقت الصوت من دون أن تراه.

عاشت سامية وحيدة بعدما اعتزلت الأضواء منذ السبعينيات، ونجح الفنان سمير صبري في أن يعيدها إلى الرقص من خلال فرقته الاستعراضية عام 1985، غير أنها سرعان ما عاودت الاعتزال. لقد آمنت بأن الرقص علم ينبغي أن تدرسه على قواعده وأصوله، فاستعانت بمدرب الرقص في الفرقة ومصمم الرقصات إيزاك ديكسون، كذلك تعلمت رقص الصالونات مثل: «السامبا، الرومبا، الروك أندرول، الشارلستون، التانغو، والفالس»، غير أنها لم تقتنع بهذا كله، وأرادت الاتجاه إلى رقص الباليه، فدرست هذا الفن على يد المدرّبة الأجنبيّة سونيا إيفانونا ومن ثم عادت إلى الرقص كراقصة أولى، تبهر الجمهور برقصاتها الشّرْقيّة والغربية، وأصبحت بعد ذلك راقصة متمكنة من فنها الشرقي والغربي، وتؤدي الرقص البلدي والفرعوني والهندي. كذلك اتخذت لها أسلوباً خاصاً بعيداً عن التقليد، حتى حققت شهرة ونجاحاً جعل بديعة مصابني تضاعف راتبها إلى 12 جنيهاً، بعدها تعاقدت سامية على الرقص في ملهى في مدينة السويس براتب 20 جنيهاً، إلى أن ارتفع راتبها إلى 40 جنيهاً شهرياً.