لطالما بالغت إيران في ثقتها بنفسها... لقد تراجعت المشاعر الشعبية العراقية تجاه إيران بعد أن كانت تصب في مصلحتها خلال السنوات الأولى بعد الحرب.
تحدث التحولات الجيوسياسية بهدوء مثل طبقات الأرض التكتونية التي تتحرك ببطء، ولرصد واحد من أهم التحولات التكتونية الحاصلة اليوم في الشرق الأوسط، لا بد من تقييم وضع القطاع النفطي، ولا سيما النفط العراقي.في شهر يوليو، تجاوز إنتاج العراق حدود الثلاثة ملايين برميل يومياً، وكان هذا الرقم قد سُجّل للمرة الأخيرة منذ أكثر من عشر سنوات. في شهر أغسطس، صدّر العراق حوالي 2.6 مليون برميل نفط في اليوم، وهو أعلى معدل تصدير إجمالي منذ ثلاثة عقود. حصد معدل التصدير هذا عائدات بقيمة 8.5 ملايين دولار تقريباً.لا يزال الوضع الأمني والسياسي في العراق يعكس وجود فوضى طائفية، وقد اتضح هذا الأمر يوم الأحد الماضي عند صدور حكم بالإعدام ضد نائب الرئيس طارق الهاشمي (وهو خصم سني لرئيس الوزراء نوري المالكي)، فضلاً عن وقوع سلسلة من التفجيرات الانتحارية التي أسفرت عن مقتل أكثر من 100 شخص في المقاطعات الشيعية في بغداد.لكن تشير المعطيات الاقتصادية الكامنة إلى تفاصيل أهم عن مسار العراق استناداً إلى المعدلات القياسية التي سجلها إنتاج النفط وحجم الصادرات. تسجل إيران المجاورة معدلات قياسية أيضاً لكن من نوع آخر.تراجعت صادرات النفط الإيراني في شهر يوليو إلى أدنى مستوياتها تاريخياً، فسجلت 940 ألف برميل في اليوم وفق دراسة أجرتها مجموعة "الروديوم"، وهي شركة لتعقب عمليات شحن النفط. يعكس هذا الواقع تراجعاً دراماتيكياً يشبه وضعاً سيئاً لم تشهده إيران منذ ربع قرن، وتحديداً منذ أيام الحرب الإيرانية العراقية بين عامي 1980 و1988.نتيجةً لذلك، تراجعت مرتبة إيران على سجل منظمة الدول المصدِّرة للبترول كي تصبح واحدة من أصغر المصدرين، وهي تتفوق حصراً على الجزائر والإكوادور وقطر الغنية بالغاز.لفهم معنى تراجع حجم الصادرات الإيرانية بالدولار، يجب النظر إلى المعادلة الآتية: حصدت إيران عائدات بقيمة 9.8 مليارات دولار في يوليو 2011، لكن ماذا عن يوليو 2012؟ اقتصر ذلك المعدل على 2.9 مليار دولار، فبينما يحصد العراق حوالي 9 مليارات دولار في الشهر، تقتصر عائدات إيران على أقل من 3 مليارات دولار.تبرز أرقام متضاربة جداً في هذا المجال، وحتى لو افترضنا أن إيران تعوّض هذه الخسائر عبر مبيعات نفط خفية وغير موثّقة، فلا شك أن قطاع إيران النفطي يواجه مشاكل كثيرة وينطبق الأمر نفسه على اقتصادها. يوفر النفط %80 من أرباح العملات الصعبة وحوالي %60 من العائدات المالية.تواجه إيران صعوبة في إيجاد مشترين لنفطها بسبب العقوبات المشددة، وتخفيض حجم التبادلات مع أبرز الشراة الآسيويين، ومخاوف البنوك العالمية من التعامل مع إيران، لكن لا تقتصر مشكلة التراجع النفطي في إيران على انخفاض حجم الصادرات بل تتعلق أيضاً بتراجع الإنتاج.في شهر يوليو، وهو الشهر نفسه الذي سجل فيه العراق معدل 3 ملايين برميل في اليوم، حققت إيران أيضاً الرقم نفسه لكن بشكل تنازلي، فأنتجت 2.9 مليون برميل في اليوم. كانت تلك المرة الأولى التي يتراجع فيها الإنتاج الإيراني تحت مستوى 3 ملايين برميل منذ 20 عاماً.على مستوى المعطيات الجيوسياسية، لطالما كان العراق وإيران خصمين تاريخيين، إذ خاض البلدان حربهما الوحشية خلال الثمانينيات، وسقط حينها حوالي 500 ألف قتيل من الجانبين، وعمد صدام حسين إلى استعمال أسلحة كيماوية ضد ما سماه "الحشرات الفارسية".نتيجة حرب عام 2003 التي أسقطت صدام حسين، حصلت إيران على فرصة نادرة لرسم معالم المستقبل السياسي في العراق. كان من الطبيعي السير في هذا الاتجاه، ومن المعروف أن عدداً كبيراً من أعضاء النخبة السياسية الراهنة في إيران (ولا سيما أعضاء الحرس الثوري الإسلامي النافذ على الصعيدين السياسي والاقتصادي) بنى سمعته خلال المعركة ضد العراق، إذ يُجمع معظم أعضاء النخبة في الجمهورية الإسلامية، سواء كانوا إصلاحيين أو محافظين، على أمر واحد: يجب ألا يتحول العراق مجدداً إلى تهديد أمني على إيران.نتيجةً لذلك، أرسلت إيران الأموال والمواد والرجال إلى الساحة العراقية خلال العقد الماضي، فأصبحت لاعبة مهمة في السياسة العراقية الداخلية. أمضى بعض القادة السياسيين العراقيين الذين يتولون السلطة اليوم جزءاً من سنوات المنفى وهم يعارضون نظام صدام أثناء إقامتهم في إيران. يتباهى قائد فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإسلامي، قاسم سليماني، بحجم نفوذه في العراق، وهو سلوك لا يأتي من فراغ، فهو يُعتبر واحداً من أبرز صانعي القرار السياسي فعلاً.لكن لطالما بالغت إيران في ثقتها بنفسها، لقد تراجعت المشاعر الشعبية العراقية تجاه إيران بعد أن كانت تصب في مصلحتها خلال السنوات الأولى بعد الحرب. يخطئ من يستخف بالقومية العراقية، حتى في أوساط القادة الشيعة الذين تربطهم علاقة وثيقة مع إيران.على صعيد آخر، تصاعد حجم الغضب تجاه طهران في أوساط خصوم المالكي، وعلى الرغم من تفوق رئيس الوزراء الواضح في المجال السياسي في بغداد، فإنه يبدو ضعيفاً أمام أي تحدٍّ سياسي. في شهر يوليو، حارب تصويتاً لسحب الثقة وواجه تهمة لا تكفّ عن ملاحقته إذ يعتبره البعض "أداة" في يد طهران، فلا تبرر أفعال المالكي هذه التهمة بالكامل، ولكنها تبقى تهمة مؤذية في جميع الأحوال.يبدو أن السياسيين في العراق اليوم هم أكثر حذراً بشأن المجاهرة بالتحالف مع إيران. حتى مقتدى الصدر، رجل الدين الشيعي الذي تربطه علاقات وثيقة مع طهران، انقلب على حلفاء إيران السياسيين في العراق أخيراً لأسباب متعلقة بشعبيته الخاصة. لقد أعادت طهران الصدر إلى الواجهة، لكن يعكس سلوكه طبيعة شخص يدرك تبدّل مسار الوضع.لا تزال السياسة العراقية متخبطة، فقد زادت حدة الانقسامات الطائفية ولا يزال مستوى العنف يطرح تهديداً واضحاً، لكن وسط هذه المشاكل كلها، يرفع العراق مستوى إنتاج النفط إلى مستويات قياسية بينما يتراجع المستوى في إيران.مع زيادة عائدات العراق وتراجع عائدات إيران، سيترسخ توازن جديد حتماً، وستفقد طهران قدرتها على التأثير في السياسة العراقية بشكل حاسم، وفي غضون ذلك، سيحسن العراق علاقاته مع القوى العربية التي تعادي النفوذ الإيراني، كذلك، ستتطلع الصين وشراة آخرون من آسيا إلى العراق كمصدر جديد ومهم للنفط. في الوقت نفسه، ستستعيد بغداد دورها التقليدي كقوة إقليمية إلى جانب إيران ومصر والمملكة العربية السعودية.مع تنامي ثروات العراق، سيتمكن هذا البلد حتماً من خدمة مصالحه بفاعلية، والأهم من ذلك هو أنه لن يتأثر بالقدر نفسه بالقوى الخارجية التي كانت تعرض عليه مكافآت نقدية. تزامناً مع ترسيخ الاستقرار في العراق خلال العقد المقبل، لا شك أن نفوذ البلد الجيوسياسي سيتنامى.لن يحصل أي تحول مفاجئ في ميزان القوى اليوم، لكن بدأت طبقات الصفائح التكتونية تتحرك، إذ تتجه إيران والعراق نحو إرساء توازن جديد، ولا شك أن هذا المسار سيفيد استقرار العراق على المدى البعيد.
مقالات - Oped
تتبع أموال العراق يكشف مدى ابتعاد بغداد عن إيران
15-09-2012