كانت تمنح ابتسامة مهذبة لا يمكن نسيانها أبدًا...وابتسامتها نوع من اللطف الذي يشعرك بالمتعة والاطمئنان معًا... فتأخذك إلى عالم أكثر جمالاً وإمتاعًا...
وكل هذا قبل أن تفتح فمها لتقول شيئًا... وإذا قالت!فبكلمات بسطة تمسّ قلبكَ مسًّا لطيفًاويكون لها شأن في حياتكَ.عند هذا الحد، تركتُ القلم وتوقفتُ عن الكتابة للحصول على استراحة قصيرة كي أسترد فيها حيويتي قبل الشروع في الكتابة من جديد. كانت الساعة تشير إلى العاشرة وخمس دقائق ليلاً. لم يعكر استراحتي سوى مجيء شخص! لم يكن حضوره متوقعًا على الأطلاق في هذا الوقت المتأخر! كان القادم حريصًا على إخفاء حركته، لعلَّه كان يتوخى ذلك! والدليل، أن تلك النقرات الناعمة التي استخدمها بالطرق على الباب كانت خافتة تمامًا، لم أسمعها، ولم أنتبه إليها لولا أنّ دفعة جديدة من النقرات قد تتالت من بعدها بوتيرة أعلى. عندئذ عرفتُ بأن زائرًا يدق بابي. نهضتُ عن مقعدي لأستكشف هوية القادم من غير موعدٍ ولا استئذان مسبق. وحين فتحتُ الباب، وجدتُ أمامي جارتي «نيفين» تبتسم ابتسامتها المعهودة، هي ابتسامة لا تشبعكَ أبدًا، فتتمنى في قرارة نفسكَ ألاّ تخفيها عنك لحظة.- مساء الخير سيد عماد... إني آسفة على إزعاجك... ولكن الذنب ليس ذنبي...«إنها خفيفة الظل كعادتها... كلماتها تشبه الورد، فلا تمل النفس منها... حركاتها مهضومة إلى آخر الدنيا... وإضافة إلى ابتسامتها، فرؤيتها أمامك تدخل المسرة إلى روحكَ... وتشعركَ بأنك أمام ساعة من الزمن لا تفوّت». فكرتُ في كل ذلك قبل أن أرد عليها:- إذن... ذنب من يا نيفين؟- الذنب كله يقع على هذه الرسالة التي أحملها في يدي...ولولاها ما كنتَ لتراني الآن واقفة أمامك (ازدادت ابتسامتها اتساعًا).أكثر ما كنتُ أفتقر إليه في تلك الأيام هو فتاة أحبها حتى الثمالة. ليس أية فتاة، بل نيفين بعينها. فأنا أستأنس بوجودها، لذلك ابتسمتُ لها مؤكدًا أنَّ حضورها يسرّني ويزيد من سعادتي حتى لو كان الوقت متأخرًا. رمقتها بنظرة توحي بالتقدير والإعجاب. فرمقتني هي الأخرى بنظرة من عينيها لتخبرني شاكرة أنها مرتاحة إلى مضمون تلك النظرات. ثم سألتها:- ما هذه الرسالة يا آنسة نيفين؟- أرجوك قل نيفين فقط... ودعكَ من لقب «آنسة»... فهذا يشعرني بالرضا.- حسنًا... إذا كان هذا يسركِ...- جاء رجل من مكتب المحامي ابراهيم عزت قبيل ظهر اليوم ولم يجدك في المنزل... فتركها عندي لكوني جارتك الوحيدة في هذا الطابق كي أسلمها لكَ حينما تعود... وها آنذاك أنهي مهمتي... تفضل خذها...- شكرًا لكِ... أنتِ دائمًا صاحبة فضلٍ عليّ.- لا كلفة بين الجيران... والآن تصبح على خير.- وأنتِ من أهلِ الخير يا آنسة نيفين.- سيد عماد... ألمْ نتفق على إلغاء لقب «يا آنسة»!- عفوًا... لقد نسيتُ... أعذريني أرجوكِ...- الآن سأدعكَ بسلام.- مع السلامة... وشكرًا لكِ.«شيء من الغرابة في تلك الرسالة. لا بد أن في الأمر خطأ ما! فأنا بعيدٌ جدًا عن هذه المواضيع، ولا صلة لي بأي محامٍ منذ ولادتي! إذن... فهناك حلقة مفقودة؟!». هذا ما فكرتُ فيه حين جلستُ بهدف قراءتها. كانت كلماتها قليلة، ولا تزيد على السطرين:«لا بد من حضوك إلى مكتبنا عند الساعة العاشرة من صباح الغد لأمر ضروري، يتعلق بشخصكم ومستقبل حياتكم».في تلك الليلة، لم ينفع مرور الوقت ودوران الساعة من العاشرة إلى الحادية عشرة فالثانية عشرة، في إيجاد حلٍّ لهذا القلق الذي يسدُّ عليّ كل سبيل إلى النوم. ولا مبالغة إذا قلتُ، إن القلق قبيح وفظيع على الرغم من أنّ وجوده في تلك اللية أمرٌ طبيعي. فرأسي يضج بالأسئلة لحد الامتلاء، وذاكرتي تعمل منذ ولادتها على مراجعة سجلاتها القديمة لعلّها تجد شيئًا ما قد يربطني بقضيةٍ تستوجبُ حضوري إلى مكتب المحامي! لم أصل إلى أيّ شيء يُذكر. كررتُ المحاولة تلو المحاولة إلى أن غلبني النعاس، فنمتُ ولله الحمد.«كثيرًا ما نجد صعوبة في اكتشاف أننا على خطأ. فهل هناك شخص آخر يحمل شبيهًا باسمي!؟ وقد التبس الأمر على المحامي!». حدثتُ نفسي بهذا الأمر وأنا في طريقي إلى مكتبه. وحديثي مع نفسي لم يخلُ من فائدة. فقد زاد في إصراري على كشف الحقيقة، وأصبح العمل الوحيد على جدول أعمالي لهذا اليوم هو معرفة أمر هذه الرسالة.لذلك لم أتوقف عن محاورة نفسي الا حين وصلتُ إلى مكتب المحامي. هناك جلستُ في غرفة الانتظار. كان الهدوء واضحًا لدرجة كنتُ أسمع فيها صوت صرير القلم الذي تستخدمه الموظفة. ذلك الهدوء لم أنسهُ فيما بعد، إذ كلما عدتُ بالذاكرة إلى ذلك المكتب، فصوت القلم هو أول شيء استرجعه.استدعاني المحامي إلى غرفة مكتبه الخاص. كنتُ أتخيله صغير السن. فأذا به أكبر من سور الصين، ولا يصلح إلا أن يكون سطرًا في كتاب التاريخ. استقبلني مرحبًا: «أهلاً وسهلاً بالسيد عماد». وعلى الرغم من ترحيبه بي، شعرتُ بهول هيبته، وبدوتُ أماهه مثل فرخ عصفور.بعد الترحيب، أخبرني بأمر صدمني على نحو بالكاد يُصدق! كان أمرًا خارج حدود التفسير العقلاني.لم يصدر عني إلا همهمة غير مفهومة! كان القصد منها أن تُظهر للمحامي ذهولي من الموضوع الذي حدثني بشأنه. حاولت ترتيب أفكاري بطريقة أستعيد فيها طبيعتي وأدفع عني الدهشة التي شلَّت حركة السير في رأسي، وعطلت إشارات المرور الضوئية كافة. فقلتُ له:- هل نحن أمام عمل تلفزيوني؟- ماذا تقصد بالضبط يا سيد عماد!؟- أقصد مثل أي برنامج فيه خداع ومقالب على غرار برنامج «الكاميرا الخفيّة».ضحك المحامي بشكل مفرط، وكادت وجبة أسنانه تسقط من فمه، فتراءى لي بأنه لم يضحك في حياته كلها مثل ما يفعله الآن! ثم نهض عن مقعده مثل شاب رشيق الحركة وتقدم ناحيتي. توقف أمامي مباشرة، وانحنى برأسه لتزول المسافة الفاصلة بين رأسينا. لمس أنفه أنفي! لكنه سرعان ما تراجع مسافة شبر إلى الوراء، رافعًا يده ليمسك بنظارته ويعيدها إلى مكانها المناسب بعد أن تزحزحت عنه قليلاً. نظر إليّ عن كثب من خلف عدسات سميكة، إذ كان يعاني من قصر نظر في عينيه. إنه طراز قديم من البشر. قليل الكلام ويحرص على ألاّ ينفق منه أكثر مما ينبغي. فهذا النمط من الناس لم يعد يتم تصنيعه حاليًا، ويندر وجوده في هذه الأيام. وربما هو القطعة الوحيدة المتبقية على وجه الكرة الأرضية. لكن الغريب والعجيب أن تستخدمه تلكَ السيدة المتوفية وكأنه آخر محامٍ على قيد الحياة. راح يحدق بي. ولم يكن لدي مجال للتذمر والاحتجاج! وعند هذه اللحظة رد على سؤالي الذي سألته إياه قبل قليل:- لا يوجد كاميرا خفية ولا من يحزنون... فأنا لا أمزح يا سيد عماد... ما قلته لك كان صحيحًا مئة في المئة.- إن ما ذكرته لمغرٍ جدًا... ولا يسعني إلا قبول رغبة تلك السيدة المتوفّاة... ألا توافقني الرأي يا سيد ابراهيم؟- يا سيد عماد... يمكنكَ الرفض إذا شئتَ... وأن تعود إلى حياتك السابقة.- إذا لم أوافق على قبول شروط الوصية، فسيعتبر تصرفي هذا إساءة بحق المرحومة... ويُعد تصرفًا طفوليًا لا معنى له.إنه حقًا لأمر عجيب! لم يكن بمقدوري أن أفرح للنتائج التي آلت إليها المحادثة مع المحامي فحسب، بل لم أكن أصدق ما جرى من فرط السعادة التي حلّت بيّ فجأة. فلأول مرة في حياتي كنتُ مشحونًا بجرعة كبيرة من الأحساس بالنشوة والاعتزاز بالنفس لدرجة لا يمكن تقديرها بأي آلة قياس. فهذه الوصية غيّرت رؤيتي إلى الحياة. فلم أعد ما كنتهُ بالأمس، ذلك الانسان الذي ودَّ أن يتوقف عن الوجود ويكف عن القيام بملء رئتيه بالهواء. بينما الآن، وبفضل هذه الوصية غدوتُ أعشق الوجود وكل موجود، حتى من كان على نسق هذا المحامي العتيق الذي قال لي:- من الآن وصاعدًا... عليك بنسيان حياتك الماضية، والاستعداد إلى ما هو أبعد بكثير من حياتك الحاضرة... فأنتَ من الآن أمام لحظة، «ولا في المنام تراها».تابع حديثه وأنا لا أزال مشتت الانتباه، وعدم انتباهي لم يكن يوحي بأي مغزى سوى أني لم أزل مشوشًا من الفرحة. حاولتُ جاهدًا مراجعة وقائع الأحداث لتبدوَ أقرب إلى الفهم لأن ما يحدث هو شيء رائع للغاية، شيء شديد البعد عن عالم التصديق ويمكن وصفه بعبارة واحدة فقط، ألا وهي: «صدق أو لا تصدق».مرت أفكار كثيرة في رأسي. لم أدرِ أية فكرة أريد! ما أريده في هذه اللحظة هو نسيان الماضي وألاّ أعود إلى ذاتي التي عشتها سابقًا. فذكرياتي القديمة تحوّلت الآن إلى كومة نفايات، ومن يرغب باسترجاع النفايات؟ حتمًا لا أحد. بقيتُ مسترسلاً في تخيلاتي. وسبب ذلك أني في كنف ساعة ميمونة حملت السعادة إليّ، فحق لي أن أحلم. ولم يسعفني أحد في العودة إلى اليقظة سوى ترديد اسمي لأكثر من مرة: «يا سيد عماد... يا سيد عماد... يا سيد عماد».
توابل - حبر و ورق
امرأة لن تتكرر
28-07-2012