وأخيرا تراجع السيد مقتدى الصدر عن تصريحاته التي كنا متيقنين من أنه سوف يتراجع عنها كما تراجع النجيفي عن تصريحاته عن انفصال السنّة قبل أيام، وكما تراجع المالكي عن تصريحاته في موضوع الفدرالية قبل أيام أيضا, فيبدو أن العراق قد أصبح ساحة للتصريحات السياسية اعتمادا على العبارة العراقية الدارجة «الكلام ما عليه جمارك».

فقد أتت تصريحات السيد مقتدى بخصوص رفع التجميد عن جيش المهدي في حال تمديد الاتفاقية الأمنية لتضيف تعقيدا أكثر على المشهد السياسي العراقي الذي يعاني، ومنذ تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، الكثير من العوق السياسي، وفي حينها قلنا إن هذه التهديدات غير جادة ولا تعني إلا أصحابها؛ لأنه وعلى الرغم من أن الحكومة العراقية وعلى لسان بعض مستشاري رئيس الوزراء أكدوا (في وقتها) أنه لا يمكن التوقيع على تمديد بقاء القوات الأميركية في العراق بأي حال من الأحوال، فإن أي مراقب للأحداث كان لا يخامره الشك بأن التمديد حاصل، خصوصا في ظروف كالتي تشهدها المنطقة بشكل عام والعراق بشكل خاص؛ باعتبار أن القرار السياسي العراقي ليس مستقلا بشكل كامل حتى الآن، ولا يمكن لأي جهة سياسية مشاركة في الحكم أن تعارض قرارا حكوميا معينا، وإلا فإنها سوف تعتبر في عداد المعارضة، والمعارضة في حالة التيار الصدري وجيش المهدي الذي يعتبر الجناح المسلح للصدريين (في حال رفع التجميد عنه) سيتحول إلى ميليشيات متمردة على الحكومة العراقية، وتسهل عند ذاك ضربها من قبل القوات الأميركية أو حتى العراقية وإعادة التاريخ القريب حينما دخل جيش المهدي في صراع مسلح مع القوات الأميركية والذي دفع الصدريون ثمنه غاليا في النتيجة.

Ad

من المعروف أن التصريحات السياسية هي لعبة تعتمد عليها جهات سياسية كثيرة للمزايدة على الأخرى، ولكن الحنكة السياسية تفرض على السياسيين هؤلاء ألا يتوغلوا في إطلاق تصريحات تظهر عدم جديتها في زمن قصير؛ لأنها تفقد أصحابها مصداقيتهم عند الشعب وتسبب في فقدان ثقة الشعب بإمكانية ساستهم على الإيفاء بوعودهم. والغريب في الموضوع أن يتم إطلاق تصريح بهذه الخطورة والأهمية في وقت لم يكن الصدريون يعرفون أن جيش المهدي غير مهيأ عقائديا ولا عسكريا للدخول في هكذا مواجهة مثلما علل السيد مقتدى سبب عدم تنفيذه لهذه التهديدات.

إن كان السياسي العراقي الحالي لا يعرف وضع الجهة التي تنتمي إليه سواء كان حزبا أو ميليشيا ولا يتابع مدى إمكاناته واستعداداته للقيام بأي نشاط سياسي أو ميليشياوي معين، فكيف به أن يعرف واقع الشعب الذي ينتمي إليه ويحقق له الأهداف التي من المفروض أنه أتى إلى الساحة السياسية لكي يحققها لهم؟ خصوصا أن التصريح بالقيام بعمليات مسلحة وعمليات انتحارية ليس بالأمر الهين لأنه لعب بمصير شعب كامل سواء من المتعاطفين مع التيار أو المتضادين معه سياسيا.

* كردستان العراق - دهوك.