لا يعتمد اتخاذ القرارات الصائبة على العقل فحسب، بل يجب الاحتكام إلى العقل والعاطفة معاً وهو ما يُعرف علمياً بـ{الذكاء الوجداني» الذي ثبتت جدوى تطبيقاته في حياتنا اليومية وعلاقاتنا الإنسانية وحتى في مجالات العمل المختلفة. مزيد من التفاصيل في لقاء «الجريدة» مع خبيرة الإدارة وتنمية الموارد البشرية المعتمدة دولياً جيهان حسين.
ما المقصود بـ{الذكاء الوجداني»؟الذكاء الوجداني Emotional Intelligence هو أحد أشكال الحكمة، لأنه نتيجة توحد العقل والعاطفة معاً للوصول إلى أفضل القرارات في الحياة، بمعنى أن الميل إلى العقلانية أو إلى العاطفة بعيد كل البعد عن الذكاء الوجداني، لكن ذلك لا يعني كبت المشاعر السلبية وإنما ذكرها للوصول إلى المشاعر الإيجابية وتحفيزها.ما الأسس التي يرتكز عليها الذكاء الوجداني؟يعتمد الذكاء الوجداني على فهم المشاعر وإدارتها بشكل سليم، بمعنى أن يصل الإنسان إلى المرحلة التي يستطيع فيها التعبير عن إحساسه ومشاعره في اللحظة الراهنة بألفاظ منطقية، فعادة ما تسأل الأشخاص عن أحوالهم فيردون بالكلمة المشهورة «أنا كويس» وهذه الجملة ليست دقيقة، لأن الشخص قد يشعر بالحزن أو الضيق، لذلك الذكاء الوجداني يساعدنا في الوصول إلى المرحلة التي نصف فيها كل ما نشعر به بدقm.هل مصطلح «الذكاء الوجداني» جديد أم أن معرفتنا به هي التي تأخرت؟يرجع تاريخ الاهتمام بمصطلح «الذكاء الوجداني» إلى نحو 200 عام عندما اشتد الجدل بين العلماء لقبول أو رفض أهمية المشاعر في تطوير حياة الإنسان وقراراته. للأسف، غلبت فكرة أن «المشاعر لا تساعدنا في اتخاذ قرارات جيدة»، لكن في عام 1950 كتب العالم والباحث إبراهام مازلو عن أهمية المشاعر وتطويرها فأشعل حركة الاهتمام بها ودراسة العلاقة بينها وبين العقل والذكاء واتخاذ القرارات.جاء عام 1990 ليضع حجر الأساس وتظهر اختباراتالـ EQ التي تقيس مشاعر المرء وفق معايير محددة، للوصول إلى نقاط القوة والضعف بها وتطويرها.هل الذكاء الوجداني مثل المهارات العقلية قد يتمتع به شخص دون آخر؟الناس كلهم يتمتعون بذكاء وجداني، لكن بمستويات أو درجات، وهذا الذكاء يعتمد على إدراك الشخص لما يملكه من مهارات متعلقة به واستغلاله لها.كيف نعزز ذكاءنا الوجداني؟لا يستطيع المرء أن يقول إنه قد وصل في ذكائه الوجداني إلى أعلى مستوى، ذلك لأنه مهارة مستمرة يمارسها يومياً ويكتسب معها خبرات جديدة. يمكن تطوير هذا الذكاء بالمشاركة في ورش عمل تقدمها مؤسسات مختصة بتطوير المهارات، ويكون العمل على ثلاثة محاور:- Know yourself (أعرف نفسك): يعتمد هذا المحور على إدراك الشخص لذاته ومشاعره وكيفية التعبير عنها بصورة صحيحة.- Choose yourself (اختر بنفسك): بمعنى أن يعمل المرء على مشاعره عند التعرض للمواقف المختلفة ورؤية جانبيها السلبي والإيجابي، ثم إعادة توجيها، فالسلبية منها يستطيع أن يحولها إلى إيجابية وتدعيم الحوافز الداخلية لتجاوز الأزمات والمواقف الهدامة بتفاؤل.- Give yourself (عبِّر عن نفسك): أن يبدأ المرء بتطوير مهاراته الإنسانية في التعامل مع الآخرين، من خلال الاستماع الجيد إليهم وإعطاء فرصة مناسبة للتعبير عن آرائهم، واحتوائهم قدر الإمكان.هل يستخدم الفرد الذكاء الوجداني في حياته اليومية وفي اتخاذ القرارات؟في كل قرار نبدأ به يومنا، بدءاً باختيار ملابسنا وذهابنا إلى العمل، نعتمد على الذكاء الوجداني. الفرد الذي يتمتع بنسبة عالية من هذا الذكاء لديه القدرة على التعامل مع نفسه ومع الآخرين بأفضل الطرق الممكنة، وعلى حل المشاكل أسرع وبصورة أفضل من غيره، ذلك لأنه لا تغلب عليه النظرة السوداوية إلى الأمور بل تغلب عليه النزعة التفاؤلية والرغبة في تحقيق هدفه أياً كانت العقبات.إذاً ما الفرق بين الذكاء الوجداني والذكاء بمفهومه الدارج؟الذكاء هو ما تحدده اختبارات الـ IQ التي تقيس مهارات الفرد العقلية، وليس بالضرورة أن يكون الشخص صاحب النسبة العالية من الذكاء ناجحاً. مثلاً، ثمة من يفشل في تحقيق أهداف مطلوبة منه في العمل على رغم ذكائه الشديد وتمتعه بقدرات عالية. عند البحث عن الأسباب، نجد أن السبب الأساسي فشله في تكوين علاقات ناجحة مع فريق العمل، أو مشاكله مع رؤسائه وعدم قدرته على حلها أو التعاطي معها بذكاء وجداني لأنه اعتمد على ذكائه العقلي فحسب.ماذا عن الشخص المعروف عنه اتخاذ قراراته بعاطفية؟القرارات التي تنتجها العاطفة فحسب يُحكم عليها عادة بالفشل، لأنها غير مبنية على أسس سليمة وأسباب منطقية. مثلاً، عند تختار أحياناً الفتاة شريك حياتها على أساس أنها «مرتاحة له»، هذا سبب غير كاف للتعبير عن رأيها وغير واضح. الصحيح، أنه لا بد من أن تسأل نفسها لماذا شعرت بالقبول، وإن كانت للشاب مزايا رأتها أو شعرت بها يجب تتأكد أن هذا غير كاف لبناء حياة معه. لا بد من أن يتأتى القرار من رؤيتها الواضحة لعيوبه ومزاياه في الوقت نفسه، والعاطفة وحدها غير كافية كما هي الحال مع العقل وحده.ما موقع الذكاء الوجداني من اهتمام الشعوب العربية؟للأسف، من مورثاتنا العربية الشائعة ما يُعرف بأن المشاعر نقطة ضعف لا قوة، والتعبير عنها أمر مشين. مثلاً، بكاء الطفل الصغير يواجهه بعض الأسر بالجملة الشهيرة «خليه يطلع راجل»، وكأن الرجل غير مطالب بالتعبير عن مشاعره ولا يستحق ذلك، وإذا عبرت فتاة عن غضبها تطالبها الأسرة بأن تكون مؤدبة، على رغم أن التنفيس عن الغضب مهم جداً كي لا يؤدي إلى الكبت.هذا الواقع جعل الاهتمام بمجال الذكاء الوجداني مطلوباً جداً في العالم العربي لأن المشاعر هي نقطة قوة ولا يمكن أن تكون نقطة ضعف إلا إذا أهملنا الاهتمام بالتعبير عنها واستغلالها في حياتنا اليومية.
توابل
جيهان حسين: الذكاء الوجداني مفتاح التعبير عن المشاعر
11-01-2012