قبل مدة، كتبت الروائية مها الحسن مقالة بعنوان «فرصة أدونيس» انطلاقاً من جملة سجّلها الروائي المصري ياسر حافظ في صفحته «الفايسبوكية»، مازجاً الرجاء بالرغبة، في أن يقول أدونيس كلمته حول ما يحدث في سورية اليوم.
كان «أهل الثقافة» (من بينهم الشاعر عباس بيضون) ينتظرون موقف أدونيس من الأحداث في سورية، وهو كان يكتب عنها بشكل موارب، فتارة يتحدّث عن «الجامع والكنيسة» وطوراً عن «التمرّد»، كأن الأمور غير واضحة أمامه. تأخّر أدونيس في إطلاق موقف صريح من أحداث سورية، بل بدا قلقاً من صورة بلاده الغامضة. فلم يكن بمنأى من «النقد الصارم»، وهو إذ كتب رسالة مفتوحة الى الرئيس السوري بشار الأسد في جريدة «السفير» اللبنانية، لاحظنا كثرة تعليقات المثقفين عليها في موقع التواصل الاجتماعي الـ{فايسبوك»، وأن يكون منبر الكتابة هو الـ{فايسبوك» فسيكون لوقع الكلام معنى آخر، أو ستكون للكاتب الحرية القصوى في التعبير عن موقفه. عندما ألقى أدونيس محاضرة عن بيروت، تهافت عشرات المثقفين في الردّ عليه، وتراوحت كتاباتهم بين الشتم وبين النقاش والثأر، وحين صرّح أدونيس في حواره في كردستان بتدهور الثقافة والحضارة العربيّتين، قامت الدنيا عليه آنذاك. اليوم، يبدو النقاش في قضية الاحتجاجات السورية أكثر حساسية، خصوصاً بالنسبة إلى أدونيس الذي طالما ابتعد عن مواجهة نظامه بشكل مباشر، وطالما كان «ملتبس الهوية». فهو بحسب الكتاب السوريين الذين ينتقدونه، يعرّف عن نفسه في أوروبا والغرب بأنه لبناني وهو يحمل الجنسيتين اللبنانية والسورية، وهو في رأي خصومه مثل العراقي عبد القادر الجنابي يخشى من أن انتصار الشعب السوري على النظام قد يهدم المتحف الذي يعمل على بنائه منذ سنوات ليضمّ كتبه وصوره. ويستعين الجنابي بعبارة لمستشرق ياباني يقول عن أدونيس بأنه «ربما هو شاعر كبير، لكنه، بكل تأكيد، إنسان صغير»! السؤال، إذا كان أدونيس يغضب المثقفين كثيراً ويكتبون ضده على هذا النحو، فلماذا يناقشون كتاباته بهذه الضراوة؟ أمر يحيّر المتأمّل والعارف في الأمور الثقافية. لماذا لم يناقش عبد القادر الجنابي مواقف الشاعر اللبناني أنسي الحاج، بل لماذا لا تثير مقالات أنسي الحاج الجدل السائد؟ بالطبع، لأدونيس و{وقع آخر» في الحياة الثقافية العربية كأنه «ماركة مسجلة»، هذا ما تقوله الوقائع سواء كنا معه أو ضده، وللقضية في الموقف من الاحتجاجات في سورية وقع أشدّ وطأة. في مناقشته رسالة أدونيس الى الرئيس السوري، كتب الباحث اللبناني أحمد بيضون على صفحته في الـ{فايسبوك» خاطرة بعنوان «بساطة أدونيس ومرجعية السيد الرئيس»، وهي تُعتبر الأطول من ضمن تعليقات على الرسالة الأدونيسية الهلامية، ويبدو بيضون الأكثر تمعناً وسوسيولوجية في قراءة أدونيس وتشريح موقفه من دون أن يذهب في لعبة «ضد» أو «مع» كما فعل بعض المعلّقين. يقول بيضون في النص: «لا يملك أدونيس أن يسمي مدينة أو قرية مشّطتها المدافع أو ديس أهلها بالنعال. لا يملك أن يقول: درعا، بانياس، حماه، جسر الشغور، إلخ. لا يجد سبيلاً إلى ذكر ضحية بالإسم أو تعيين حادثة جرت في الأشهر الثلاثة المنصرمة، وهي عمر الحركة الديمقراطية الجارية في سورية، ولا في الأعوام الأربعين الماضية وهي عمر استبداد آل الأسد ورهطهم بالبلاد والعباد... ليس في هذه الرسالة غير الإسم النظيف الأنيق لما يجري: «الحل الأمني» وليس فيها فاعلون غير الحزب والعشائر والدين... وهذه كلّها مثل أفلاطونية تنتهي إلى الاندراج في جهة واحدة. في الجهة الأخرى، يظهر مثقفون وشبان وشابات وتُسمع «أصوات» تستحقّ ثناء أدونيس لتمثيلها «المواطنة» ولكن هذه الجماعة ضعيفة الحول، موعودة بالسحق على أيدي العتاة المنظمين... منطق يبقى «السيد الرئيس» الذي يبدو وكأنه جهة ثالثة يسعها الخروج من الجهة الأولى وعليها، وتسعها الاستجابة الحرّة لمطالب الجهة الأخرى: لا لأن في هذه الجهة تصميماً أو عزماً يملي الاستجابة ولكن لأن «السيد الرئيس» معني (من تلقاء ضميره، على ما يتراءى من منطق الرسالة) بمصير البلاد ولا يهون عليه أن يراها تتمزّق. الرئيس، على ما يبدو، هو القادر على تحييد ما يبدو أن أدونيس يخشاه في الحركة الشعبية: أي غلبة المتدينين والطائفيين والعشائر. والرئيس قادر على ذلك بعد أن ينحّي الحزب الذي فات أوان إصلاحه وبعد أن يسمو فوق العشائر والطوائف التي يبدو هذا الرئيس، عند أدونيس، بريئاً منها جميعاً. يصبح الرئيس كلّي القدرة إذن حالما يتخفّف من كل ما جعله رئيساً وأدامه وأدام أباه قبله في دست الحكم. وهو يصبح فارس الديمقراطية ينشرها على سورية من هذه السماء السابعة وفي مواجهة لغليان في البلاد كنا قد علمنا من أدونيس أن الظلاميين والطائفيين والعشائر أقوى أطرافه وأوثقها إمساكاً بزمام المستقبل. ينكر أدونيس أن تكون للحركة الجارية مطالب متوافق عليها. وحجته أن الحركة لم تنشر وثيقة وقّعها جميع أطرافها. لا صحّة لهذا فالحركة قالت الكلام السياسي نفسه، من حيث الأساس، بمائة لسان. وأدونيس لا يعدو أن يكرّر هذا الكلام نفسه تقريباً، بلغته المعلومة، حالما يصل من رسالته إلى باب الاقتراحات. هذه واحدة. الثانية أن أدونيس يغلق الأفق كلياً، في واقع أمره، أمام فرسيه المدلّلين: المواطنة المقرونة بالفردية والديمقراطية المتولّدة منها أو المبنيّة عليها. هو يغلق هذا الباب لا في وجه السوريين وحدهم بل في وجه العرب والمسلمين أجمعين، على الظاهر. يغلق هذا الباب حين يأبى أن يرى في الحركة الجارية، على اتساعها، طوراً مفتوحاً على الاحتمال الديمقراطي، أي على احتمال الالتحاق بالعالم المعاصر، لا أكثر ولا أقل. وهذا التحاق لا حظ له في التحقق إلا في مساق متعدّد الأطراف ومتناقض: مساق لا يملك أدونيس ولا غيره أن يجزم بمصيره بجرة قلم. ولا كان المثال الديمقراطي يجيز لأدونيس أن يستجير من حركة شعبية لها هذه السعة وهذا البأس برئيس كامل المسؤولية، لا عن القمع الجاري اليوم وحسب، بل عن كل ما نهضت هذه الحركة في وجهه، أصلاً. بل أيضاً عن جانب من عورات هذه الحركة نفسها أي عن بعض عشائريتها السياسية وعن بعض طائفيتها السياسية أيضاً. ملامح في المنطق العميق لرسالة أدونيس أنه كان على الحركة الجارية أن تقودها جهة واحدة تقول كلاماً واحداً: تقوله وتفرضه حالما تقوله. فلا يكون طمس لملامح الديمقراطية (وهي المفترضة جلية سلفاً) في لغو الأفرقاء المتداخل. ولا يكون رهن للديمقراطية بصراع ومخاض يستغرقان زمناً ويحتملان التردد والتقدّم والنكوص. وذاك أن أدونيس لا يقرّ بأهمّية الزمن إلا بعد أن يفترض للثقافة حدوداً مغلقة، غير مميّز في ذلك بين حال وحال ولا بين زمن وزمن. وهو لا يبقي للتغيير من مناط يعتدّ به، من بعد، غير القبول والرضى من جانب «السيد الرئيس»: الرئيس الذي يزيد طينه وطين السوريين قبله بلة أنه «رئيس منتخب». الطوائف والعشائر غالبة في المجتمع، والدين والعصبية مستوليان على العقول ولا أمل والحالة هذه في حركة أية كانت. إذ كيف ترانا نخرج، وبفعل أية استحالة داروينية من هذه الاستحالة التاريخية؟ أم ترانا، بخلاف ذلك، محتاجين إلى قرون من التربية الديمقراطية ونحن من لم تنفع في تربيتنا قرون تصرّمت؟ ومن يدخلنا في الزمن الجديد ومن يربي لنا من يجب عليهم تربيتنا ومن يجزم في يوم مشهود أننا بلغنا من التطور المنشود الغاية؟ وما دام أدونيس لم يفلح في ذلك ولا أفلح أضرابه من أضرابنا أفيبقى من يعوّل عليه، في هذه الأمة المنكودة الطالع، غير «سيد رئيس» ما؟ تحتاج الديمقراطية إلى تجريد. تحتاج إلى حديث الفرد المواطن وهذا كائن مجرّد وإلى حديث «سلطة الشعب» و{الفضاء العامّ» و{المصلحة العامّة»، إلخ. وهذه كلها مجرّدات. تحتاج الديمقراطية إلى ما سمّيناه، قبل سنين: «عمل التجريد السياسي». ولكن هذا العمل الذي يمنح النظرية الديمقراطية لغتها، يفتح على الفور أفقاً مقابلاً له يتّسع للأسماء الشخصية ولأشياء العالم ولتفاصيل الحياة وعلاقاتها ولوجوه السلوك بما فيها تلك الحسيّة والمفردة للغاية. عليه، كان العالم الديمقراطي هو العالم الذي تزدهر فيه، لا النظرية السياسية وحدها، بل الرواية أيضاً وخصوصاً. أو أن هذه الأخيرة تبشر بولادته وتسهم في حدوثها إن هي لم تجده قائماً لتزدهر فيه. بساطة ليس أدونيس روائياً. هو، من حيث الأساس، شاعر العناصر الأربعة. قدرته على توليد الشعر من أسماء هذه العناصر قدرة معجزة. ولكن عالمه مردود، في مبدأ مطافه ومنتهاه، إلى بساطة مبالغ فيها جدّاً. والمبالغة هذه (وهي قد تكون لازمته من مصادر شبابه الفكرية) تظهر حين يخوض في حديث السياسة، شأنه في رسالته اليوم إلى «السيد الرئيس». ولأن هذه البساطة لا ترى المجتمع أهلاً لتولّي أموره وللسير في مجرى تاريخه وتاريخ العالم المعاصر بإسهام مختلف المشارب والمجالي من سائر مكوّناته وقواه، فهي ليست، على ما تزيّن لنا قراءتنا لـ{سياسة» أدونيس، بساطة ديمقراطية». ننشر خاطرة بيضون الطويلة كاملة لأهميّتها في النقاش حول الأحداث في سورية، واللافت أن بيضون على رغم أنه كتبها على الـ{فايسبوك» بقي على نمطه الكتابي، أي أنه ما زال محافظاً على أسلوبه الخاص الذي نعرفه من خلال كتبه، وله جملته وطريقته في تدوين كل حرف، ولم يؤثر وهج الـ{فاست فود الفايسبوكي» على وهج الكتابة لديه. فلنتأمّل قليلاً بعض تعليقات المثقفين حول الرسالة نفسها. قال الكاتب حسام عيتاني إن رسالة أدونيس المفتوحة «يجب أن تطوى»، أما الشاعر يوسف بزي فكتب: «قرأت رسالة أدونيس إلى الرئيس السوري... وطوال الوقت، اجتاحتني الريبة من كل عبارة فيها. ما السبب؟»... سؤال «ما السبب» في الـ{فايسبوك» يصبح مفتاحاً لتعليقات كثيرة حول الشاعر السوري، خصوصاً أن يوسف بزي أحد الأشخاص الذي لا يحبون كتاباته ويقول إنه يتجاهله أحياناً. رئيس منتخب جاء بعض المواقف الـ{فايسبوكية» «شرساً» في الردّ على الرسالة الأدونيسية، لعل أبرزها موقف الكاتب السوري ياسين الحاج صالح الذي تطرّق الى «هفوة أدونيسية» قائلاً: «مذهل كم التزييف في مقالة أدونيس في «السفير». لكن أن يصف «سيده الرئيس» بأنه منتخب، فهذا يتجاوز التزييف إلى الكذب القراح. مقدّمات أدونيس الثقافوية المعلوكة كثيراً تجعل «السيد الرئيس» ضحية لشيء أكبر منه، هو «النص» أو... حزب البعث. يقول «الرجل الصغير» شيئاً ليتجنّب أشياء كثيرة: كل ما هو مهم». الكاتبة اللبنانية دلال البزري تجاوزت الرسالة إلى الحديث عن أدونيس نفسه وكتبت: «نحن نعطي لأدونيس قيمة أكثر مما يستحقّ... شاعر كبير؟ كان ربما... أشدّد كثيراً على «ربما» أما الأكيد فهو أنه عبقري علاقات عامة»... ما كتبته البزري يقوله كثر من أهل الثقافة، يلمّحون الى ظاهرة العلاقات العامة في الوسط الثقافي، هذا جزء من «النظام العربي الثقافي» الذي لم يدع أحد إلى إسقاطه، وأن تكون صاحب علاقات عامة في الوسط الثقافي، يعني أن تتلقى دعوات الى المهرجانات وتسافر وتنشر كتبك في كل مكان وتدعو الناس إلى توقيعها، وتكتب في المجلات كافة... وهلمّ جرّا. شاعر منفعل يبدو الكاتب السوري الجريء حكم البابا، الذي يعيش في دبي منذ سنوات، ناشطاً في مواقفه على الـ{فايسبوك»، ونلحظ ذلك من خلال تعليقات على مواقفه من أمور الثقافة والمثقفين وأحوال سورية اليوم. كتب عن أدونيس: «تأخر أدونيس كثيراً في الكتابة عمَّا يحدث في سورية، وفضّل في البداية تقديم ملاحظات حول المكان الذي تخرج منه التظاهرات، صامّاً أذنيه عن هتافها بالحرية، ولن أحاكمه على النوايا فأقول إنه انتظر انتهاء التظاهرات مللاً من أصحابها أو قمعاً من مناهضيها فلم تنتهِ. لكنه كتب أخيراً من دون أن يغادر نقطة الخوف من المقدس الديني الذي يقف خلف التظاهرات، ومن دون أن يحاول تجاوز الهاجس الساكن الذي يتملّكه والموقف الثابت الذي يتمترس فيه، وبإمكان المتفائلين أن يروا في كتابته خطوة إيجابية كونه يتوجه بدبلوماسية مهذبة يقتضيها المقام إلى رئيس الجمهورية ليغيّر قبل أن يقوم الناس أنفسهم بالتغيير، كما أن بإمكان المتشائمين أن يروا في خطابه حبل إنقاذ على شكل نصيحة يمدّه للنظام، وموقفاً يسجّله لنفسه قبل أن يفوت الأوان، لكني شخصياً أقف في ضفة ثالثة غير ضفة هؤلاء المتفائلين والمتشائمين، وآخذ على أدونيس أنه لم يتوجّه الى الدم الغالي المسفوك بوحشية في سورية، كونه الأرفع مقاماً اليوم، وأن هتاف الحرية لم يصل إليه حاراً لدرجة لم يرتفع فيها منسوب الأدرينالين في دمه ليتخلى عن برودة المفكّر المحايد لصالح الشاعر المنفعل». هذا غيض من فيض لأبرز التعليقات حول الرسالة الأدونيسية إلى الرئيس السوري، ونحسب أنها ستثير الجدل على صدر الصفحات الثقافية.
توابل
أدونيس إن حكى!
19-06-2011