تعاني حركة الإبداع المسرحي في مصر منذ فترة حالة أشبه بالعجز عن تقديم عمل يحقق إقبالاً جماهيرياً ومردوداً على المستوى النقدي. ربما نجد عرضاً أو عرضين في هذا المجال، إلا أن العروض التي كانت تصل إلى أكثر من 40 مسرحية قد تقلصت إلى بضع مسرحيات، خصوصاً بعد ثورة يناير. نظرة إلى هذا الواقع...

Ad

لم يفز أي عرض مسرحي حديث في مصر بجائزة في المهرجانات والمسابقات الدولية والعربية. في المقابل، نجد أن سورية مثلاً حصدت جوائز العامين الماضيين في المهرجان الدولي للمسرح التجريبي، فجمع عبد المنعم عمايري بعرضه «فوضى» معظم جوائز المهرجان عام 2010 وتلاه عرض «حمام بغدادي» للمخرج جواد الأسدي، ولم يحفظ ماء وجه الحركة المسرحية في مصر حتى الآن إلا تبني فكرة «الريبورتوا».

أعادت «الريبورتوا» في العامين الماضيين عرض «أهلاً يا بكوات» على المسرح القومي للمخرج عصام السيد، و{الملك هو الملك» على مسرح السلام ورجل القلعة على مسرح الغد، و{الملك لير» على مسرح ميامي. لكن المثير للقلق أن صناع هذه الأعمال أنفسهم لم يستطيعوا على رغم تجاربهم الكثيرة بعد ذلك أن يستكملوا نجاحات تجاربهم الأولى.

توهج

يقول الفنان محمود ياسين عندما نتحدث عن المسرح المصري لا تستطيع إلا أن تتذكر مبدعي الدراما المسرحية في الستينيات، وأبرزهم: توفيق الحكيم، يوسف إدريس، نعمان عاشور، سعد الدين وهبة، ميخائيل رومان، والفريد فرج. السؤال: هل الجيل الحالي لديه مثل هؤلاء الكتاب. في الواقع، الموجود على مساحة الإبداع المسرحي لا يعدّ سوى اجتهادات فردية.

توجه مصر إلى النظام الاقتصادي الحر كان بمثابة إعلان موت المسرح، ثم وجهت الدولة اهتمامها نحو أمرين: إعادة بناء الأوبرا، والمسرح التجريبي الذي استقطب عشرات الشبان من جميع أنحاء العالم فأصبح أهم الأحداث المسرحية، إلا أنه أحدث فصلاً وفجوة في التواصل بين جيل الرواد والأجيال الحديثة.

يؤكد ياسين أنه لا يتهم وزارة الثقافة المصرية بشيء، لكن التحولات الاقتصادية والاجتماعية كانت قاسية، وكان من ضحاياها أجيال كاملة عشقت المسرح. أما سيدة المسرح العربي سميحة أيوب، فتقول: «المسرح المصري عظيم وقد تخطى فعلاً كبوته وبدأ في تقديم تجارب جادة. شخصياً، كانت لي مسرحيات كـ{الوزير العاشق» أراد البعض إدخالها مهرجان قرطاج فرفضت. كذلك قدمنا «الناس اللي في الثالث» و{في عز الظهر» و{الشبكة» على أعرق المسارح المصرية، غير أن المسرح كان قبل ثورة يناير طارداً للإبداع الحقيقي. كذلك تجارب الجيل الجديد محدودة لأن معظمه يبحث عن المادة، لذا تخرج الأعمال غير ناضجة».

أما الكاتب يسري الجندي فيذكر: «شئنا أم أبينا، الريادة المسرحية لمصر بحكم الوضع والموضوع والتاريخ، وإذا تراجع هذا الدور فبلا شك سنكون نحن السبب. المسرح مرآة لطبيعة الحياة، والكتاب تراجع إبداعهم لأن المناخ طارد ومعاكس للموهبة المصرية. كذلك تراجعت الحركة النقدية وانحصرت في الصحافة الفنية، وعندما جاء أشرف زكي إلى «البيت الفني للمسرح» لم يتمكن سوى من إعادة العروض الناجحة، وانعدم الاعتماد على حركة إبداع جديدة».

يتابع الجندي: «إذا نظرنا إلى المهرجان التجريبي كجزء من الحركة المسرحية، سنجد المسرحيين في واد والعروض المقدمة في واد آخر، لأنها تبدأ وتنتهي بزمن المهرجان. حتى من حصل على جوائز هذا المهرجان أمثال سامح مهران وناصر عبد المنعم وانتصار عبد الفتاح، لم نجد اهتماماً بتجاربهم التي اعتمدت على موروث «.

خمود

يوضح المخرج الشاب أكرم مصطفى: «عبارة الريادة المسرحية كانت سمعة سابقة لمصر. أما الآن فالأخوة العرب في الخليج ولبنان وسورية وتونس والإمارات وقطر... جميعهم بدأوا ينافسون وبقوة ويبدو أن ريادة سورية في الدراما التاريخية انتقلت عدواها إلى المسرح، وإذا لم يتنبه المسرحيون لذلك ستكون ريادتنا في كتب التاريخ فحسب».

يضيف مصطفى: «نحن جيل مظلوم لم يحصل على فرصته، ولا يتوافر اليوم في مصر اهتمام بالمتميزين، بل تجد من يفشلون يقدمون عرضاً واثنين وثلاثة».

يؤكد الناقد المسرحي عبد الرازق حسين أن إطلاق وزارة الثقافة لفكرة المسرح التجريبي عن رؤية وزير الثقافة السابق فاروق حسني كان لضرورة تحريك المياه الراكدة في المسرح المصري، ذلك من خلال صدمة تتمثل في تيارات وأفكار وتجارب جديدة تثير خيال المبدعين وتنعكس على تطوير حركة الإبداع المسرحي. لكن على رغم إيجابيات التجربة، إلا أن سلبياتها كانت كبيرة ومؤثرة، من بينها أن المسرح التجريبي الذي تزعمه الشباب بدأ من نقطة الصفر واعتبر أن كل ما قدمه الرواد لا يستحق الوقوف عنده. في المقابل، اعتقد الرواد أن هذا تهميش لدورهم وربما وجدوا أن مجال التجريب أيضاً غير ملائم لإبداعاتهم فانسحبوا. بمقارنة بسيطة لما كان يحدث من 20 عاماً قبل التجريب ولما حدث بعده، نجد أن الإنتاج انحسر انحساراً شديداً. فبعدما كانت مصر مشاركاً دائماً في المهرجانات الدولية والعربية وحصلت على جوائز كثيرة في المسرح الجماعي والعمالي والمدرسي وفرق الهواة، تدور التجارب في إطار محدد والعمل في المسرح يحصل لأجل المسرح لا لأجل الجمهور. في الواقع تسلم محمد السيد علي «البيت الفني للمسرح» شبه مظلم فالفرق كافة تكاد تكون متوقفة عن العمل».

عن الإنتاج المسرحي الحديث وعدم تحقيقه التواجد والنجاح نفسيهما اللذين حققهما المسرح المصري قديماً، يضيف حسين: «أهم الأسباب تقديم العرض المسرحي لمدة 15 أو 20 ليلة عرض، فهذا وقت غير كاف لاستدعاء جماهيري ولا للحركة النقدية وتحقيق النجاح المطلوب. ثانياً، يفتقر الإنتاج الجديد إلى الدعاية في التلفزيون والصحافة. لكنني متفائل بالعام المقبل، وأرى ملامح خطة جديدة بأسماء لكبار النجوم، أضف إلى ذلك أن مشروع التعاون مع المسرح التلفزيوني قد يفك الحصار الإعلامي الموجود على العروض».

حسين يؤكد دعمه الكامل وغير المشروط لحرية الإبداع والتفكير، مشدداً على أن الحرية هي القضية الكبرى لكل كاتب ومبدع.