فقد الجهاز الحكومي منذ سنوات عدة قدرته على توفير فرص عمل حقيقية ومنتجة يتناسب عددها مع عدد الراغبين في الحصول على مثل هذه الفرص من حملة المؤهلات الجامعية أو ما يعادلها، وتعبير فرص العمل الحقيقية والمنتجة لا يشمل بالطبع الوظائف الوهمية التي تعرضها العديد من الجهات الحكومية من خلال نظام التوظيف المركزي لديوان الخدمة المدنية، والتي تهدف الى استيعاب الأعداد المتزايدة سنويا من الخريجين وطالبي العمل في مختلف الجهات الحكومية. وليس سرا أن ديوان الخدمة المدنية يواجه صعوبات كبيرة ومتزايدة سنويا في عملية التوفيق بين أعداد المسجلين لديه للعمل وبين فرص التوظيف التي ترده من الوزارات والجهات الحكومية الأخرى.

Ad

ويمكن تلمس ذلك من واقع البيانات الرسمية التي يعلنها الديوان سنويا عن أعداد المسجلين لديه من المواطنين «الراغبين في التوظف» في الجهاز الحكومي، وكذلك أعداد المواطنين الذين يتم توظيفهم في جهات حكومية مختلفة. ووفق أحدث البيانات الصادرة عن الديوان فإن هناك حاليا نحو 16000 مواطن مازالوا على قوائم الانتظار، ويمثل هذا العدد ما نسبته 11 في المئة من العدد الاجمالي من طالبي الوظائف الحكومية على مدى السنوات الـ11 الماضية. ولا تمثل هذه النسبة بطالة سافرة بالمعنى الحرفي للكلمة، لأنها تتضمن عددا من الذين سبق لهم أن رشحوا لوظائف حكومية، ولكنهم رفضوا شغلها مطالبين بوظائف في جهات حكومية بعينها، كما تتضمن عددا من حملة المؤهلات التي تتوفر لها فرص حقيقية للتوظف في القطاع الخاص، ولكنهم يفضلون الحصول على وظائف حكومية تتطلب جهدا أقل وتدر دخلا أعلى. ويمكن حصر مفهوم البطالة في هذه الحالة بالمسجلين من حملة شهادات الثانوية العامة أو ما دونها ممن لا تتوفر لديهم خبرات تدريبية أو عملية سابقة، وتصل نسبتهم حاليا الى نحو 8 في المئة من اجمالي المتقدمين للعمل بوظائف حكومية من المواطنين في الفترة ما بين النصف الثاني من عام 1999 والنصف الأول من العام الجاري 2011. ورغم أن هذه النسبة تعد عالية بالنسبة لدولة صغيرة وذات دخل عال مثل الكويت، فإنها قد لا تشكل عند تجزئتها وتفكيكها الى مسبباتها الاجتماعية والاقتصادية مشكلة حقيقية.

أزمة البطالة المقنعة

لكن المشكلة الكبرى تكمن في طبيعة الوظائف التي يجري الزام الجهات الحكومية المختلفة بتوفيرها سنويا من أجل استيعاب القادمين الجدد الى سوق العمل الحكومي من حملة المؤهلات الجامعية ومؤهلات التعليم التطبيقي، حيث إن جزءا كبيرا منها لا يشكل فرص عمل حقيقية، مما يؤدي الى تفاقم ظاهرة البطالة المقنعة التي يعانيها الجهاز الحكومي. وكانت الدولة قد أقدمت على تطبيق عدد من الاجراءات، كما أصدرت حزمة من التشريعات والقوانين على مدى السنوات الماضية بهدف التخفيف من حدة الضغوط التوظيفية المتزايدة على القطاع الحكومي، كان من بينها سياسة الاحلال أو التكويت، وتحديد نسب العمالة الوطنية في القطاع الخاص، ووضع نظام للتدريب المنتهي بالتوظيف، واصدار القانون رقم 19 لسنة 2000 بشأن دعم العمالة الوطنية وتشجيعها على العمل في الجهات غير الحكومية، وتخصيص بدل البحث عن عمل، واصدار القانون رقم 6 لسنة 2010 بشأن العمل في القطاع الأهلي، وغير ذلك.

إن الضغوط السنوية المتواصلة على مؤسسات التعليم العالي لقبول أعداد من حملة الثانوية العامة تزيد على طاقتها الاستيعابية، وغياب الربط بين احتياجات الجهات الحكومية وسياسات قبول الطلبة في التعليم العالي، وانتشار الجامعات الخاصة التي تشجع زيادة أعداد المقبولين، والآثار السلبية المترتبة على زيادات الرواتب والعلاوات السخية، والتي تتناقض وتتنافر كليا مع أهداف خطة التنمية المعلنة، التي تدعو الى دور أكبر للقطاع الخاص في النشاط الاقتصادي وفي خلق فرص عمل للمواطنين، كل ذلك من شأنه أن يقلص قدرة الجهاز الحكومي على استيعاب الأعداد السنوية المتزايدة من طالبي الوظائف الحكومية، ويعجل وصول المشكلة الى حد الانفجار، وحينها ستكون تكلفة معالجتها باهظة اجتماعيا واقتصاديا، فمن يتحمل مسؤولية كل ذلك؟!

* أستاذ الاقتصاد بجامعة الكويت