يشكّل مطعم Le Train Bleu (القطار الأزرق) الواقع في بهو محطة «غار دي ليون»- وهو أحد المطاعم المهمّة التي صمدت من زمن العصر الجميل في فرنسا- ذكرى مدهشة عن الحقبة التي كان فيها السفر بالقطار يُعتبر نوعاً من الرفاهية.ما من تفصيل بسيط على الجدران أو السقف في هذا المطعم الراقي الذي نصل إليه عبر سلالم تقودنا إلى المدخل. تمتدّ في المكان رسومات الحوريات والآلهة وسط مجموعة هائلة من الزخرفة الذهبية. وتتدلى ثريات ضخمة تضيء السقف والجدران الملوّنة، وتزيّنها مشاهد تصوّر مختلف المواقع المهمّة في جنوب فرنسا (تقدّم محطة القطار خدماتها في المقام الأول لمنطقتي جنوب فرنسا وشرقها).
يتّسم هذا المكان بطابع رومنسي مهيب، وقد افتتحه الرئيس الفرنسي بنفسه في 7 أبريل (نيسان) 1901. تماماً كما قالت أعظم ناقدة للمطاعم، ماري فرانسيس كينيدي فيشر، فإن محطة «غار دي ليون» «لم تكن مجرّد محطة بل هي موقع بحد ذاته»، ينطبق الأمر نفسه على «لو تران بلو»، فهو ليس مجرّد مطعم عادي. كتبت فيشر عن ذلك في أحد كتبها حيث تذكّرت أول غداء لها في مطعم المحطة. هل تتساءلون عما تناولته؟ كان الطعام عبارة عن وجبة بسيطة من الخبز، والزبدة العالية الجودة، واللحم المدخّن، ومشروب من اختيارها. وهكذا بدأت ذكرياتها مع ذلك المكان وتعهّدت بالعودة إليه.عادت فيشر فعلاً إلى المطعم، لكن لم يحصل ذلك قبل أواخر الستينات. كان الزمن قد ترك أثره على محطة القطار والمطعم معاً. حين علمت فيشر بأنّ المبنى سيُهدم قريباً، حثّت صديقتها جانيت فلانير، مراسلة صحيفة «نيويوركر» المشهورة في باريس، على زيارة المحطة. فقامت فلانير بتلك الزيارة وتأثرت كثيراً بما رأت. فأقنعت أندريه مالرو، الذي كان حينها وزير الثقافة الفرنسي ويتمتع بنفوذ كبير، باتخاذ الخطوات اللازمة لإنقاذ الموقعَين وإعادة ترميمهما باعتبارهما رمزين للتراث الفرنسي ويستحقان الحماية كأي كاتدرائية أو نصب تذكاري.اليوم، تحمل أواني الخزف الصيني في مطعم «لو تران بلو» العبارة الآتية: «فئة المعالم التاريخية». لا شك في أنها تحمل طابعاً هندسياً وبصرياً وروحياً مميزاً لدرجة أنّ كل من يراها تنتابه عواطف جياشة في هذا المحيط الأخّاذ. إنها أسباب كافية لزيارة المطعم.لكن لسوء الحظ، يحتدم الجدل اليوم حول ما إذا كان مطعم «لو تران بلو» يستحق الزيارة بسبب جودة طعامه.طوال سنوات، كثر الحديث عن أنواع المأكولات المكررة أو تقلّب نوعية الطعام فيه. تختلف الأطباق المعاصرة عن قائمة الطعام التقليدية وأسلوب خدمة المائدة القديم الذي كان يترافق مع تخصيص أكشاك لتقديم اللحوم على الطلب. على صعيد آخر، يعتبر البعض أن الأسعار في مطعم «لو تران بلو» يمكن أن تكون أفضل.كنت لأجادل بهذا الشأن قبل زيارتي الأخيرة للمكان. أتذكّر طبقاً من المحار كان يُقدَّم داخل الصدف وكان بارداً ومالحاً للغاية وكأنه استُخرج من البحر لتوّه. ولا يمكن أن أنسى طبعاً طبق النقانق الشهية المطبوخة مع البصل والتي تُقدّم على شكل فطيرة، وطبق بنكرياس العجل المسلوق، فضلاً عن ثمار البحر اللذيذة التي تُقدَّم مع صلصة شهية من اختصاص مدينة بروفانس.لكن كانت زيارتي الأخيرة مختلفة. فقد كان الطعام جيداً لكن ليس ممتازاً. كانت المقبلات لذيذة وقد تكوّنت من النقانق إلى جانب كبد الوز والتفاح المنقوع في صلصة فيها القليل من العسل، وكان خليط النكهة بين قطعة الكبد الدسم مع طعم التفاح الحاد ومذاق النقانق مدهشاً حقاً. كانت الخطوة الأولى إيجابية إذاً، لكن سرعان ما قُدّم الطبق الرئيس ولم يكن متقناً. فقد كان مرق الكركند ساخناً جداً بينما كان حساء اللفت المرافق له يقتصر على نكهة واحدة: الكركند. كذلك، كان طعم طبق الخروف المشوي أشبه بلحم الضأن- وهو مذاق متوقّع. ويتعزز مذاق اللحم بطبق من البطاطا المغمّسة في جبنة زرقاء مذوّبة. في ما يخص التحلية في مطعم «لو تران بلو»، فهي تقليدية أو عادية للغاية. أحد أفضل الأنواع في هذه الفئة الأخيرة، نذكر قوالب حلوى الميرانغ الفرنسية التي تُسكَب عليها المثلجات ومكعبات ثلجية بنكهة الفاكهة، فضلاً عن الشراب المُحلّى والكريما المخفوقة.على صعيد آخر، لم يكن فريق الخدمة في أفضل حالاته. كان حجزنا في التاسعة مساءً، لكن لم يحضر أحد لمرافقتنا من حانة «بيغ بان» (Big Ben Bar) المجاورة للمطعم (موقع شاسع يسترخي فيه الناس ويجمعون أمتعتهم أثناء تناول مشروب). وصلنا أخيراً إلى مكان الحجز الخاص بنا. فاختفى النادل الذي كان يهتمّ بنا قبل أن تكتمل سهرتنا التي بدأت بوتيرة زاخمة لكن سرعان ما تحوّلت إلى أمسية مرهِقة بحلول منتصف الليل.لكنّ ما أنقذ الليلة كان تعليقاً أدلى به النادل المسنّ الذي ظهر لأخذ الفاتورة. حين سألته عن التغيّر الذي طرأ على روّاد المطعم خلال سنوات خدمته التي دامت 18 عاماً في هذا المكان، اكتفى بهزّ رأسه.ثم أجاب باللغة الفرنسية: «لا يزال الناس يأتون إلى المكان بحماسة شديدة. ومن واجبنا أن نحقق أحلامهم».لا أحد يمكنه أن يتفوّق على هذه الكلمات!أعترف بأن أحلامي لم تتحقق بالكامل في تلك الليلة. لكن فيما كنت أنزل على تلك السلالم التاريخية للخروج من المطعم في تلك الليلة الباريسية الباردة، شعرتُ بدفء كلماته. لا يزال سحر مطعم «لو تران بلو» الذي عبّرت عنه فيشر قوياً للغاية.بالتالي، إذا تواجدتَ في باريس وإذا توجّهتَ تحديداً نحو جنوب فرنسا، ننصحك بالتخطيط للوصول إلى المحطة قبل ساعتين من موعد انطلاق القطار للاسترخاء والاستمتاع بسحر مطعم «لو تران بلو».
توابل
Le Train Bleu... مطعم باريسي من العصر الجميل
02-08-2011