فيه عاش المقريزي ووُلد محفوظ وتعلّم عبد الناصر لم تمض إلا ثلاث سنوات على تطويره، وعاد شارع المعز أشهر الشوارع الأثرية في وسط القاهرة يئن تحت تكدّس الإهمال والباعة المتجوّلين، في صورة مشوّهة لم تخطر على بال سكانه يوماً.
في شارع المعز عاش المقريزي، ووُلد نجيب محفوظ وتعلّم جمال عبد الناصر، ويعود تاريخه إلى المعز لدين الله الفاطمي عندما تولى الخلافة بعد والده المنصور أبي طاهر إسماعيل ثالث الخلفاء الفاطميين سنة 341هـ - 952 م.كان المعز رجلاً مثقفاً يجيد لغات عدة ومولعاً بالعلوم والآداب، خبيراً بإدارة شؤون الدولة، وحّد بلاد المغرب تحت إمرته بفضل أكفأ قادته هو جوهر الصقلي الذي أرسله إلى فتح مصر التي لم تغفل عين المعز عنها يوماً، وقد دخل جوهر الصقلي مصر على رأس 100 ألف جندي من دون مشقّة وقد أعطى الأمان لأهلها، وشرع في تأسيس عاصمة جديدة للخلافة الفاطمية فكانت «القاهرة» وذلك عام 358م – 969هـ، ودعا الخليفة المعز لدين الله الفاطمي الى تسلّم زمام الحكم وقد وصل القاهرة في 7 رمضان سنة 362هـ - 11 يونيو 972 م، لتصبح القاهرة منذ ذلك التاريخ حاضرة للخلافة الفاطمية التي حكمت مصر لما يزيد على فترتين من الزمان: من 358 هـ - 969 م حتى عام 567 هـ - 1171 م. اعتمد جوهر الصقلي في تخطيطه القاهرة على إنشاء شارع رئيس في قلب المدينة وقد أطلق عليه اسم الخليفة «المعز لدين الله الفاطمي» واشتهر بشارع المعز، ويعتبر أول شارع تم تخطيطه ليس في مصر فحسب بل في العالم كلّه، وهو أكبر متحف مفتوح للآثار الإسلامية، ويمتد هذا الشارع من باب الفتوح مروراً بمناطق النحاسين وخان الخليلي والصاغة، ثم يقطعه شارع الموسكي (جوهر القائد)، وبعده شارع الأزهر مروراً بمناطق الغورية والفحامين وزقاق المدق والسكرية، ووصولاً إلى باب زويلة. عمارة إسلاميَّةشارع المعز متحف مفتوح للعمارة الإسلامية بعناصرها المعمارية كافة، من قصور ومساجد وأسبلة وتكايا وخنقاوات وزوايا، ويتضمّن بين جنباته تاريخ ألف عام من الحضارة الإسلامية شكّلت وجدان شعب مصر، علماً أنه ظلّ طيلة الخلافة الفاطمية مقصوراً على الخليفة ورجاله وحاشيته وممنوعاً على الشعب المصري أن يدخله. فهو شارع أنشئ لتسير فيه مواكب الخليفة وتقام فيه الاحتفالات، وكانت تمرّ منه مواكب المحمل التي تحمل كسوة الكعبة، وظلّ على هذه الحال حتى العصر الأيوبي حين فتحه للمرة الأولى القائد صلاح الدين الأيوبي لعامة الشعب فتغيّرت طبيعته من شارع مناسبات إلى سوق تجاري، وكان يتبارى فيه الملوك والسلاطين في تشييد قصورهم وأبنيتهم المتنوّعة وسط المساجد والأسبلة إذ يضم ستة مساجد وسبع مدارس وسبعة أسبلة وأربعة قصور، فضلاً عن سلسلة أسواق مرتبطة بأماكن العبادة. وسمي الشارع «بين القصرين» وشارع «القصبة الرئيسية». وقد ظل عبر العصور منذ إنشائه وحتى الخلافة العثمانية أهم شوارع القاهرة على الإطلاق، ويبلغ طوله 1500 متر تقريباً. ومن بين الجوامع الموجودة في شارع المعز جامع الحاكم بأمر الله الذي أمر ببنائه والده الخليفة العزيز بالله، وقد بني عام 1012 ويمتاز بمدخله التذكاري البارز المحلى بزخارف وكتابات، علماً أنه رُمّم في الثمانينيات بواسطة طائفة البهرة الإسماعيلية. كذلك يوجد في هذا الشارع جامع الأقمر الفاطمي الذي بُني عام 1125، ويعد أفضل مساجد العصر الفاطمي على رغم صغر حجمه، وقد زُخرفت واجهته بنقوش بديعة للخط الكوفي وفيها اسم «محمود علي» في إشارة إلى المذهب الشيعي. شارع المعز ليس مستقيماً بل متعرجاً وهذا كان مقصوداً في تعميمه حيث توجد عناصر بصرية تجذب المارة مع التقدّم في الشارع وتزيد تشويقهم ومن ناحية أخرى فالأسواق التي يضمّها الشارع محاطة بالأبنية المرتفعة لتمنع أشعة الشمس ولهذا تجد الأسبلة موزعة بطول الشارع، ويوجد بالشارع مسجد السلطان المملوكي الأشرف (بارسباي) الذي بُني عام 1425م. وتبقى وسط كنوز الآثار الإسلامية التي يزخر بها شارع المعز لدين الله الفاطمي في قلب القاهرة التاريخية مجموعة السلطان قلاوون شامخة شاهدة على عظمة وروعة المعمار في العصر المملوكي . وتضم المجموعة بيمارستان (مستشفى) وقبة ومدرة قلاوون التي تعدّ أحد أهم المزارات السياحية، وتعتبر هذه المجموعة جزءاً أصيلاً من تاريخ الشارع العريق شارع المعز، وقد أسهمت في إكساب المباني التاريخية مسحة جمالية متألقة وسط النسيج الحضاري المتمازج وتعد بحق مجموعة قلاوون «لؤلؤة شارع المعز» من أندر وأجمل آثار العصر المملوكي العربي وتطلّ الواجهة الشرقية لها على شارع المعز وتتكون من قسمين: البحري ويقع على يمين الباب الرئيس وهو واجهة المقبرة التي دُفن فيها المنصور قلاوون وتعلوها القبة، والقسم القبلي ويضم المدرسة وبين القبة والمدرسة دهليز طويل يفضي إلى البيمارستان الذي ما زال يحتفظ بكامل روعته المعمارية. وفي شارع المعز لدين الله 40 أثراً، إضافة إلى مجموعة قلاوون ومنها بيت السحيمي، متحف النسيج الإسلامي خانقاه الطليان الظاهر برقوق، مدرسة الناصر محمد بن قلاوون، قاعة محب الدين أبو الطيب، حمام السلطان إينال، سبيل محمد علي في النحاسين، جامع وسبيل وكتاب سليمان أغا السلحدار، المدرسة الأشرفية، جامع القاضي يحيى زين الدين. كذلك تحد الشارع القاهرة الفاطمية من الشرق، وبقربه شارع بورسعيد، ومن الشمال باب النصر وباب الفتوح، ومن الجنوب باب الوزير، علماً أن هذه المدينة قد فقدت 40% من نسقها المعماري وملامحها الأثرية ومن ثم أصبحت هدفاً استراتيجياً للتطوير، لا سيما منذ تسجيل القاهرة على قائمة التراث العالمي في اليونسكو عام 1979. وفعلاً انطلق مشروع الترميم والتطوير منذ عام 1998 على أربع مراحل. فرُمّم 33 أثراً في شارع المعز أهمها مجموعة قلاوون بالنحاسين ومجموعة الغوري وقصر الأمير بشتال وباب النصر والفتوح وسور القاهرة بينهما والمدرسة الكاملية وجامع بن طولون وقصر الأمير طازو وجامع المؤيد شيخ. عانى شارع المعز أكثر ما عانى من مياه الصرف الصحي والمياه الجوفية لأن هذه المنطقة هي أسفل منطقة في الجمالية، لكنه رُمّم ورصف بالبازلت الأسود. كذلك رُممت واجهات المحلات والمنطقة بأسرها لتتواءم مع ترميم الآثار، ذلك في إطار مشروع ترميم القاهرة الفاطمية بتكلفة أكثر من مليار جنيه، وبعد عشر سنوات من العمل عاد شارع المعز إلى سابق عهده تحفة فاطمية في قلب القاهرة الفاطمية شاهداً على عظمة وروعة وإبداع العمارة الإسلامية.
توابل
شارع المعزّ... تحفة مصريَّة تئنّ تحت الإهمال البشري
26-08-2011