الإعلانات... اختراق فاضح لخصوصيّة مستخدمي الإنترنت

بينما تتصفّح الإنترنت بحثاً عن أحدث المصابيح مثلاً على موقع إلكتروني خاص بأحد المتاجر، سرعان ما تشعر بالملل فتعود إلى الموقع الخاص بصحيفتك اليومية المفضّلة. لكنّك تُفاجأ بصور المصابيح التي تلاحقك، فيظهر إعلان للماركة نفسها بالقرب من المقالة التي تقرأها. أهلاً بك في عالم «المزايدة في الوقت الحقيقي» (Real-time Bidding) التي تُعتبر طريقة أذكى لترويج الإعلانات، وقد بدأت تجتاح عالم شركات الإعلام على شبكة الإنترنت... ماذا كتبت مجلة «ذي إيكونوميست»؟

Ad

منذ عقد من الزمن، كانت الإعلانات التي تُعرَض عبر شبكة الإنترنت، أو ما كان يُسمى بـ{اللافتات» (banners)، تشهد ازدهاراً كبيراً. وكانت الشركات تدفع أموالاً طائلة للظهور على مواقع إلكترونية جديدة. لكن مع تصاعد عدد الإعلانات، لم يعد الناس يتنبّهون الى وجودها. اليوم، ينقر المستخدمون على أقل من إعلانين من أصل ألف إعلان يظهر على الشاشة.

كذلك، شهدت الأسعار تراجعاً هائلاً. لذا استنتج بعض شركات الإعلام، تحديداً «نيوز كوربوريشن» (News Corporation)، أنّ الإعلانات على الإنترنت لن تُكسبها ما يكفي من الأموال لدعم تمويل صحيفة مثلاً. في غضون ذلك، شهد قطاع إعلانات البحث التي تصل إلى الناس عندما يُبدون اهتمامهم بأمر معين، نمواً هائلاً. فبعد أن كان يشكّل 1% من حجم الإنفاق على الإعلانات الأميركية على شبكة الإنترنت في عام 2000، وصل الآن إلى نصف حجم الإنفاق تقريباً، ما رفع رصيد شركة «غوغل» إلى 172 مليار دولار.

بحسب رأي جايكوب نيلسون من شركة الإعلانات «غروب أم» (GroupM)، تُعتبر الإعلانات التقليدية المعروضة مصدر هدر فعلي. لنفترض أن شركة معينة تريد استهداف شريحة الشبّان. قد تشتري إعلانات في قسم الرياضة على بوابة إلكترونية مهمّة مثل «ياهو» (Yahoo!). ولكنها ستدفع أيضاً عن النساء اللواتي يزرن تلك الصفحة. كذلك، إذا قررت شراء إعلانات في قسم الرياضة الخاص ببوابة إلكترونية مهمة أخرى، مثل موقع MSN.com التابع لـ{مايكروسوفت»، فهي ستدفع الضعف عن الأشخاص الذين يزورون الصفحتين الإلكترونيتين معاً.

استقطاب الجمهور

يساهم نظام «المزايدة في الوقت الحقيقي» في حلّ هذه المشاكل كونه يتيح للجهات التسويقية استقطاب جمهور معروف. يكفي أن ننقر على الرابط لنفتح صفحة إلكترونية حتى يبدأ مزاد آلي. فتقدّم الشركات عروضها للترويج لإعلان معين، ولكنها تأخذ بالاعتبار المكان الذي سيظهر فيه الإعلان وما تعرفه عن المشاهد المُفترَض استناداً إلى الآثار الرقمية التي يخلّفها عن غير قصد على شبكة الإنترنت. يعرض الفائز الإعلان، وغالباً ما يكيّفه بحسب المتطلّبات. بالتالي، قد نشاهد إعلانات إضافية للسيارات المكشوفة في يوم مشمس! تستغرق هذه العملية كلها حوالى 150 ميلي ثانية، أي أقل من رمشة العين.

معظم الإعلانات الإلكترونية، وتحديداً تلك الإعلانات المكلفة التي تظهر على الصفحات الرئيسية، يتم شراؤه وبيعه كما يحصل مع الإعلانات التقليدية عبر وسائل الإعلام. يتفق البائع والشاري على سعر معين، ثم يدفع البائع الحساب بعد غداء العمل! يعمد عدد من الناشرين إلى بيع خِمس أو خِمسَي إعلاناتهم الإلكترونية مباشرةً، بحسب قول جاي ستيفنز من شركة «روبيكون بروجكت» (Rubicon Project)، مقرها كاليفورنيا تعمل مع عدد من أولئك الناشرين. في المقابل، يتّجه البعض إلى الوسطاء الرقميين. في هذه السوق المتطورة والقليلة الكلفة تحديداً، يشهد نظام «المزايدة في الوقت الحقيقي» تقدماً ملحوظاً. يقول ستيفنز إن هذا النظام ازدهر فجأةً في السنة الماضية، فوصل إلى 30 أو 40% من حجم الإنفاق.

يساهم هذا النظام في جعل الإعلانات تستهدف جمهوراً يميل إلى الشراء. يعرف بعض الشركات، مثل «جون لويس» (John Lewis) (متجر بريطاني كبير) و»زابوس» (Zappos) (موقع إلكتروني لبيع الأحذية) و»لينوفو» (Lenovo) (شركة لتصنيع الكمبيوتر)، أن مستخدماً معيناً زار مواقعها الإلكترونية لأنها تخلّف مؤشرات رقمية داخل جهاز الكمبيوتر خاصّته. ثم تتفوّق تلك الشركات على غيرها للوصول إلى المستخدم نفسه مجدداً. إنها استراتيجة «إعادة الاستهداف».

استعملت «بي سكاي بي» (BSkyB)، أكبر شركة في بريطانيا للاشتراك بالقنوات التلفزيونية، هذه التكنولوجيا للتواصل مع مشاهدين أكثر ثراءً قد يُبدون اهتماماً أكبر بقناة جديدة مخصصة للبرامج الدرامية الأميركية الشهيرة مثلاً. كذلك، استهدفت الأشخاص الذين يهتمون بالشاشات الثلاثية الأبعاد، وقلّصت حجم الهدر الناجم عن محاولة بيع الاشتراكات إلى أشخاص مشتركين بالخدمة أصلاً. يتوقع ماثيو تيرنر، رئيس قسم التسويق الرقمي في «سكاي» أن تُخصَّص نصف ميزانية الشركة المعدّة للإعلانات على الإنترنت لنظام «المزايدة في الوقت الحقيقي» خلال سنتين أو ثلاث سنوات.

تقليص الهدر

على المدى القصير، ما يفيد المعلنين سيفيد بائعي الإعلانات أيضاً. من المعروف أن تقليص الهدر يساهم في رفع الأسعار. في هذا السياق، يقول لوران كوردييه من شركة «غوغل» إن استراتيجية إعادة الاستهداف قد ترفع معدل النقر على الإعلانات بخمسة أو عشرة أضعاف. تبيع «غوغل» الآن إعلانات عدة عبر خيار تكنولوجيا «دبل كليك» (Doubleclick) لتبادل الإعلانات، وذلك من خلال نظام «المزايدة في الوقت الحقيقي»، وهي تعمل الآن على إدراج هذه التكنولوجيا على موقع الـ»يوتيوب» المخصّص لفيديوهاتها. في العام 2010، اكتسب عرض الإعلانات حصة من السوق في الولايات المتحدة، بحسب مكتب الدعاية والإعلان التفاعلي (Interactive Advertising Bureau). في المقابل، شهد قطاع البحث تراجعاً طفيفاً.

لكن قد يتبيّن أن نمو نظام «المزايدة في الوقت الحقيقي» سيكون مصدر مشاكل كثيرة. يتيح نظام المزاد العلني للجميع اكتشاف قيمة الإعلانات الحقيقية على الإنترنت. كذلك، يوفر كمية كبيرة من البيانات للمعلنين بشأن سلوك الجماهير المستهدفة. في هذه الأيام، قد يفرض بعض شركات الإعلام مبالغ مرتفعة نسبياً على الإعلانات الإلكترونية، على اعتبار أن مواقعها الإلكترونية تشهد إقبالاً كبيراً من فئة الشباب والأثرياء. يتعلّم المعلنون بشكل متزايد كيفية التواصل مع الأشخاص أنفسهم على المواقع الإلكترونية الأخرى، مقابل مبالغ مالية أقل.

يعبّر نيلسون عن الوضع قائلاً إن التواصل بين من يشتري الإعلانات ومن يبيعها بدأ يفقد توازنه، إذ غالباً ما يكون الشاري مزوّداً ببيانات أكثر من البائع. لقد رد بعض شركات الإعلام على هذا الوضع عبر بيع عدد أقل من الإعلانات عن طريق الوسطاء، أو نظام «المزايدة في الوقت الحقيقي»، أو غير ذلك. لكن قد يعني ذلك عدم بيع الإعلانات. قد تعيد شركات الإعلام التوازن إلى الوضع عبر اكتشاف المزيد عن عملائها، بما يفوق ما تعرفه عن طريق المزادات العلنية. تقضي الطريقة المثلى لفعل ذلك بإجبار الناس على التسجّل في المواقع الإلكترونية، أو حتى الدفع مقابل اشتراكهم فيها (ما يكشف تفاصيل عن بطاقات ائتمانهم ومكان إقامتهم). باختصار، لم يعد مضمون العرض العامل الرئيس في عالم الإنترنت، بل تحتلّ المعلومات المتعلّقة بالمستخدمين الأهمية الكبرى.

إعاقة

لكن قد يعمل بعض الجهات التنظيمية على إعاقة نمو نظام «المزايدة في الوقت الحقيقي». يخضع الترويج الإعلاني المستهدَف الآن لتدقيق شديد من أعضاء الهيئات الرسمية والصحافيين بسبب قلقهم من هذه الظاهرة. وجد تحقيق قامت به صحيفة «وول ستريت جورنال» بشأن تعقّب المستخدمين على الإنترنت، في السنة الماضية، أن الموقع الإلكتروني الخاص بالصحيفة سجّل 60 مؤشراً رقمياً على أحد أجهزة المستخدمين. يجب أن تعتمد الحكومات الأوروبية سريعاً تدابير لحماية الخصوصية، لمساعدة المستخدمين على إقصاء بعض الإعلانات المستهدفة التي لا يريدونها. قد تنجم عن تلك التدابير سلسلة غامضة من القوانين.

لكن تتوقع قلّة من الأطراف حصول تغيير جذري في هذا الإطار. فقد شهدت الإعلانات المستهدفة تقدماً سريعاً هائلاً لدرجة أنّ حظرها سيؤدي إلى إضعاف اقتصاد الإنترنت. بالتالي، من المنتظر أن يشاهد مستخدمو الإنترنت أيقونات صغيرة لإعلانات مستهدفة. لكن بناءً على التجارب السابقة، نتوقع أن يتعلم الناس تجاهلها مجدداً.