تراوحت قصائد الشاعرين دخيل الخليفة وعبدالرحيم الخصار بين التفعيلة والنثر، وامتزجت أجواؤها بصور وجدانية وأخرى واقعية تستلهم التاريخ، وتغوص بالذكريات إلى الوراء.

Ad

ضمن فعاليات مهرجان القرين الثقافي، نُظمت مساء أمس الأول في المكتبة الوطنية، أمسية شعرية شارك فيها دخيل الخليفة من الكويت، والمغربي عبدالرحيم الخصار، أدار الأمسية الشاعر عبدالله الفلاح.

الأمازيغي

الشاعر المغربي عبدالرحيم الخصار استهل الأمسية بقراءة قصيدة "الأمازيغي"، وهي قصيدة طويلة ذات نفس درامي، تتوزع صورها بين جغرافيا المكان "جبال الأطلس" وتستعيد ذاكرة الأمازيغ وشعب المايا، وكذلك الهنود الحمر، وكل ما من شأنه الاقتراب أو التقاطع مع هذه الذاكرة الشعبوية الغنية بالصور. يقول:

"أنا حفيد الملك الأمازيغي القديم/ الذي مات غدرا بطعنة من أيدي الرومان/ هوايتي أن أضرم النار في الجليد/ وأبني المصايد لطيور لا تصل الأرض/ يخطر لي أحيانا أن أخرج سمكة من النهر، ثم أعيدها إليه/ وأقف عكس التيار أنتظر موهما نفسي أني أصطادها يوما ما/ يخطر لي أحيانا أن أفتح أقفاصا في السطح/ وأطلق العصافير التي أفنيت سنوات في رعايتها".

وعبر هذه الأجواء الدرامية المليئة بالطرائد، ودينامية الحركة، ينتقل الخصار إلى قصيدة أخرى ذات نبرة هادئة، وتعلوها مسحة وجدانية رقيقة، يقول في قصيدة: "كأننا نخوض معركة دون أن نبرح السرير":

"سوف أستعيدك الليلة

كي تجلسي بجانبي على الأريكة التي تقادمت

وتخبريني لماذا زرعنا ورودا كثيرة في الليل

ثم استيقظنا على حقل شوك

هل كنا على خطأ حين أغمضنا عيوننا عن الذئاب

وجلسنا نطعم السناجب وصغار الحساسين

هل كنا واهمين حين عدونا باتجاه الشمس

وطفقنا ندس أقواس قزح في الجرار؟

قرأ الخصار كذلك قصيدة مهداة إلى روح الشاعر العراقي الراحل حسن مطلك، يقول فيها:

"إنها تتساقط تباعا

الكلمات التي حرصت على حياكتها من الخشب

وتعليقها ببالغ الحذر على الباب

الغرفة التي كنت تحيا فيها أضحت ميتة

الجدران تنتحب/ الشمعدان ذو القد الفارغ انحنى/ ومزهرية الطين انزوت في ركن من الغرفة وجلست تتألم وحيدة من أجلك".

منى كريم

الشاعر دخيل الخليفة فضل افتتاح قصائده بنص طويل مهدى إلى الشاعرة منى كريم التي تستكمل دراستها الجامعية في الولايات المتحدة الأميركية، عنوان النص "ديمة نحيلة في شوارع نيويورك" يقول فيها:

الإشارة خضراء والروح ترقص بين التفاصيل/ مسحورة بمذاق الشوارع/ حبلى بإرث الرماد/ خلعت القميص القديم/ وما ظلّ من صدأ ليفوح ملاذ الغيوم أنيقا كعادته/ تتبخر فيه الوجوه الغريبة/ يصطادك السهو سهوا/ تفيضين صحراء مملوءة بالهباء/ كأنك رائحة الفقراء/ نحيل سمارك/ يمتصك الوقت/ حالمة حالمة بجناح يعري البلادة في وجهة الاثم".

تبدو لغة دخيل الخليفة في هذا النص عصية بعض الشيء، إذ تتداخل الصور، ويعلو المجاز، إلا أن وجهة المعنى تسير في خطين لا ثالث لهما اثم الاغتراب وضياع الوطن، فهذه الشاعر النحيلة "منى كريم" بعد أن كانت بين أهلها وفي أحضان وطن لم يردها، ها هي الآن تجوب شوارع برودواي متلحفة بقصائد إدغار ألن بو، ووجدانها الشعري الثائر.

قصائد قصيرة

كانت تجربة الخليفة مع قراءة مقاطع شعرية قصيرة هي الأكثر ثراء، وقربا من روح الجمهور، ذلك من خلال ما نستشفه من ردة فعل داخل القاعة، ربما لسهولة هذه النصوص، واتضاح المفارقة فيها مما يجعل من اصطياد الدهشة أمرا سهلا، يقول:

"في القلب

جذع نخلة ينام عاريا على الضلوع

في القلب

مرّ – دون ضحكة – قطار

في القلب عصفور بكى

وطار...!

ويقول:

مرّ بي جائعا

وعلى جرف قلبي اتكا

تصفّحني...

عندما لم يجد فيّ نهرا

بكى...

قرأ الخليفة كذلك نصوصا أخرى مطوّلة بعض الشيء من بينها: "عاشقان"، و"يكتب أيامه بين خطواته"، وقرأ كذلك قصيدة "للبرتقالة التي تقشرني".