أكتب هذه المدونة وأنا في المطار في طريقي إلى الولايات المتحدة، وحين رأيت أحدهم وقد وضع كمامة على أنفه والكل يتحاشاه قررت أن أحدثكم عن المناعة.
علم المناعة قديم جداً، ولعل أول وصف كُتب عن المناعة كان على يد سوفيديديس الأغريقي، حين ذكر أن العناية بمرضى الطاعون كانت مهمة من أصيب بالطاعون ثم شفي، وكتب أن الطاعون لا يصيب المرء مرتين، وإن أصابه مرة أخرى، جاء ضعيفاً ولم يؤدِّ إلى وفاة المصاب، هكذا تولدت فكرة أن المناعة تكتسب بالتعرض للمرض والنجاة منه.ذكرني ذلك بعادات الأولين من أهالينا، فما زلت أتذكر والدتي تحدثني عن ابن خالتها الطفل الذي أصيب بـ «أبو شنيتر» أو «جديري الماء»، عندها جاءت الجدة فجمعت الأطفال من بيوت الأقارب في القرية الذين تقلّ أعمارهم عن العاشرة، وأدخلتهم إلى الديوان الكبير ليفترشوا الأرض جميعاً ويناموا حتى يصيبهم المرض مبكراً وتتكون لديهم المناعة، ثم روت لي الوالدة كيف كانوا يبعدون المرأة الحامل عن الجميع خوفاً عليها وعلى الجنين.تحديد المناعةتعني المناعة بالإنكليزية الإعفاء أو الاستثناء أي أن يستثني المرض أحدهم، وقد قطعنا شوطاً كبيراً من أيام الجدّة ليحصل كل منا على الإعفاء، فعلى عمري لم يتوافر لقاح لجديري الماء، وكان إعفائي نتيجة إصابتي بالمرض بسبب عدوى من زميل في المدرسة، لكني تطعمت من شلل الأطفال والحصبة بأنواعها وأمراض أخرى، ثم حين كبرت أضيفت تطعيمات جديدة مثل التطعيم ضد فيروس الكبد، ثم ظهرت اختراعات أخرى للتطعيم، فظهر تطعيم يحمي من سرطان عنق الرحم الذي تسببه الإصابة بفيروس معين، لكن السؤال الأهم: ما هي المناعة؟ كيف تنشأ؟ هل هي موجودة أو لا أو هي كمية يمكن قياسها؟ بمعنى أصحّ هل الناس على صواب حين يقولون: فلان مناعته قوية والآخر ضعيفة؟تساؤلات مهمة، لفهمها علينا أن نستوعب أن في جسدنا خلايا مسؤولة عن المناعة وهي كثيرة، ويمكن للتسهيل القول إنها خطوط دفاعية موجودة على مستويات، فحين نتحدث عن أماكنها يمكن القول إنها موجودة عند مدخل الجسم، فلو أخذنا مثلاً جرثومة عطسها أحدهم فتحركت في الهواء وعن طريق أنف أحدهم حاولت الدخول إلى الرئة، ستجابه بالخط الأول من خلايا المناعة المتوافرة في الغشاء الطلائي لمجاري التنفس، وأستطيع أن أشبه هذه الخلايا بالملتقمات، فتبلع الجرثومة ثم تفرز مواد لتمنع تكاثرها، ثم إن استطاعت هضمها فعلت ذلك. أما إن كانت الجرثومة أقوى منها وقتلتها فتموت وهي ممسكة بالجرثومة، كالمقاتلين اليابانيين أو الكاميكاز في الحرب العالمية الثانية، وتجعلها ظاهرة على سطحها ليلتقطها الخط الثاني، وفي الوقت نفسه تستمر خلايا الخط الأول في التكاثر لإبطاء النمو. للأسف، الخط الأول غير قادر إلا على الجراثيم الكبيرة مثل البكتيريا، وليس قادراً على فيروسات صغيرة تمرّ من دون رؤيتها، أما الخط الثاني من الملتقمات فلديه بعض القدرة على التقام الفيروسات، لكنه غير قادر على قتلها فيكتفي بعرضها على سطحه.خلايا الدفاعحين يتم عرض الجرثومة على سطح هذه الخلايا يأتي دور الخط الثالث أو الخلايا اللمفاوية في الدفاع، وهي على نوعين: يرمز لأحدها بخلايا «بي» والأخرى بخلايا «تي». ترسل خلايا «بي» أجساماً مناعية عبر الدم، وهي عبارة عن مواد بروتينية تلتصق بالجرثومة ليسهل على خلايا الجسم الدفاعية الأخرى أن تلتقمها وتهشمها، في حين تبقى خلايا «بي» بعيدة عن الجرثومة.لكل خلية «بي» القدرة على إفراز نوع واحد من الأجسام المناعية الذي يختصّ بجرثومة معينة، فمثلاً ثمة خلايا «بي» مسؤولة عن المناعة ضد فيروس الكبد، أما خلايا «تي» فلا تفرز أجساماً مناعية، لكنها تلتحم بالجرثومة أو الفيروس وتنشط خلايا أخرى التي تضطلع بمهمة القتل.تنقسم خلايا «تي» إلى نوعين: أحدهما منشّط للمناعة والآخر مثبط لها ولهذا حكمة، فحين تبدأ المنشّطة عملها يبدأ القتل وحالما ينتهي الالتهاب تبدأ الخلايا المثبطة العمل لإيقاف العملية المناعية، تسير هذه العمليات في نظام بديع.قد يتساءل المرء: إذا كانت خلايا «بي» متخصصة فكل واحدة مسؤولة عن جرثومة معينة، فهل ثمة ملايين من خلايا «بي» المختلفة؟ الإجابة: بلى، وغالباً ما تكون بضع خلايا موزعة في أماكن كثيرة من الجسم داخل العقد اللمفاوية يطلق عليها خلايا الذاكرة، فحالما تلمح هذه الخلايا الجرثومة، التي هي مسؤولة عنها، تبدأ بالتكاثر لتشنّ حربها ضدها.إذا أصيب المرء بالإنفلونزا مثلاً تتكاثر خلايا «بي» المقاومة للإنفلونزا، وبعد التخلص من الالتهاب تبقى في الدم فترة من الزمن، فإذا عاد سريعاً قاومه المريض بسرعة لأن الخلايا ما زالت موجودة. بالتالي تعتبر المناعة أقوى من شخص لم يتعرض للالتهاب مدة طويلة، لأنه سيستغرق الكثير من الوقت حتى تتكاثر الخلايا إلى الحدّ المطلوب لتتمكن من مكافحة الالتهاب، فتصبح الأعراض قوية إلى حين وصول المناعة إلى الحدّ المعقول.أول مناعة مكتسبةكما نتحدث عن المناعة المكتسبة من الالتهابات نشير إلى أول مناعة يكتسبها المرء وهي تلك التي تصيب الجنين في بطن الأم، وتسري منها إليه وتستمر ما دامت ترضعه بعد الولادة، إذ تزوّده بمادة الكولسترم في بداية الإرضاع، ثم بعد ذلك يبدأ المرء اكتساب مناعته، إما بالتعرض للالتهابات، كما أسلفنا، أو بالتطعيم وهو إدخال إما فيروس ضعيف مشابه للفيروس الخطر على غرار التطعيم ضد الحصبة وشلل الأطفال، أو إدخال فيروس ميت كما في النوع الثاني من لقاح شلل الأطفال، فينشّط الفيروس خلايا الذاكرة، لكنه لا يسبب أعراض المرض.وعادة ما تعطى جرعات تنشيطية للقاح، بين فترة وأخرى، كما في لقاح التيتانوس مثلاً الذي يجب أن يتمّ اللقاح به على مدى سنوات لتفادي داء الكزاز القاتل، لذا حين يُجرح أحدنا بأي شيء حاد ملوث أول ما يسأله الطبيب: «متى أخذت آخر جرعة تنشيطية ضد الكزاز؟»، فإن لم يتذكر المريض وجب على الطبيب حقنه بالجرعة التنشيطية، ومتى كان الخطر كبيراً يحقن الطبيب المريض بأجسام مضادة لفيروس التيتانوس تم تحضيرها في داخل دم الحصان، وتبقى هذه الأجسام أياماً إلى حين بدء عمل الحقنة التنشيطية.تخصص بحد ذاتهعلم المناعة هو تخصص بذاته وقد ساهم فهمنا للمناعة أن اكتشفنا أمراضاً تنتج من المناعة القوية، فمثلاً الحساسية هي نوع من المناعة القوية أو رد فعل تجاه مواد غريبة عن الجسم.من أمثلة المناعة العالية التي قد تضر، ثمة أمراض يكوّن الجسم فيها أجساماً مناعية لمحاربة جراثيم دخلت إليه، إلا أن المشكلة أن بعض هذه الجراثيم يتشابه في تركيبته مع بعض خلايا الجسم فيختلط الأمر على الأجسام المناعية وتهاجم خلايا معينة في الجسم مسببة لها عطلاً. من أشهر الحالات: الخمول أو إفراط في نشاط الغدة الدرقية... ثمة أجسام مضادة يصنعها الجسم، فبعضها يهاجم خلايا الغدة ويمنعها عن العمل، والبعض الآخر يهاجمها فيجعلها لا تتوقف عن العمل.حين تهاجم الأجسام المناعية عضواً كالغدة الدرقية يمكن تعويض خمولها بسهولة بتناول هرمون على شكل حبة، لأنه هرمون بطيء العمل، لكن الأمر يختلف حين نتحدث عن داء السكري من النوع الأول والذي ينشأ عن مهاجمة الأجسام المناعية لخلايا البنكرياس، فداء السكري خطر وأثره صعب، هكذا العضو المصاب هو موضع المشكلة في أغلب الحالات، ويزيد الأمر سوءاً حين تتلف الكلى مثلاً.نسمع أمهات يشتكين من إصابة أطفالهن بالتهابات كثيرة، وعن هذا أقول إن الالتهابات تنشأ في معظمها عن وجود فيروسات حول الطفل، خصوصاً حين يبدأ الذهاب إلى المدرسة وتكوين مناعته الخاصة، لكن حين تتكرر الالتهابات الغريبة نفسها في أماكن غير شائعة، في الجلد أو في الأذن الوسطى، يمكن إجراء فحوص للمناعة، وإذا اكتشف وجود نقص في بعض المناعة يمكن استعمال مضادات حيوية مثلاً.انخفاض المناعةانخفاض المناعة ليس أمراً هيناً، وكلنا سمع عن مرض الأيدز أو مرض نقص المناعة المكتسبة الذي ينشأ عن فيروس مراوغ لا يسمح لجهاز المناعة بمقاومته لأنه يتحوّر باستمرار. الواقع أن هذا المرض يصيب خلايا «تي» فيزيد نشاط النوع المثبط فيها على حساب النوع المنشط، ويؤدي إلى خفض المناعة. اليوم تستعمل أدوية تحدّ من نمو الفيروس كعلاج مثبط لتفاقم المرض، إلا أنه لم يتم اكتشاف تطعيم يقضي على الفيروس، تماماً كما حدث قبل عقدين مع فيروس الكبد «باء» وما زلنا ننتظر تحضير تطعيمات أخرى.وقد يكون نقص المناعة أمراً مرغوباً، كما في حالات زراعة الأعضاء حيث يتم تثبيط المناعة بإعطاء أدوية تقلل المناعة كما في زراعة الكلى مثلاً، حتى لا يرفض جهاز المناعة الكلى المزروعة، وقد يلغي الطبيب المناعة تماماً حين يراد ذلك كما في جراحة زرع نخاع العظم ليقبله الجسم، وفي هذه الحال يعزل المريض في غرفة خاصة معقمة، لأن أي جرثومة ضعيفة قادرة على القضاء عليه.ما زلت أتذكّر حجم الرعب الذي أصاب الناس من فيروس انفلونزا الطيور ثم الخنازير، قبل مدة، وعنه أختم مقالي بالقول: «حين تصيب فيروس طفرة معينة يصبح معدياً جداً كما حدث في هذه الحالات، وحسناً فعل الناس بتجنب التجمع في فترة العدوى، إلا أن أغلب من تأثروا بالمرض كانت مناعتهم ضعيفة لأي سبب كان، ككبار السن أو مرضى العناية المركزة وغيرهم، أكثر من البشر الأصحاء. لذا أخذ لقاح الإنفلونزا يفيد البعض في تحفيز جهاز المناعة ليتعامل بصورة أكثر فاعلية مع باقي أنواع الإنفلونزا.
توابل - Fitness
المناعة... كما تعرفها الجدات
11-12-2011