يشكل التراث أحد هموم الفكر العربي المعاصر، المنشغل بتشكيل خطاب مختلف ينتمي إلى الفضاء المعرفي في قرن جديد. هذا ما أكده الباحث المصري أيمن عبد الرسول في الطبعة الثانية من كتابه «في نقد الإسلام الوضعي»، الصادر عن إحدى دور النشر الخاصة في القاهرة، ويطرح من خلاله رؤية لراهن الإسلام  الذي يواجه سؤالاً صعباً على أرض الواقع، وينطلق من التراث، حيث تبدأ أهم المقولات التي تتردد على صعيد الفكر العربي، وهي مقولة الأزمة.

يحاول الباحث أيمن عبد الرسول خلال فصول كتابه «في نقد الإسلام الوضعي» مناقشة قضايا تحتل مساحة تفكيرنا في الغد، اليوم، الأمس، والحلول المقترحة لعلاج أزمة الفكر العربي، فيطرح بناءات تصورية للخطاب الفكري العربي المعاصر، بمراجعة نجاحاته، إخفاقاته، ليضع السؤال في دائرة اختصاصه- أي التراث الإسلامي- أين نحن في الخطاب العالمي، وأين هو الفكر الإسلامي المعاصر؟ وما مشروعية تحكم الأصوليات - دينية وغير دينية- في حياتنا الراهنة؟

Ad

في رحلة الوصول إلى إجابة، يستعرض الكاتب مناهج البحث في التراث، ومنها المنهج الانتقائي – التلفيقي، وينتهي إلى الجمع بين المتناقضات، وتتجلى في مسميات «الأصالة والمعاصرة»، و{التراث والحداثة»، وعمل بعض المشتغلين به على تنوير التراث، مثل حسن حنفي (من العقيدة إلى الثورة)، وزكي نجيب محمود (تجديد الفكر العربي)، وإسلاميات طه حسين والعقاد ومحمد حسين هيكل.

لا يختلف دعاة هذا المنهج على ضرورة استدعاء التراث بعد عصرنته، وتثويره، ومنهم محمد عابد الجابري في مشروعه (نقد العقل العربي)، الذي كشف أبنية التخلف العربي، ولم يتجاوز «التراث» نظرياً بل يدعونا إلى استدعاء نماذج تنويرية منه أيضاً، ويراهن عليها، وحسب الباحث أن الرهان على التراث  «الانتقائي»  يحمل بذرة فشله وجرثومة تخلفه، فالفرق بين ابن رشد والغزالي، مثلاً، فرق في الدرجة لا النوع.

يطرح الباحث نماذج من المناهج البحثية المتعددة، مثل المنهج التنويري، ودور الباحثين في تثوير التراث وتنويره، والمعالجة الجريئة في كشف المسكوت عنه في كتابات التراثيين، حيث يقف بعض أصحاب هذا المنهج على محك القراءة النقدية مثل المفكر اللبناني علي حرب والجزائري محمد اركون، ويري الأخير أن الاجتهاد اليوم سيؤدي حتما إلى زعزعة الحقائق الأكثر شعبية وإلى تصحيح العادات الأكثر رسوخاً وإلى مراجعة العقائد الأكثر قدماً.

والاجتهاد أحد أعمال الحضارة وجهد من جهودها، وقد مثل المفكرون المسلمون طيلة القرون الهجرية الثلاثة الأولى حيوية خلاقة لحقل فكري كبير، ولثقافة ونظام معرفي مؤسس لنظام سياسي واجتماعي وقانوني محدد ومعروف.

يعلق الباحث على اقتراحات اركون للانتقال من الاجتهاد إلى نقد العقل الإسلامي،  بأن السؤال يظل قائماً: متى يتم هذا الانتقال وهل تؤدي في النهاية هذه المشروعات الفلسفية الطموحة إلى تشكيل وعي إسلامي جديد منفتح وحيوي؟

صدمة التراث

«صدمة التراث» هي الوجه الآخر لـ{صدمة الحداثة»، تلك التي جعلها علي أحمد سعيد (أدونيس) عنوان مجلده الأول من مشروعه «الثابت والمتحول»، وتكشف عن مدى الصدمة، تلك المحاولات المختلفة أو المتخلفة لإحياء التراث أو إحلال الحداثة.

يوضح الباحث، أن صدمة التراث تكمن في اكتشاف الجميع، هكذا وفجأة، أنه لا يزال حياً، يمارس دوره في تفعيل آليات التخلف في مجتمعاتنا، وظن البعض أن معالجته ستكون في صدمة مضادة، وهي صدمة الحداثة.

الأزمة فيما يري الباحث، تتبلور في التبني، غير المشروط، للمشروع التنويري الغربي، من دون وعي بمستلزمات إنتاج التنوير العربي الحقيقي، ما يخرج بعض التصورات من التنوير إلى التزوير، كما يصف د. محمد عمارة كتابات د. محمد العشماوي، بأنها تزوير للإسلام لا تنوير.

الإسلام اليوم

الإسلام اليوم في محنة حقيقية، فهو يعاني من تشويش انتهاكي وتعدٍ أيديولوجي من كل مدعي الأسلمة، فكل داعية يقدم إسلاماً يدعي أنه ذو الأرثوذكسية والصحة المطلقة، وخلافه كفر، أو تجديف لا طائل من ورائه، ومع تشكيل هذه الخصوصية، هي في الحق خصوصية، لا يعترف صاحب كل تصور بأن إسلامه شأن شخصي.

كذلك تبدو ممارسات التفسير الإسلامي التقليدي مليئة بثغرات وشكوك وتناقضات واختلال منطقي وضعف، وهذه هي الأمور التي يكشف عنها النقد التاريخي الحديث، وثمة عوامل كثيرة تجعل مهمة تحديث الفكر الإسلامي أكثر مشقة.

يؤكد الباحث، صعوبة أن نعيد تقييم كل القيم، لكنها  خطوة ضرورية وحتمية وملحة أيضاً، ونحن قد تجاوزنا أعتاب قرن جديد يكتسح فيه طوفان العولمة كل قومية وخصوصية.

لم يعرف العالم العربي الحديث العلمانية قط كجزء من مشروع حضاري أشمل، وإنما عرفها حيناً كثقافة عقلانية تنويرية أو مجموعة من القوانين المنقولة عن الغرب، أساساً فرنسا، ذلك لأن النشأة الاجتماعية- الثقافية للشرائح المتوسطة من البرجوازية لم تعثر على صيغة مناسبة لتطورها.

بعيداً عن الهشاشة النظرية للفكر العربي على رغم أدبياته الكثيرة المنتجة من العلمانية، تظل الممارسة هي الفيصل الحكم في أي تجربة حقيقية، فليس ثمة مصطلح علمي يقوم في المطلق إذ إن الاحتكاك والممارسة هما الفيصل في تشكيل أي مصطلح.