الجدل الذي أثاره المخرج رود ليوري عبر أفلامه المثقلة بالرسائل السياسية مثل Deterrence و The Contender و Nothing But the Truth، لا يقارن بالجدل الذي سيثيره حتماً فيلمه الجديد الذي هو نسخة جديدة عن فيلم Straw Dogs الكلاسيكي الشهير الذي أخرجه سام بيكينباه في عام 1971.

يقول ليوري بقهقهة فيها حزن وأسى: «أتمنى أن أخرج يوماً ما فيلماً رومنسياً، فيلماً لن يلحقني بسببه وابل من الانتقادات كما يحصل معي في كل مرّة أنتهي فيها من العمل على فيلم. يبدو لي أنني أختار دائماً الطريق الأصعب». مع صدور الفيلم، يبدو أن ليوري قد استعدّ على نحو جيّد لتلقّي ردود الفعل مدركاً تماماً أن النقاد سيوجّهون إليه انتقادات قاسية لتجرّئه على إعادة إخراج أحد أكثر الأفلام تأثيراً التي عرفتها فترة السبعينيات وهي فترة تعدّ بمثابة الفترة المقدّسة للسينما الأميركية.

Ad

لكن مضى على صدور هذا الفيلم 40 عاماً، أي أن ثمة جيلاً كاملاً لم يتسنّ له مشاهدة Straw Dogs أو السماع به. صحيح أن نسخة ليوري الجديدة من الفيلم تبدو ظاهرياً مشابهة للفيلم الأصلي، إلا أنها تنقل رسالة مغايرة تماماً لتلك التي نقلها فيلم بيكينباه.

في هذا الإطار، يقول ليوري: «كان بيكينباه معلّماً في صناعة الأفلام- أعظم المخرجين الذين عرفتهم السينما- وكان يتمتّع بمصداقية كبيرة. إلا أنه كان يتميّز بفلسفة مختلفة عن فلسفتي. ففي نهاية فيلمه، يكتشف البطل الغريزة الحيوانية التي في داخله. أما في نهاية فيلمي، فيكتشف البطل الإنسان الموجود في داخله».

أدى بطولة فيلم بيكينباه كلّ من داستين هوفمان وسوزان جورج اللذين جسّدا دورَي دايفيد وآيمي سامنر، زوجان يقرّران الانتقال من الولايات المتحدة إلى قرية كورنوال الإنكليزية مسقط رأس آيمي. دايفيد هو عالم رياضيات عبقري وانطوائي ينظر إلى العالم نظرة دونية أما آيمي، فهي امرأة جميلة يرغب أي رجل في أن تكون زوجته. تتسبّب الهوة الفكرية بخلافات بين الزوجين تظهر إلى العلن وتجعل السكان المحليين لا يرتاحون للزوج الجديد. تتدهور الحالة بسرعة قياسية لتأتي النتائج كارثية على نحو صادم.

حقّق Straw Dogs، المقتبس عن رواية The Siege of Trencher’s Farm للكاتب غوردون ويليامز، إيرادات كبيرة على شباك التذاكر وأثار في المقابل موجة من الانتقادات. تزامن صدوره مع صدور فيلمي Dirty Harry وA Clockwork Orange، إلا أن مقدار العنف فيه فاق كل المقاييس.

أراد بيكينباه عدم إدراج فيلمه في خانة الأفلام المسموح بمشاهدتها لمن هم فوق الثامنة عشرة من العمر، إلا أن رغبته هذه لقيت موجة من الانتقادات والغضب. في مجلّة Life، كتب الناقد الفني ريتشارد شيكل أن «الفيلم ناضج بكل ما للكلمة من معنى، ومعاصر وشرير على نحو كبير». أما الناقدة بولين كايل التي تكتب في صحيفة The New Yorker فقد وصفت Straw Dogs بأنه «الفيلم الأميركي الأول الذي يشبه الأعمال الفنية الفاشية».

اليوم، يُنظر إلى الفيلم نظرة مختلفة تماماً. يقول الناقد مارشال فاين، مؤلف كتاب Bloody Slam: The Life and Films of Sam Peckinpah: «أعتقد بأن كايل كانت مخطئة في رأيها. عندما صدر Straw Dogs للمرة الأولى، كانت مسألة المساواة بين الرجل والمرأة قد طفت لتوّها على السطح وكانت المسائل جميعها تعالج من هذا المنظار وإن أتت هذه المقاربة مجحفة بعض الشيء. لم يعِ بيكينباه يوماً قوة أفلامه. أظنّ أنه كان يرغب في صناعة فيلم مثير للاهتمام يبيّن مدى قدرة الإنسان على الخروج عن طوره والتحوّل إلى ما كان هو نفسه يحاربه».

في النسخة الجديدة من Straw Dogs، يؤدي جايمس مارسدن دور دايفيد كاتب الأفلام الودود، وكايت بوسورث دور آيمي زوجة دايفيد المحبّة. وبخلاف النسخة الأصلية التي تدور أحداثها في الريف الإنكليزي البعيد، صُوِّرت أحداث الفيلم الجديد في إحدى قرى ولاية ميسيسيبي. لكن التأثير بقي نفسه: فهذه القرية الأميركية الصغيرة أرض غريبة بالنسبة إلى دايفيد الذي يثير من دون قصد غضب السكان المحليين (بمن فيهم جايمس وودس وألكسندر سكارسغارد الذي شارك في True Blood).

ألوان الجنوب

عاش ليوري في كلّ من ألباما وتينيسي. يقول إنه اختار تصوير Straw Dogs في الجنوب لأنه شعر بأن الفيلم الأصلي أشبه بفيلم أجنبي وبعيد عنه كل البعد. في هذا السياق، يلفت: «اخترت الجنوب لألوان طبيعته وجماله وغناه وتنوُّع اللهجات فيه. ساعدتني هذه العوامل كلّها في إبراز عنصر التغرّب في الفيلم. إلا أن الأمر الوحيد الذي رغبت كثيراً في القيام به هو وضع هذه الشخصيات في مجتمع يتمتّع بنمط حياة عنيف. فسكان الجنوب يلعبون كرة القدم التي تعد رياضة عنيفة ويذهبون إلى الصيد... كذلك يعبدون إلهاً عنيفاً ويحلّون الأمور بالتشاجر في الحانات. صحيح أنه كان بإمكاننا تصوير الفيلم في بوسطن أو ميامي أو في أي مكان آخر، إلا أنني حرصت على انتقاء مجتمع يشكِّل العنف جزءاً لا يتجزأ من حياته اليومية. هنا تحديداً كمن الفرق بيني وبين بيكينباه».

لاحظ الجميع هذا الفرق. يقول فاين عن النسخة الجديدة من Straw Dogs: «أخرج ليوري فيلماً جيداً جداً أضفى عليه لمسته الخاصة. عندما تشاهد النسختين، تلاحظ أن الفيلمين مختلفان... إلا أن الرسالة بقيت نفسها: مهما كان الإنسان يعتبر نفسه مثقفاً ومهما حاول التعالي على هذه الأمور، إلا أنه سرعان ما يكتشف أنه يحمل في داخله هذا العنف الذي يظهر في الأوقات الحاسمة والذي يصل إلى حدّ القتل».

يقول ليوري إنه ظلّ متردداً في ما إذا كان عليه إعداد نسخة جديدة من هذا الفيلم إلى أن حظي بمباركة هوفمان للفكرة خلال حفلة أقيمت في عام 2008. ويضيف: «عندما أخبرت هوفمان بأنني اشتريت حقوق تجديد الفيلم، ارتسمت ابتسامة عريضة على وجهه ووضع يده على كتفي وقال لي إن Straw Dogs من نوع أفلام الغرب الأميركي المخيفة. كانت لبيكينباه أفكاره الخاصة به حول طبيعة البشر. كذلك نصحني بوضع لمستي الخاصة على الفيلم والاستمتاع خلال العمل عليه».

آمن المخرج الراحل بيكينباه بـ{حتمية الكيان الوجودي» التي يصفها العالم الإنثروبولوجي بأنها «هذا الشعور الداخلي الذي يحثّ الكائنات الحية على التملّك والدفاع عن ممتلكاتها سواء أكانت بلدتها أم مجتمعها أم منزلها الخاص».

مع ذلك، ينظر ليوري إلى الأمور نظرة مغايرة. يقول في هذا الإطار: «اعتقد بيكينباه أن البشر مصمّمون ليكونوا عنيفين، وأن العنف يدخل في تكوينهم البيولوجي. أما أنا فأجد أن الناس يتكيّفون مع العنف بحسب الظروف. غالباً ما كان بيكينباه يقول إن هوفمان أدى دور الرجل الشرير في الفيلم لأنه كان ذلك الغريب الذي اجتاح أرض الآخرين. إلا أنني لا أؤمن بنظرية بيكينباه هذه. أظنّ أن دايفيد هو البطل. فعندما اضطرّ الى اللجوء إلى العنف، أصبح واضحاً أنه يمرّ بتجربة مستفزّة ومحفّزة وأنه يحاول الحفاظ على شفافيته وعدم الاستسلام للجانب الغامض من الطبيعة البشرية».

بما أن هوفمان أدى في Straw Dogs أكثر أدواره قوةً وأهميةً، قرّر ليوري أن يختار ممثلاً يجسّد شخصية دايفيد بأسلوب مختلف عن أسلوب هوفمان. فوقع اختياره على مارسدن الذي اشتهر بأداء دور Cyclops في ثلاثية X-Men، بعد أن شاهده في الفيلم الدرامي Heights.

يعترف مارسدن بأنه غالباً ما يُقارَن بينه وبين هوفمان. يقول: «سأكون غبياً إن قلت إن المقارنة لم تطاولني. كان أداء هوفمان رائعاً في الفيلم الأصلي. لكن بغض النظر عن هذه الأمور كلّها حلم كل ممثل بأداء هذا الدور. تختلف شخصية دايفيد التي أجسّدها عن تلك التي جسّدها هوفمان... فدايفيد في الفيلم الأصلي شخص لا ينفك يقلّل من شأن زوجته... ففي كل مرّة يعلّمها طريقة لعب الشطرنج يتعمّد غلبها... كذلك يعذّب قطّتهما برمي الفاكهة عليها ويتصرّف على النحو ذاته مع سكان البلدة المحليين. وفي نهاية الفيلم، نلاحظ انقسام الأبطال إلى فريقين: فريق مؤلف من دايفيد فحسب، وآخر من الشخصيات الأخرى».

يتابع مارسدن: «أما شخصية دايفيد التي أجسّدها فهي ساذجة بعض الشيء وترغب في التأقلم مع محيطها الجديد إلا أنها لا تعرف كيفية القيام بذلك. المهمّ أنها حسنة النيّة. إنها شخصية مركّبة ويبدو ذلك في عينيها. في النسخة الجديدة من الفيلم، تكون العلاقة بين دايفيد وزوجته أكثر عمقاً وقوة».

عنصر مثير

في المقابل، تطلّب دور آيمي ممثلةً شجاعة بما فيه الكفاية لأداء ما وصفه ليوري بـ{المشهد» الذي يعتبر على الأرجح أكثر عناصر Straw Dogs إثارة للجدل. يقول ليوري: «طالما افترضت أننا لن نجد الممثلة المناسبة لأن بيكينباه وجد صعوبة في ذلك. فهذا الدور صعب للغاية. إنه يخيف معظم الممثلات. عندما اتصل بي مدير شركة Screen Gems للإنتاج الفني وأخبرني أنه علينا أن نرشّح كايت بوسورث لهذا الدور لأنها الممثلة الوحيدة التي تتمتّع بالشجاعة الكافية لأدائه، لم أتوقّع حقيقةً أن توافق. طالما اعتبرتها ممثلة جميلة لا أكثر... وحين اقترحنا عليها الدور، لا شك في أنها شعرت بخوف وقلق كبيرين. رغبت في أن تجلس معي وتنظر إلى عينيّ لتعرف مدى إصراري على إبراز أهمية المشهد وعدم التقليل من وطأته. وصلنا إلى مرحلة توقّفنا فيها عن الحديث عن الموضوع لأننا كنا قد ناقشنا كل ما يمكن مناقشته. وقد أبدت بوسورث التزاماً كلياً بالدور».

في عام 2011، لن يثير Straw Dogs الجديد موجة من الانتقادات بسبب مشاهد العنف التي يتخلّلها. يقول ليوري في هذا الإطار: «تغيّر مفهوم العنف في الأفلام كثيراً خلال الأربعين عاماً الماضية. إذ أصبح مبالغاً فيه ومنتشراً للغاية، بحيث لم يعد ثمة ما يخيف الناس ويرعبهم رعباً حقيقياً. لا تستطيع إثارة الرعب في نفوسهم إلا إذا جعلته تفاعلياً أي جعلتهم يشعرون باللكمات التي توجّه إلى الشخصيات. تستطيع ابنتي مثلاً أن تحضر Saw من دون أن تشعر بالخوف لأنها لا تأخذ ما يجري في الفيلم على محمل الجدّ. الأمر برمّته أشبه بلعبة كبيرة».

هل يؤثّر فيلم ليوري في الثقافة الشعبية كما فيلم بيكينباه؟ لا نملك الإجابة. لكن محبّي الفيلم الأصلي سيتفاجأون كم هي مؤثّرة ومميزة النسخة الجديدة، ما يُظهر أن إعادة تصوير فيلم ما ليست بالضرورة عملاً سيئاً بطبيعته.

يوضح ليوري: «أريد اختبار مختلف أنواع صناعة الأفلام، وإعادة تصوير أفلام سابقة نوع قائم بحدّ ذاته. أعاد الأخوان كوين أخيراً تصوير True Grit. لكن السؤال الذي يُطرح هنا: هل يمكنني وضع لمساتي على هذا الفيلم، فأعيد تصوير قصة Straw Dogs، لا فيلم Straw Dogs الذي أخرجه بيكينباه؟».

مع انتشار أخبار إعادة تصوير هذا الفيلم، سيُعاد إصدار النسخة الأصلية منه بتقنيّة الشعاع الأزرق (Blu-ray).

يختم ليوري: «لا يحاول أحد تخريب العمل الأصلي. أودّ تقديم نسختي من القصة ذاتها، تماماً كما نجد نسخاً عدة من مسرحيات شكسبير. لا يعني ذلك أنني مستعدّ لإعادة تصوير أي قصة. على سبيل المثال، لن أحاول إعادة تصوير The Wild Bunch لبيكينباه. فلن أجيد ذلك».