تباغتك تركيبات الفنان التشكيلي محمد الرواس بصفعة تملؤك صحواً وتحمِّل رأسك أحاسيس وتقنيات... في عمله «اجلس أرجوك!» الذي عرضه أخيراً في «غاليري أيام» في بيروت «معركة» أساليب وتأملات تجمع بين قديم الزمان وحاضره...

امرأة على عكازين يغطي حوضها ونهديها شريطان لاصقان، يتكرّر وجهها بنسخة ثانية في ست لوحات من الحرير والكولاج والحبر الصيني، أرفقها بـ DVD وLCD screen أبطالها صمّ وبكم والسيناريو بيت شعر لأبي نواس يقول: «قل لمن يبكي على رسم درس/ واقفا ما ضر لو كان جلس؟»، وكرسي تدعونا إلى الجلوس ليكتمل العمل بحضورنا نحن هدفه الأول والأخير... جلسنا وكان مع الرواس الحوار التالي.

Ad

تقول إن عملك «اجلس أرجوك!» رد فعل ساخر وحاسم على الرجعية في المعتقدات والممارسات المسيطرة على كثر في عالمنا، لكن ألا ترى أن ثمة موضوعات أخرى كثيرة غيره تستأهل مناقشتها في الوقت الراهن؟

الموضوعات التي تتطرّق إليها أعمالي يحرّكها مزاجي الآني، سواء كانت هامشية أو مصيرية. فالأهمية لا تكمن في حالة الموضوع الموضوعية بقدر كمونها في ما أريد أنا قوله وما يشغل بالي. ربما يقول البعض إن اعتبار الحجاب وجسد المراة أمر محظور وعورة ليس بالموضوع الأهم ولا الأسخن راهناً مقارنة بغيره، وأعتقد بأن هذا ما حرَّك سؤالك.

بغض النظر عن أنني أعتبر موضوع القطعة مهمّ ويعبّر عن عقلية بعينها، أو عن أحد مظاهرها، لا بد من أنني صادفت ما دفعني إلى معالجته فنياً. فإضافةً إلى التمسّك بالقشور الدينية لدى البعض وتناسيه أعماق هذا الدين أو ذاك، ربما رأيت لوحة إعلانية تفرض علينا فكراً ما أو سمعت خبراً يتعلّق بهذا الشأن. هنا أقول، في أي حق يتعدى البعض على الفكر العام؟ فالشارع ملك الجميع والمجتمع المدني لا يريد سلطة من أحد، بل يحتكم إلى القانون والأخلاق العامة ولا يجوز أن «يقصف» عيني وأذني وعقلي بإعلانات وأشعار لإجباري على الأخذ بأرائه وتطبيقها.

كانت لديك الجرأة لعرض هذا العمل في إمارة أبو ظبي التي ربما لديها أراؤها في هذا الموضوع.

أنجزت هذه القطعة عام 2007، وفيها استعملت الفيديو للمرة الأولى كمساعد لإيصال النص، أساساً لأجل بينال الإسكندرية لفنون دول بحر الأبيض المتوسط بعدما دعتني وزارة الثقافة في لبنان لتمثيله في هذه التظاهرة الفنية. عند الانتهاء منها ووصولها إلى الاسكندرية شكّكت فعلاً في أن تفسّر على أنها هجوم على العقلية العربية الراهنة، لا سيما أنها تحمل نصاً اجتماعياً- سياسياً... وتوقعت أن تُرفض وإذ بها تنال الجائزة. بالنسبة إلى آرت أبو ظبي 2008، اختارت هذه القطعة لعرضها المسؤولة آمال طرابلسي وللأسف لم أكن في الإمارة كي أرى ردّ فعل الجمهور تجاهها...

وصل العمل إلى واشنطن أيضاً على رغم أنه يتوجّه مباشرة إلى الجمهور العربي فيما قد لا يفهم الجمهور الغربي المقصود منه!

اختارت طرابلسي أيضاً القطعة للمشاركة في معرض  Contemporary Lebanese Art في Katzen Arts Center في واشنطن عام 2010. آنذاك زارني مدير المتحف في المنزل حيث شرحت له عن هذه القطعة فأجابني بأنه لم يفهم شيئاً، ما يؤكد أن هذا العمل موجه إلى ثقافة محددة كما أسلفتِ. فعلاً، ثمة أعمال تنفّذ لمكان معين وتفقد قيمتها ومعناها في حال وُضعت في مكان آخر. لذا كان عليّ في هذه الحال أن أكتب نصاً بالإنكليزية يشرح فكرة القطعة وعناصرها أتوجّه به إلى المتلقين الأوروبيين والأميركيين وغير المطّلعين على حيثيات ثقافتنا... وهم كثر.

هل تقصد أن الإنسان الغربي لا يهتمّ بثقافتنا أبداً؟

لدي عمل أنجزته في عام 1981 عندما كنت في لندن وناقشت فيه هذا السؤال تحديداً. في تاريخ 18 أبريل (نيسان) 1981 اشتريت صحيفتَي «النهار» اللبنانية و»نيو ستاندرد» أو «آيديل ستاندر» اليوم، وقرأت الإثنتين. آنذاك كان الشغب يعمّ حي بريكستل بين السود والشرطة. على الصفحة الأولى من «النهار»، نُشر هذا الخبر، فيما لم تذكر «ستاندرد» أي كلمة عن لبنان. لفتني هذا الأمر وفكرت في بحث مسألة To know or not to know في المطلق.

ولأنني لا أذهب في أعمالي إلى دلالات مباشرة أو Spoon Feeding، فأفكاري ليست محدودة ولا أفترض أن الجمهور غبيّ، فلم أسأل اللندنيين لماذا لا تكتبون عن لبنان؟ بل لجأت إلى ورقة أسئلة عن كتّاب أعمدة في الستاندرد، علماً أن الصحف الغربية تضع صورة الكاتب وإسمه، ثمة من لم يتعرف إلى كتاب كثر في الورقة. هنا نلاحظ أن القارئ الغربي غير مهتمّ بكتابه، فهل سيهتم لأمرنا؟

انقلبت في {اجلس أرجوك؟} على مقاييس اللوحة العادية، هل الاكتفاء باللون والشكل ولعبة الظل وغيرها من عناصر التشكيل لم يعد ينجح في إيصال أفكارك؟

في عملي منذ عام 1997، دخلت في تحوّل أساسي في معنى الفن بالنسبة إلي، وتيقّنت بأن اللوحة ليست «كاندي آرت»، ولا بد من تضمنها رسائل بعيداً طبعاً عن مفهوم الإصلاح. نصي البصري مركب المواد، تُضاف إليه الكلمات التي أعتبرها لغة حوار أخرى ناهيك باللغة الدلالية البصرية للفكرة التي أريد أخذ المشاهد إليها، ولأن لوحتي التقليدية هي أصلاً مركبة المواد فإنني أتَّبع فيها وفي التركيب أيضاً المنطق نفسه: تركيب المواد واستعمالها لضرورات التعبير.

في «إجلس أرجوك»، استعملت الفيديو كوسيط لنقل الواقع الحي المكتمل لفكرة الإعاقة عبر لغة الصم والبكم. كذلك لم ألجأ إلى شخص واحد كي لا أنحو إلى ذهنية معينة بعينها، بل تقصدت اختلاف الأعمار إشارةً إلى تعددية الثقافات والمرجعيات. ولأن الفيديو يتطلب منك الجلوس والفرجة، كان لا بد من وجود كرسي لأقول للمتلقي «خفف الوطء» وأزح عنك أعباء التراث الذي نتقيّد به ليس لتحسين حاضرنا بل للأسف كي نجد معنى لوجودنا الحاضر.

أليست صياغة اللوحة ككائن مادي وتحميلها مضامين ذهنية عملية معقدة جداً وتحتاج الى وقت طويل؟

 

تحتاج لوحتي عادةً شهراً إلى شهرين ونصف الشهر لتتحقّق. خلال هذه المدة، آخذ في الحسبان احتمالات المقولة الذهنية كافة، فلا أتسرّع في إسقاط كل ما يأتي إليَّ من أفكار بل أستنفد الاحتمالات. وفي الوقت نفسه، أهتم بمعيار دور العين في تذوّق ما تراه، أي أنني أحافظ على المعايير الجمالية على عكس المدرسة الفنية القائلة بعدم استعمال العين كمدخل للعمل الفني، وإن الفن مجرد فكرة والألوان والخطوط والأشكال خارج قاموسه.

ما زلت متحيزاً الى النص البصري، لأن معادلته لا تتحدّد فحسب في اللون وتدرجاته والخط والشكل... بل هي أيضاً ملمس تتدخّل عوامل عدة للحصول عليه، إضافة إلى عملية المقاربة بين صورة الشيء وحضوره المادي. مثلاً، تجدين في عمل لي خطاً مرسوماً وحبلاً رفيعاً مشدوداً وضعته عن قصد ليشكل مساراً بصرياً للخط المرسوم، ووجود هذا الخط يختلف عن وجود ذاك. هكذا تتحقّق تجربة المادة الحسية – البصرية لدى المتلقي.

99 بالمئة من لوحاتك تقريباً تحمل صورة المرأة وهي تحتلّ الحيّز الأكبر من هذا العمل أيضاً، هل تجدها مقهورة إلى هذه الدرجة؟

لست مدافعاً عن حقوق المرأة وتحرّكني آرائي الخاصة التي هي بالنسبة إلى مجتمع ملتزم ببعض فئاته جريمة. في لوحاتي، أتكلّم عن الإنسان عموماً وفي هذه الحالة أنا أمام خيارين: الهيئة الأنثوية أو الهيئة الذكورية، ولأنني رجل فأنحاز إلى المرأة. أضيفي إلى ذلك أن جسم المرأة وكيانها وهيأتها أجمل بكثير من الرجل، بالتالي هي عنصر جاذب.

عموماً، في أعمالي لدي نظرة شمولية إلى تطوّر الفن ولا أعتبر نفسي معزولاً أو مقطوعاً عن مسار الفن كلّه منذ بدايته إلى اليوم. لذا أستعير مما يُدعى «هاي آرت» تفاصيل ورموزاً موجودة في لوحات لفنانين سابقين وأخرجها من مضمونها لأضعها في مضمون آخر لفكرة جديدة للإشارة إلى ماضي التشكيل. ضمن هذا التوجّه وضمن نظرتي إلى الموضوع الإنساني ذي الحضور الأكبر في تاريخ الفن، تجدين المرأة هي العنصر الأبرز.

هل تعتقد أن وصول لوحة ما إلى العالمية لا يتحقّق إلا باستعمال عناصر عالمية فيها؟

دار جدل واسع حول هذا الموضوع لكن بصيغة أخرى تقول: «هل يجب على الفنان أن ينطلق إلى الشهرة العالمية بواسطة تبنّي مفرداته الثقافية المحلية أو أن يلجأ إلى الخارج ويتبنى طروحات ومواضيع يهتم بها الفن العالمي، ليعود مشهوراً إلى عالمه؟ أما وجهة نظري فترفض كلا الاقتراحين لأن العمل منتوج في بيئة الفنان الذي هو ابن بيئته وهي البيئة الثقافية لا المادية، فقد أكون مكانياً في أوروبا مثلاً فيما اهتماماتي واطلاعاتي كافة صبغتها عربية. لكن عموماً، لا بد من التأكيد على أن الفنان الذي لا يدخل في وسط الميديا يبقى في محلّه ولا يعلم به أحد، لكن هذا لا يعني أن المشهور فنان جيّد والمغمور سيئ، بل إن من يتعرّض للإعلام لديه فرصة أن يكون معروفاً أكثر من غيره. أمّا العالمية فجميعنا وصل إليها بشكل أو بآخر والـ{فايسبوك» أحد مظاهرها.

النصان البصري والمكتوب، أيّهما يحضر إلى ذهنك قبل غيره؟

في 95 في المئة من أعمالي تقريباً يحضر النص البصري قبل المكتوب. لكن عموماً ترافق عملية إنتاج كل لوحة ظروف وشروط متباينة ومختلفة. فأحياناً تكون بذور الفكرة موجودة وهي الحافز وأحياناً أخرى يؤدي هذا الدور الشكل فأنجزه من دون أن تكون لدي أي فكرة عن كيفية انتهاء اللوحة...

في هذا العمل تحديداً، حضر النص المكتوب قبل النص البصري. إذ كنت أبحث عن صياغة بصرية تشرح فكرة ديمومة الرجعية في الأفكار لدى كثر، وهذا ما انتقده أبو نواس في العصر العباسي. وإذا أمعنا النظر في مجتمعاتنا نتأكد أن العقل العربي لم يتغيّر منذ هاتيك الأيام وإلى حالنا الراهنة.

كيف ترى الوضع التشكيلي الراهن في العالم العربي مقارنة بالغرب، وهل تعتقد أن هذا الفن أمّه الغرب؟

لست مع الطرح القائل بأن الفن التشكيلي جاء من الغرب لسبب بسيط: التشكيل هو عملية صناعة مفردة بصرية تحمل خصائص إبداعية ابتكارية وجمالية، وهذه الملكة يشترك فيها البشر كلّهم ولكن طريقة توظيفها تختلف وتتباين من فرد إلى آخر ومن مجتمع إلى آخر. فالبعض وظّفها في حياكة الأقمشة أو الصباغة أو التاتو والبعض الآخر في صياغة الآنية والتزيين بالخرز... إلخ. لكن ينفرد الغرب في أنه قبل غيره وضع التشكيل كغرض ليس له أي هدف آخر سوى المتعة البصرية. على عكس مثلاً الآنية الزجاجية المصنوعة في العصر الإسلامي والتي تحمل مضامين جمالية إنما لها وظائف أخرى. انطلاقاً من هنا، الابتكار الجمالي ليس غريباً عن المجتمعات العربية ولا مستمداً من حضارات مختلفة عن حضارتها أو ماضيها أو استعداداتها الذاتية.

بالعودة إلى الجزء الأول من السؤال، أرى أن الحصول على مسمى فنان ليس بالأمر السهل تحقيقه، والفنان كائن نادر... ولا بد من الاعتراف بوجود تشكيليين في العالم العربي لا يقدمون إبداعاً ولا نصاً خاصاً مثيراً للدهشة والمفاجأة لأقول عنه: «لم أرَ شيئاً من هذا القبيل سابقاً!»، فهذه الجملة هي الشهادة التي تؤكّد للمبدع أن عمله مميّز وليس اجتراراً أو تقليداً لغيره. لكن في المقابل، لو أراد الفنان أن يجعلني أرى تفاهةً أو عبثاً أو فوضى عن قصد فأنا معه ويستطيع استعمال ما يريد من وسائل.

لكن ألا تعتقد أن كل تشكيلي لا بد من أنه تأثّر بتشكيلي آخر سبقه؟

طبعاً، كل فنان تأثر بفنان أو بفنانين بعينهم، لكن بعد سنواته في عالم الإبداع لا بد من أن يشكِّل هوية خاصة ونصاً فريداً. للأسف، نلاحظ اجتراراً واسعاً لرؤى باتت مستهلكة جداً سواء لدى فنانين محليين أو عالميين، مع وجود طبعاً فنانين متميّزين بنصّهم الذاتي الخاص (تحفّظ عن ذكر الأسماء).

هل حدث أن ندمت على اشتغالك بقطعة ما؟

للحقيقة هي مرحلة بكاملها. في منتصف الثمانينات كنت أعير مضمون العمل اهتماماً أقل مركزاً وبتسرّع على التفاصيل التشكيلية. أقول هذا الأمر اليوم بناءً على قناعاتي وليس لأن هذه الأعمال لم تلق نجاحاً فقد اقتناها كثر ولا أملك أياً منها اليوم. فقناعتي مترسّخة اليوم بأن اكتمال العمل الفني لا يتحقّق إلا بوجود عنصرين مهمّين فيه: الشكل والمقولة الذهنية أو الفكرة.

في تلك المرحلة، رحت أشبّه المرأة بالنبات والنبات بالمرأة وهو موضوع ركيك وخفيف في نظري مقارنة بما سبقه من أعمال وما لحقه. لكن في الوقت نفسه، أعتقد أن الأعمال  التي ندمت على اشتغالها أجابت عن أسئلة كانت تعتليني كي أتخطاها إلى أعمال أخرى، فلا شيء يفعله الفنان ويذهب سدى بل يستفيد من تطوّر الصياغة لديه.

كيف تنظر إلى صيحة دور المزادات التشكيلية في العالم العربي؟

المزادات سلاح ذو حدين في العالم العربي. فعند وصولها إلى منطقة الخليج وتحديداً الإمارات العربية، طبعاً من خلال بيوتات المزادات العالمية مثل «كريستيز» و{سوثبي» وغيرهما، كان لها دور إيجابي للفت نظر الجمهور إلى وجود الفن التشكيلي ثم أهميته وقيمته. فالمطلعون على هذا الفن كانوا قليلين، وكأنهم كانوا بانتظار مصداقية الغرب لتسليط الضوء على هذه الناحية الثقافية الموجودة في العالم العربي أصلاً، وإعطائها أهمية ودوراً وبالتالي صفة «الكولكتيبيل».

للأسف، الدور السلبي الذي ذهبت إليه المزادات بعد ذلك يتمثّل في أنها بدلاً من أن تكون الرائدة في تقديم الجيّد من الفن العربي وتسلِّط الضوء عليه، كان همّها الأول الربح المادي. فخدمت ذوق المقتني بدلاً من توجيهه... فسُلّط الضوء على بعض نماذج من الفن دون المستوى المطلوب من الإبداع والابتكار وراح يُنظر إليه كقيمة فنية عالية. هكذا تشكّل سوق مفتعل لسلع، إذا صحّ التعبير، لا تحمل معايير الفن التشكيلي المطلوبة لكنها في الوقت نفسه تنجح في الحصول على مردود مالي عالٍ.

لكن المزادات شائعة جداً في أوروبا وهي غالباً تعرض أعمالاً مميزة وتحمل قيمة فنية عالية.

لأن المتحف في أوروبا موجود قبل المزاد، بالتالي ذوق الجمهور تشكَّل على أساس مقتنيات المتحف لا معروضات المزاد. أما في العالم العربي، فالمزادات موجودة قبل المتحف، والأخير توضع فيه الأعمال التي نالت المردود الأفضل في المزاد على اعتبار أنها الأفضل، وهنا تكمن المشكلة. لذا علينا أن نثقّف ذاتنا فنياً قبل توظيف أموالنا في اقتناء عمل فني من خلال المزادات أو غيرها. 

على أي أساس تشارك بعمل لك في مزاد ما؟

أعمالي التي عُرضت في مزادات كانت من جامعين للوحاتي مثلاً أو غاليري تقتني أعمالي... ولم يحدث أن شاركت بمزاد ما شخصياً لسبب بسيط هو، أن المزاد يضع العمل في مكان غلط للمفاضلة والمقارنة. ففي نهاية المزاد نرى، عُرفاً، أن القطعة التي حازت المردود الأعلى هي الأفضل، بينما هي في الحقيقة القطعة التي استذوقها الناس أكثر من غيرها. هنا، نعود إلى مسألة «العرض والطلب» وهي لعبة تجارية لا تمتّ إلى الثقافة بصلة. والسؤال الذي يجب أن نطرحه في هذه الحالة: لماذا أعجب الجمهور بهذه القطعة دون غيرها، وهل تحمل فعلاً المعايير الفنية المطلوبة؟ علماً أنه لا بد من الأخذ في الاعتبار تباين الأذواق واختلافها، فليس المطلوب الذهاب إلى «الديكتاتورية» في فرض معايير صارمة على العمل كي نطلق عليه صفة الفن. كذلك أشير إلى وجود فنانين في العالم العربي ممتازين على رغم أن أعمالهم ربما لا تستحوذ على السعر الأعلى في المزادات، وبعضهم لا يشارك أصلاً فيها.

هل سنرى عملاً لك يحاكي التظاهرات التي يشهدها العالم العربي؟

في التسعينيات، أخذت أعمالي التي كنت عاكفاً على إنجازها في لبنان وذهبت إلى لندن حيث أكملتها وعرضتها، فكتب أحدهم حولها عنواناً يقول: أين القضية العربية يا رواس»، وإجابتي كانت أن الفن لا ينجز والفنان تحت ضغط الحدث الآني، فهل مفروض علي حكماً ألا أعالج إلا موضوع الحرب خلال الحرب أو أن أكون مسخراً لمعالجة القضايا؟ كلا طبعاً، أنا أعالج القضايا التي أريد والتي ربما تكون مهمشة أو سطحية أو مهمة...

كتبت صحيفة الـ{ديلي ستار» أنك متشائم من التظاهرات العربية. لماذا، وكيف تقرأ هذه الأحداث؟

فعلاً كان لي حديث هاتفي مع الـ{دايلي ستار» ويبدو أن سوء فهم حصل. فأنا لست متشائماً من الأحداث ولا متفائلاً في آن، وأرى أنه من المبكر جداً الحكم على هذا الغضب. فإذا قرأنا سطح التظاهرات في المنطقة العربية بشكل بريء، نرى أن الشعب انتفض ضدّ القمع والظلم والتعسّف... وكلّها موبقات موجودة فعلاً في الأنظمة العربية. بالتالي، لا بد في هذه الحالة من النظر إلى الثورات بعينين إيجابيتين. لكن في الوقت نفسه لا يمكن لي أن أتوقع أن القادم سيكون كما نحلم، لسبب بسيط هو أن تطوّر المجتمعات لا يتحقّق بلحظة، بل يتأتى نتيجة تراكم تجارب عدة، ناهيك بوجود عقليات رجعية بين الثوار وربما تصل هي الى السلطة، فنذهب من تحت الدلف إلى تحت المزراب. فهل تتوافر في بلادنا القاعدة لإنتاج سياسيين يتحمّلون إدارة البلد وفق حسّ ديمقراطي يعترف بحرية آراء الآخر ومعتقداته؟