افتتحت المصورة والمختصة في الإنتروبولوجيا اللبنانية هدى قساطلي معرضها الجديد Fastes et dévastations في غاليري «أليس مغبغب» في بيروت، ويستمر حتى 21 مارس متضمناً مجموعة من الصور الحديثة عن مباني بيروت القديمة.
تبرز هدى قساطلي في مجال تصوير الأمكنة التراثية والقديمة، من بيوت الطين في البقاع وسورية وصولاً إلى العبارات التي تكتب على شاحنات وقد سمتها «آدب الشاحنات»، وحتى مباني بيروت القديمة المهددة بالدمار أو التي دمرت.في معرضها الجديد، تستأنف مشروعها في توثيق المباني الآيلة إلى الموت والزوال، تقدم صوراً تجمع الجمال والخراب جنباً إلى جنب، خراب يجرف في طريقه «أيقونات» الجمال في العاصمة اللبنانية التي تكبر وتلتهم الجميع، ولا شيء يبقى على حاله فيها، ولا شيء يبقى أمام تحولات الهندسة المعمارية في بيروت والضواحي. هذه التحولات التي لا تساهم في تطوير المشهد العمراني بقدر ما تقدم مدينة مخنوقة تحتاج إلى فسحة للهواء تحكمها عقلية أناس كأنهم غرباء عنها، بالتالي تفتقد إلى الروحية الكوزموبوليتية التي كانت تتمتع بها.مأساةما من شك في أن قساطلي ترصد وتوثق من خلال صورها ملامح هدم ذات المدينة اللبنانية البصرية العمرانية، وتكشف عن مأساة تدمير المباني التراثية و{جماليات المكان» كما كان يسميها الفيلسوف غاستون باشلار، وهي من خلال الصور كأنها تقدم اعتراضاً ونقداً لما يجري في هذه المدينة.كم هي عابقة بالمعاني صورها التي ترصد أشياء باقية من أثر الذين غادروا بيوتهم أو خانوا ذاكرتها، من الطلاء المتآكل والستارة الممزقة والكنبة المستوحدة بين أشباح الغبار وصولاً إلى الزجاج المحطم والقناطر الثلاثية للبيوت العتيقة بشبابيكها المزخرفة وبلاطها الغامق، وحتى الأبواب المتكئة على الجدران بانتظار أن تنقل إلى أماكن مجهولة وربما إلى مستوعب النفايات. كل شيء في صور قساطلي يقول: «كنت منزلاً، وكان يسكنني أشخاص وغادروا، كنت منزلاً وانتظر جرافة لتخطف أنفاسي».صور قساطلي ستكون مع تقدم مسار العمارات الضخمة والمستنسخة في بيروت، أقرب الى اللغة التجريدية «والسريالية» عن مبان كانت نهايتها تراجيدية.على أن كل عمارة أو شرفة من الشرفات التي تصورها قساطلي، تختصر سيرة بيروت التي أوت تحت ترابها سلسلة حضارات قديمة (فينيقية وعربية وبيزنطية وصليبية وعثمانية...)، وعاشت شوارعها سلسلة حروب وتحولات ديموغرافية وعمرانية وتقلبات سياسية وإيديولوجية، وكان للحرب الأهلية (1975 – 1990) أن ساهمت بشكل بارز في تدمير نسيجها العمراني والاجتماعي والثقافي، وأتى زمن السلم ورجال الأعمال ليلتهم ما تبقى، دون أن ننسى ثقافة الممانعة التي لا تنتج إلا الرماد.هدى قساطلي التي بدأت التصوير منذ نهاية الحرب، سبق أن أصدرت كتباً مصورة عدة منها «الليالي» عن المباني القديمة، وكتاب آخر عن قصر بيت الدين، وفي كتابهاLes Camions Peints du Liban d’aujourd’hui، تسللت إلى داخل عادات وتقاليد اجتماعية وظواهر عقائدية وطائفية ودينية وسياسية وثقافية وتراثية وسوسيولوجية في لبنان، وكتبت عن السنوات التي أمضتها على طرقات لبنان تلحق بشاحناته وباصاته لتصوّرها وتحصي العبارات والرسومات كافة التي تزيّن حديدها الثقيل. وتتحدث فيه عن تلك المشاوير الكثيرة التي تشبه رحلات الصيد، وعن العبارات أو الرسومات النادرة التي تنفرد شاحنة ما بعرضها أحياناً.كذلك وقعت قبل أيام كتابها «نور وتراب ــ بيروت سوريا الشمالية ذات القبب» الذي أنجزته مع المصوّرة كارين بويت، ويتناول تعقّب الكاتبة والمصوّرة لشكل البيوت الطينية القديمة.
توابل
الصورة كاعتراض على خراب أيقونات المدينة.. معرض هدى قساطلي في بيروت
22-02-2012