عام 2009، عندما طلب راين غوسلينغ من نيكولاس ويندينغ ريفن إخراج «الجولة» (Drive)، فيلم تشويق مؤثّر عن سائق سيارة يساعد الناس على الهرب، كان المخرج الدنماركي عالقاً في إحدى أسوأ مراحل العمل في هوليوود: مرحلة تطوير الفيلم قبل بدء الإنتاج.

كتبت الـ{واشنطن بوست» أن ريفن كان يحاول إقناع هاريسون فورد بضرورة أن تموت شخصيّته في فيلم التشويق الذي كانا يعملان عليه والذي يتمحور حول عمل وكالة الاستخبارات المركزية. ما زاد الأمر سوءاً هو أن المخرج، الذي يبلغ 40 عاماً ويعيش في كوبنهاغن مع زوجته وابنتيه، كان يعاني حينها من حالة زكام حاد. وحين قابل غوسلينغ للمرة الأولى، كان قد أفرط في تناول الأدوية، فطلب من الممثل، بعد عشاء هادئ  أن يوصله إلى الفندق الذي كان ينزل فيه في سانتا مونيكا.

Ad

تذكّر ريفن تلك الحادثة فيما كان يتناول فنجان قهوة خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن وقال: «كان الأمر أشبه بموعد سيئ مع شخص مجهول. وفجأةً أُذيعت على الراديو أغنية «لا أستطيع محاربة هذا الشعور بعد الآن» لفرقة «سبيد واغن» (REO Speedwagon). أنا أحد أشدّ المعجبين بحقبة الثمانينيات. في تلك الليلة، وجدتُ نفسي مريضاً جداً وقد فقدتُ توازني. كنتُ مشتاقاً إلى زوجتي وابنتيّ. وما كان هاريسون فورد ليقبل بأن تموت شخصيّته في الفيلم. خلال بضعة أشهر، كنتُ سأفلس لا محالة. كان الوضع كارثياً من جميع النواحي. فبدأتُ أبكي».

تابع ريفن بأن فكرة خطرت على باله فجأةً: «صرختُ في وجه راين: «وجدتُها!»، وجدتُ موضوع فيلم «الجولة»! سيتناول قصة رجل يتجوّل في سيارته ليلاً وهو يصغي إلى موسيقى البوب لأنها تمنحه راحة عاطفية». فأجابه راين: «موافق!».

بالنسبة إلى غوسلينغ، كانت تلك اللحظة أشبه بلحظة إلهام مدهشة. بعد قراءة سيناريو «الجولة» المقتبس من رواية للكاتب جيمس ساليس، قال غوسلينغ: «كنتُ أتمنى أن يكون هذا الفيلم عن شاب يتجوّل بالسيارة ويصغي إلى الموسيقى من دون الحاجة إلى المجازفات الكبرى ومشاهد السرعة، بل الاستسلام لسحر التجوّل في السيارة بكل بساطة. وإذا بي أجد ريفن بجانبي وهو يبكي ويغنّي. فتساءلتُ: كيف يُعقَل أن يراودنا الحلم نفسه؟ لم نتمكّن من إجراء حديث طبيعي، ومع ذلك تبيّن أننا نحلم بالمشروع نفسه. الغريب في الموضوع هو أن هذا الفيلم ما كان ليولد لولا سماع أغنية فرقة «سبيد واغن» على الراديو. كنتُ لأوصله إلى الفندق وكان الأمر لينتهي عند ذلك الحدّ».

لا تصغي الشخصية التي يجسّدها غوسلينغ إلى موسيقى البوب تحديداً بل تفضّل موسيقى التكنو. يشار إلى أن «الجولة» أكسب ريفن جائزة أفضل مخرج في مهرجان «كان» السينمائي لهذه السنة. لا يُذكَر اسم السائق مطلقاً طوال مدة الفيلم (سُمّي بالسائق ببساطة عند ظهور أسماء المشاركين في نهاية العمل)، وهو ينضمّ إلى لائحة طويلة من الأبطال الوحيدين الذين لا يتكلّمون كثيراً ويتجوّلون في شوارع المدن وهم في حالة دائمة من الانعزال والصمت، وقد أدى هذه الأدوار، طوال سنوات، كلٌّ من روبرت دي نيرو، ستيف ماكوين، راين أونيل، ولي مارفن. في «الجولة»، تشهد حياة السائق المكتفي ذاتياً نقطة تحوّل جذرية عندما يقابل جارته الجديدة والجميلة أيرين (كيري موليغان).

ينحدر ريفن من عائلة فنّية مرموقة: فوالدته فيبيكي مصوِّرة مشهورة ووالده أندرز محرِّر يعمل مع المخرج لارس فون ترير. حين تطلّق والداه، انتقل للعيش مع والدته وزوجها في مانهاتن حيث تعمّق في معرفة الثقافة الشعبية الأميركية بين سن الثامنة والسابعة عشرة، مع أن والديه كانا يعتبران هذه الثقافة «فاشية». حين بلغ الرابعة عشرة، شاهد سلسلة «مذبحة منشار تكساس» (The Texas Chainsaw Massacre) واتخذ قراره: «أريد أن أخرج مثل هذه الأعمال»!

روك آند رول

بعد عودته إلى كوبنهاغن، التحق ريفن بمدرسة السينما الدنماركية لكن سرعان ما تركها لإخراج أول عمل له بعنوان «تاجر المخدرات» (Pusher)، فيلم المافيا والجريمة الذي حقق نجاحاً كبيراً. سرعان ما عُرف بالطفل الجامح في السينما الدنماركية، وطالما حاول البقاء على مستوى هذا اللقب. تعليقاً على هذا الموضوع، يقول ريفن: «كنتُ شاباً أغوص في عالم «الروك آند رول» والمخدرات وجميع مظاهر الفساد، وكنتُ شخصاً لامبالياً... لذا كنتُ أعدّ أفلاماً منحرفة وجامحة كانت لتدمّرني شخصياً».

عام 2003، أخرج ريفن فيلم «الخوف إكس» (Fear X) مع جون تورتورو، وكان العمل كارثياً وأدى في النهاية إلى تراكم ديون هائلة عليه: «كنتُ في أواخر العشرينات من عمري وأدين بمليون دولار. في ما يتعلّق بمسيرتي المهنية، كنتُ أحد المخرجين الأوروبيين الذين يبالغون في طموحاتهم قبل أن يصطدموا بقساوة الواقع. في تلك الفترة، وُلدت ابنتي الأولى وانقلبت حياتي رأساً على عقب. فقد أصبحتُ أكثر إدراكاً لعواقب أفعالي وتأثيرها في الناس من حولي».

بعد إخراج جزئين من فيلم «تاجر المخدرات» على أمل التخلّص من الديون، أخرج ريفن الفيلمين اللذين لفتا الانتباه إليه في هوليوود: «برونسون» (Bronson)، قصة حياة مؤثرة عرضها ببراعة تامة عن القاتل المتسلسل البريطاني مايكل بيترسون (المعروف أيضاً باسم تشارلي برونسون)، وقدّم فيه توم هاردي أداء تمثيلياً لامعاً؛ و{نهوض فالهالا» (Valhalla Rising)، حكاية من القرون الوسطى من بطولة مادس ميكلسن بدور محارب اسكندينافي أعور يميل إلى استعراض قوّته الفطرية المشابهة لقوة الآلهة القدامى.

يقول بوب بيرني- شركته «فيلم ديستريكت» (FilmDistrict) هي التي ستصدر «الجولة»- إن ريفن في هذه المرحلة من حياته المهنية يذكّره بالفترة التي أُنتج فيها «التذكار» (Memento)، في إشارة إلى الفيلم الشهير الذي أخرجه كريس نولان الذي عاد وأخرج أفلام «الرجل الوطواط» (Batman)، بالإضافة إلى فيلم «البداية» (Inception). يرى بيرني أن ريفن يسير في الاتجاه نفسه، ويتابع قائلاً: «أشعر بأنه سيعيد التوازن بين أفلام هوليوود والمشاريع الشخصية أو المدعومة من أوروبا. لكن عليه أن يدرك هذا الواقع: طالما لستَ كريس نولن، فأنت لست الكاتب الأبرز في هوليوود. إنها معلومة بالغة الأهمية، لكني أظن أنه يستطيع تجاوز هذا الأمر».

بالنسبة إلى ريفن، يشكّل «الجولة» خاتمة لسلسلة أفلام عن رجال يشهدون تحوّلات عميقة في حياتهم. في المرحلة المقبلة، سيعمل مع غوسلينغ في فيلم «وحده الله يسامح» (Only God Forgives)، نسخة جديدة عن فيلم «مسيرة لوغان» (Logan's Run)، وهو من كتابته الخاصة. ثم سيتوقّف عن العمل مع الشبان لفترة. تعليقاً على هذا الموضوع، يقول ريفن: «لا أحبّذ العمل مع الشبّان حصراً. أحب النساء وأنوثتهنّ. حتى أنني أخبرتُ الممثلة كيري موليغان بأن الفيلم المقبل الذي سأخرجه بعد العمل مع راين سيكون عن النساء حتماً وأنها ستؤدي فيه الدور الرئيس. هكذا كان اتفاقنا».