عزّز تقرير صدر أخيراً عن {الأمم المتحدة} الشكوك في أن برنامج إيران النووي يسعى إلى تحقيق أهداف عسكرية وأن فيروسات إلكترونية تخترقه وتهاجمه. وخلال زيارة قام بها مراسلا {شبيغل} إلى المختبرات النووية المثيرة للجدل في طهران، رفض العلماء التعليق على تطوّر العمل، إلا أن حساسية هذا الموضوع تبدو واضحةً في إيران. إليكم التفاصيل...

لا أظنّ أن أحداً قد يرفض أن يتّخذ من أمير رضا جليليان (39 سنة) جاراً له أو زميلاً في العمل أو مرشداً سياحياً. إذ يتحلّى جليليان، رب أسرة، بروح مرحة وصوت مخمليّ. فلا يتوقّف عن قول النكات واللعب بلحيته المشذّبة. وهو يهوى الطعام اللذيذ ويعجز عن مقاومة الحلوى، علماً أن علامات هذه المشكلة بدأت تظهر حول وركيه. كذلك، يؤكد كل مَن عمل معه أنه رجل خدوم ولا يؤذي نملة. إذاً، لا يمكن تشبيه جليليان بالدكتور ستراينجلوف، رجل قد يستمتع برؤية الأسلحة النووية تدمّر العالم أو قد يقدِم هو بنفسه على محو البشرية.

Ad

لكنك تشعر بالريبة عندما تُلاحظ قاسماً مشتركاً بين جليليان وذلك الوحش الخيالي الذي صوّره بيتر سيلرز في فيلمهDr. Strangelove or : How I Learned to Stop Worrying and Love the Bomb (الدكتور ستراينجلوف أو: كيف تعلّمت أن أكف عن القلق وأحب القنبلة) عام 1964. فباتت هذه الشخصية، التي تحوّلت إلى نموذج، تجسّد منذ ذلك الحين فكرة المجنون المصمّم على تدمير العالم. يُعتبر جليليان أحد أبرز الخبراء المتخصّصين في استعمال النظائر الطبي. ويعمل على العناصر الكيماوية التي تُخصَّب لإنتاج الوقود لمحطات الطاقة النووية. إلا أن من الممكن استعمال هذه العناصر لتشكّل أساس الأسلحة النووية.

قلب البرنامج

لا شكّ في أن أحداً لن يرفض أن يتّخذ من جليليان جاراً له أو زميلاً في العمل أو مرشداً سياحياً، شرط ألا يتبيّن لنا أنه يعيش حياة مزدوجة وأن أخلاقه الدمثة ما هي إلا واجهة وأنه يهوى الخداع والمناورة. عرض جليليان على فريق {شبيغل} أن يصطحبهم في جولة إلى قلب البرنامج النووي الإيراني، علماً أن مكان العمل هذا يخضع لحراسة مشدّدة لا مثيل لها في كل أنحاء طهران، حراسة تحميه من كل متطفّل.

يعمل جليليان في الجزء الشمالي من المدينة، ويقع مقرّ وظيفته بين طريقين سريعين، ومنه ترى الجبال بوضوح وتتنشّق هواء نقياً خالياً من الدخان المنتشر في الحوض حيث الجزء الأكبر من مدينة طهران.

في الأحياء المكتظّة في العاصمة الإيرانية، تتخلّل الأبنية السكنية متاجر ومطاعم ودور حضانة. ويفوق حجم المجمع النووي المرتفع فوق المدينة حجم أربعة ملاعب كرة القدم ويضاهي بعرضه منتزه ليل، الذي يبعد عنه نحو بضع دقائق. كذلك، يقع هذا المجمع على مقربة من الدائرة الحكومية.

ما من لافتة تدلّك على أن هذا مقرّ منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، التي تشكّل، وإن رسمياً فحسب، قلب النشاطات النووية كافة في هذا البلد. كذلك، تفصل هذا المجمع عن العالم الخارجي أسوار مرتفعة وأسلاك شائكة، فضلاً عن كاميرات مراقبة إلكترونية تمسح كل زاوية مخبأة. ناهيك بأنه يخضع لحراسة عدد من أعضاء حرس الثورة الأوفياء للنظام. وعلى الزوار عبور مجموعة من نقاط التفتيش الأمنية، بعضها مزوّد بعداد غايغر، الذي يقيس الإشعاعات النووية.

عالم قائم بذاته

يُعتبر هذا المجمع عالماً قائماً بحد ذاته له مسجد خاص به ومقهى ومبانٍ إدارية. وإذا صدقت مصادر المعارضة، يحتوي أيضاً على مختبرات عالية الخطورة. وتقع إحدى أبرز المنشآت النووية المثيرة للجدل في العالم، مفاعل طهران للأبحاث وعالم جليليان، في بناء اسمنتي مقبّب رماديّ اللون لا يلفت الأنظار.

يشكّ خبراء الأمم المتحدة ووكالة الاستخبارات الأجنبية في أن علماء إيرانيين، مثل جليليان، يعملون على تزويد القيادة السياسية في هذه الدولة الثيوقراطية بسلاح نووي. حتى أن بعض زملائه تعرّض لعمليات اغتيال. ففي شهر يناير عام 2010، قتلت قنبلة فُجّرت عن بعد عالم الفيزياء النووية مسعود علي محمدي. وبعد بضعة أشهر، استُهدف العالمان النوويان مجيد شهرياري وفريدون عباسي- دفاني في اعتداء مزدوج. ويُرجح أن تكون فرق الاغتيال الإسرائيلية قد نفّذت هذه العمليات.

يُعتبر هذا الوجه الظاهر من الصراع. لكن لهذا الأخير أيضاً وجه خفي، وجه يشمل استهداف الآلات: حرب الإنترنت أو الهجوم بفيروسات قاتلة تخرّب المنشآت النووية الإيرانية. وتعاني إيران من وجهي الصراع هذين في آن، ما ينشر الخوف والاستهجان داخل أوساط السلطة في طهران. كذلك، يسدّد هذان ضربة قوية تعيق احتمال أن تطوّر إيران سلاحاً نووياً. إلا أنها قد تساهم أيضاً في تفادي حرب تقليديّة تحصد آلاف الضحايا.

رسمياً، يحمل الضحايا الثلاث لقب بروفسور. فقد علّم محمدي في جامعة طهران وشهرياري في جامعة الشهيد بهشتي. أما عباس- دفاني، الناجي الوحيد من الاعتداءات، فخبير في فصل النظائر. لا يرد أن اسم جليليان في لائحة الأمم المتحدة للعلماء الإيرانيين الممنوعين من السفر إلى الخارج، على غرار محسن فخري زاده، بروفسور وعضو في حرس الثورة يُعتقد أنه المنظّم الرئيس لبرنامج أسلحة. ولكن قد يكون مدرجاً في لائحة اغتيال سرّية وضعها الموساد الإسرائيلي.

إنقاذ الحياة لا القضاء عليها

عندما سئل عما إذا كان يخشى عمليات الاغتيال، أجاب جليليان، وهو يهزّ رأسه: {لا بالتأكيد}. أعطى ضيوفه معاطف بيضاء وأحذية بلاستيكية خاصة بالمختبر، وقادهم عبر باب مخصّص للموظّفين. ثم سأل: {لمَ أشعر أن حياتي مهدّدة؟ يقتصر عملي على مواد نووية تُستعمل في علاج السرطان. هدف عملي إنقاذ الحياة لا القضاء عليها}.

راح جليليان يخبرنا خلال جولتنا في مبنى المفاعل أنه درس في طهران وفي مدينة آخن في ألمانيا الغربية وفي الولايات المتحدة. وأكد لنا أن نحو مليون إيراني موزّعين على 135 مركزاً للعلاج بالأشعة في مختلف أنحاء البلاد يعتمدون على ما يُصنَّع في هذا المفاعل من حاوية تضمّ نظير المولبدنوم 99. ولكن ما هذا إلا أحد استعمالات هذه المواد، إذ يمكن أن تُشكِّل أيضاً نقطة الانطلاق في عملية تطوير أسلحة نووية.

يشبه حوض احتواء المفاعل حوض سباحة في فيلم رعب. فترى في المياه الداكنة أشعة زرقاء غريبة. تعود هذه إلى ظاهرة تُدعى إشعاع تشيرنكوف وتحدث حين تعبر الجسيمات دون الذرية المشحونة كهربائياً المياه المحيطة بها بسرعة كبيرة. لاحظنا أنابيب فضّية كانت مستندة إلى أحد الجدران. وعلى الجدار فوق طاولة قراءة نتائج الاختبارات، عُلّقت صورة لقائد الثورة الإيرانية آية الله خميني. بدت هذه الصورة مائلة وقد علاها الغبار، ما أوحى لنا بأن العاملين في هذا المكان منشغلون بمسائل أكثر إلحاحاً من تنظيفها وتصحيح وضعيّتها.

إخفاق تدبير بناء الثقة

يوضح جليليان أن الأجانب الذين لا يملكون أي معارف في هذا المجال {قلما} يحظون بإذن لدخول الموقع. ولكن يبدو أن القيادة السياسية أصدرت إذناً استثنائياً في شهر يناير الماضي، عندما دعا الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد، في خطوة وُصفت بأنها {تدبير لبناء الثقة}، سفراء أجانب يتمتعون بمصداقية عالية في نظر المنظّمة الدولية للطاقة الذرية لزيارة هذه المنشأة. لكن هذا الحدث، الذي أراد منه الرئيس أن يشكّل تطوراً بارزاً في علاقاته العامة، تحوّل إلى مصدر إحراج للنظام. فلم يُدعَ ممثلو ألمانيا وفرنسا وبريطانيا العظمى، دول تنظر بعين الريبة إلى طموحات إيران النووية. كذلك، استثنى نجاد الولايات المتحدة الأميركية.

والمفارقة أن الأميركيين، لو دُعوا، لأحضروا معهم خرائط هذا المفاعل القديمة. بنت الولايات المتحدة مفاعل الماء الخفيف هذا بقدرة 5 ميغاواط، وانتهت من العمل عليه عام 1967. كان هذا المفاعل يزوّد نظام الشاه بيورانيوم يمكن استخدامه لأغراض عسكرية. وقد علم كثر في واشنطن أن الشاه أراد تطوير قنبلة نووية، علماً أن هذه الطموحات لم تزعج، على ما يبدو، السياسيين الأميركيين آنذاك. إلا أن الولايات المتحدة توقّفت عن تزويد إيران بقضبان الوقود عقب ثورة 1979. أمنت الأرجنتين قضبان الوقود لطهران فترة وجيزة. لكن عندما فرضت الأمم المتحدة عقوبات على إيران بسبب مناوراتها المخادعة، انقطع التعاون بين البلدين.

مجزرة جماعيّة

أشار جليليان إلى كاميرات تسجّل أي تحرّك حول الحوض، وقال: {يخضع مفاعلنا لمراقبة دقيقة}. وتابع موضحاً أن الموقع مجهّزٌ بأدوات استشعار وأن مسؤولي الوكالة الدولية للطاقة الذرية يقصدون هذه المنشأة لإجراء مزيد من عمليات التفتيش. غير أن إيران لم تصدّق على البروتوكول الإضافي الذي يتيح لأجهزة المراقبة التابعة للأمم المتحدة بإجراء عمليات تفتيش لا يُعلن عنها. ولكن اضطر الإيرانيون إلى الإقرار بأنهم نفذوا تجارب استخدموا فيها البلوتونيوم 210، العنصر الذي يُستخدم لإطلاق تفاعل تسلسلي في قنبلة نووية.

استفزّ القادة الإيرانيون المجتمعَ الدولي بطرق عدة. فقد أمضوا فترة طويلة في التفاوض بشأن اتفاق تبادل يُرسل بموجبه اليورانيوم المخصّب إلى الخارج مقابل الحصول على قضبان وقود لمفاعل طهران. إلا أنهم سرعان ما تملّصوا منه. كذلك، يواصلون عملية تخصيب اليورانيوم، منتهكين بذلك كل القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة. فضلاً عن ذلك، ما عادوا اليوم يكتفون بتخصيب اليورانيوم إلى نسبة 3.5% لإنتاج قضبان الوقود، بل صاروا يخصّبونه إلى نسبة 20% تقريباً. وتُعتبر هذه خطوة أساسية نحو إنتاج مواد يمكن استخدامها لأهداف عسكرية. بيد أن جليليان يؤكد أنه وزملاءه لا يريدون سوى إنتاج المواد الضرورية لإمداد المفاعل بالوقود.

لعلّ علي أصغر سلطانية (60 سنة)، السفير الإيراني لدى الوكالة الدولية للطاقة الذرية في فيينا طوال السنوات الست الماضية، أفضل مَن يمكنه وصف قوى الذرة الشافية. يعرف سلطانية، عالم فيزياء، كامل التفاصيل عن مفاعل الأبحاث لأنه فيه بدأ مسيرته المهنية. لكن مشكلة هذا الرجل اللطيف تكمن في أنه لا يحظى بالدعم إلا من بلدان أفريقية وآسيوية، فضلاً عن ثوار كوبا وفنزويلا المسنين. فمجموعة {الخمسة زائد واحد} التي تتفاوض مع سلطانية بشأن المسائل الأساسية (الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا العظمى، روسيا، الصين، فضلاً عن ألمانيا) بدأت تشعر بالاستياء من تصريحاته.

ومنذ حلّ الدبلوماسي الياباني يوكيا أمانو (63 سنة) محلّ المصري محمد البرادعي الأكثر تساهلاً كرئيس للوكالة الدولية للطاقة الذرية في أواخر عام 2009، ازداد التعامل مع إيران حزماً. فقد أشار التقرير الأخير الصادر عن هذه الوكالة بوضوح إلى أن إيران رفضت الإجابة عن أسئلة بالغة الأهمية بشأن {الأبعاد العسكرية المحتملة} لبرنامجها النووي. لذلك، طالب أماندو طهران، التي {لا تلتزم بعدد من واجباتها} بمزيد من التعاون. صحيح أن أجهزة الاستخبارات الأميركية باتت أكثر حذراً في تعاملها مع مسألة الطموحات الإيرانية، مشيرة إلى {غياب الأدلة على برنامج نووي عسكري}، إلا أن الوكالة الدولية للطاقة الذرية تبنّت أخيراً لهجة تعكس تنامي مخاوفها. ففي مطلع الشهر الجاري، أفاد المفتّشون النوويون بأن طهران تطوِّر رأساً حربياً نووياً.

هجمات عبر الإنترنت

تعاني الجهود الإيرانية بعض التباطؤ في عدد من المجالات الأساسية. على سبيل المثال، لم تتمكّن طهران حتى اليوم من تحقيق زيادة ملحوظة في عدد أجهزة الطرد المركزي العاملة أو كمية اليورانيوم المخصب التي تملكها. وقد يكون فيروس {ستاكسنت} الإلكتروني والحرب عبر الإنترنت سبب هذه العقبات. يعتقد ديفيد أولبرايت، مدير معهد العلوم والأمن الدولي الغني عن التعريف في واشنطن، بأن المعتدين {خططوا} لإدخال هذه الفيروسات إلى الأنظمة الإيرانية، وبذلك قضوا على نحو 1000 من تسعة آلاف جهاز طارد قائمة في إيران. حتى أن خبراء آخرين يظنّون بأن هذا الفيروس الإلكتروني الخبيث دمّر ثلث أجهزة الطرد الإيرانية. ويعتبر كثر أن الإسرائيليين والأميركيين يقفون وراء هذا الاعتداء.

علاوة على ذلك، عبّر مير داغان، رئيس الموساد لسنوات، عن فرحه لأن إيران تعاني {نقاط ضعف تقنية بالغة الأهمية} وأنها لن تتمكّن على الأرجح من تطوير قنبلة قبل عام 2015. ولا يُخفى على أحد أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي اختبر تأثير فيروس {ستاكسنت} على أجهزة طرد فعلية في صحراء النقب تنتمي إلى الطراز عينه كما أجهزة الطرد المستخدم في مفاعل ناتانز الإيراني وتلك التي ستُركّب في مفاعل قم.

أخبر سعيد جليلي، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي في إيران وحليف لصيق لأحمدي نجاد، {شبيغل} نحو منتصف شهر يناير الفائت بأن الدودة الإلكترونية أصابت منشآت إيران النووية. إلا أن هذا السياسي النافذ ادّعى أيضاً أن الاعتداء قد {صدّ}. وفي مقابلة مع صحافي إسرائيلي نحو منتصف شهر أبريل، بدا رئيس جهاز الدفاع المدني الإيراني أقل حماسة وتفاؤلاً. فقد تحدّث عن {ضرر كبير محتمل} ولم يكتفِ باتهام الإسرائيليين والأميركيين، بل وجّه أصابع الاتهام أيضاً إلى شركة الهندسة الألمانية الكبرى {سيمنز}، مدعياً أنها كانت على علم بهذا الهجوم عبر الإنترنت وأنه كانت لها يدٌ فيه، على رغم أن الشركة نفت هذه المزاعم. نحو أواخر شهر أبريل، أعلن قائد الجيش في طهران أن فيروساً إلكترونياً جديداً يُدعى {ستارز} هُرّب إلى إيران. ويُقال إنه زُرع في عدد من الشبكات عبر وثائق حكومية، إلا أنه لم يتسبّب إلا {بضرر محدود}.

محطّة تثير قلق جيران إيران

لم يتّضح بعد ما إذا كانت حرب الإنترنت هي المسؤولة عن التأخّر المستمر في إطلاق العمل في محطة بوشهر النووية. تلقي السلطات الإيرانية اللوم على خلل يشوب عدداً من المضخّات. لكن الدول العربية المجاورة لإيران تعبّر صراحةً عن أن هذه المحطة النووية تثير قلقها، لا بسبب احتمال استخدامها لأغراض عسكرية فحسب، بل بسبب موقعها أيضاً. تقع محطة بوشهر وسط منطقة معرّضة للزلازل في جنوب غرب إيران. ومن الممكن لحادث مؤسف على غرار ما شهدناه في محطة فوكوشيما في اليابان أن يؤدي إلى كارثة تتخطّى الحدود الإيرانية.

طبعاً، يدرك العلماء في المجمع النووي شمال طهران مشاكل البرنامج النووي الإيراني، الحرب عبر الإنترنت، والعقبات التي تصطدم بها إيران. إلا أنهم رفضوا جميعاً التعليق على هذه المسائل، التي يعتبرونها عالية الحساسية، على ما يبدو. ويكتفون بالقول إنهم في منشأتهم هذه يتعاطون مع مسائل مختلفة وأكثر إلحاحاً. يحتاج المرضى الإيرانيون إلى {إمدادات طبية}، حسبما أخبرنا جليليان وعلى وجهه ابتسامة دافئة. يصرّ هذا العالم على أنه لا يحب قنبلة قتل الناس، بل أشعة تقضي على الأورام الخبيثة.

هل يلزم أن يعرب العالم عن تسامح كبير ويتغاضى عن خطر أن بعض المواد المشعة التي تُنتج لأغراض طبّية في مفاعل إيران النووي المخصّص للأبحاث قد يحوَّل ليُستعمل في إنتاج مواد خطيرة تُستخدم كسلاح؟ هل ينبغي للقادة الإيرانيين، الذين يتحملون لوماً كبيراً لأنهم باتباعهم سياسات نووية صارمة دفعوا الأمم المتحدة إلى فرض أربع جولات من العقوبات على الشعب الإيراني، أن يقبلوا بصفقة لتخصيب اليورانيوم، ولو كان ذلك لأسباب إنسانية فحسب؟ وهل يُعقل أن يحوِّل السياسيون مرضى السرطان إلى بنادق تتلطّى وراءها كل أطراف الصراع؟

لا يتطرّق جليليان إلى هذه الأسئلة. لكنه سمع بخطط الإسرائيليين {السخيفة} حول احتمال قصف المنشآت النووية في ناتانز، قرب أصفهان، وخارج قم. كذلك، يُقال إن مفاعل الأبحاث في طهران يحتلّ مرتبة بارزة على لائحة المواقع المحتملة التي قد تستهدفها ضربات جوية. خلال تناول الغداء في المقهى، ردّد جليليان، الذي قلّما تخرج من فمه كلمة نابية، تحذيراً قاسياً وطلب من ضيوفه نقله إلى العالم: {ستؤدي أي ضربة عسكرية توجَّه ضد منشأتنا إلى تلويث كامل شمال طهران بالأشعة النووية، من الأبنية إلى المتاجر والملاعب. ستشكِّل هذه العملية مجزرة جماعية}.