قرار التفليس مهين في المجتمع الاقتصادي المكون من عائلات

Ad

سعت الشركات الكويتية منذ بداية اندلاع الأزمة المالية منتصف عام 2008 إلى عمليات إعادة الهيكلة وإعادة التمويل لإنقاذها من شبح الإفلاس، فكانت إعادة الهيكلة عنوان الفترة الماضية، خاصة أنها تمثل الحل النموذجي لإنقاذ الشركات المتعثرة في ظل انخفاض أصولها وتحقيقها خسائر كبيرة، وهو ما نتج عنه مشاكل اقتصادية كبيرة مثل تسريح عدد كبير من موظفيها وتقليص مصاريفها، كما قلصت شركات كثيرة مكافآت مجالس إدارتها أو لجأت إلى إلغائها كلها، إلا أن هذه الاجراءات لم تكن كافية لبعض الشركات التي وصلت خسائرها إلى حد يصعب عليها معالجته وهو الامر الذي جعل الافلاس أمراً محتوماً في النهاية.

ومع تصاعد الازمة أبدت غالبية الشركات المتعثرة التي على شفا الافلاس صبراً طويلاً مستخدمة جميع الطرق والمحاولات لانقاذ نفسها من هذا الخطر، فتارة تلجأ إلى اعادة هيكلة ديونها وتارة اخرى تطلب تدخل الحكومة بالمال العام لانقاذها، فمنها من نجح خاصة مع الانتعاشة المحدودة التي شهدتها الاسواق في 2010 إلا أن النهاية الدرماتيكية التي انتهى بها هذا العام بسببب اضطرابات سياسية في المنطقة اضافة إلى الأزمة الأوروبية أدت إلى انهيار مقاومة بعض الشركات وعدم قدرتها على سداد التزاماتها.

ويعد السبب الرئيسي لمقاومة الشركات لإفلاسها هو النظرة الازدرائية التي ينظر بها مجتمع الاعمال الكويتي للافلاس فطبيعة الشركات الكويتية التي يغلب عليها الطابع العائلي تجد أن الافلاس يعد وصمة سيئة للعائلة التي قد تفلس احدى شركاتها، في حين أن الدولة المتقدمة اقتصادياً تنظر للافلاس على انه جزء من عملية انقاذ للشركات التي لديها أصول جيدة لحمايتها حتى تعود مرة أخرى.

وحدد القانون الحالي عدة شروط لابد ان تتوافر في الشركات التي يجوز افلاسها أهمها: توقف الشركة عن سداد التزاماتها بسبب اضطراب اعمالها المالية، واكتساب الشركة للشخصية المعنوية المستقلة عن اشخاص الشركة، مبيناً ان الشركات التي يجوز افلاسها وفقا القانون الكويتي، هي شركة التضامن وشركة التوصية بنوعيها، وشركة المساهمة، والشركة ذات المسؤولية المحدودة، ولا يكفي توافر هذه الشروط لاعتبار الشركة في حالة افلاس، بل لا بد ان يصدر حكم بذلك من المحكمة المختصة.

وكان فريق من البنك الدولي قد بحث مسودة مشروع قانون جديد للافلاس لتنظيم عمليات إصلاح نظام الإفلاس وحقوق الدائنين في الكويت، بالتعاون مع وزارة التجارة والصناعة، وباستشارة الجهات المعنية بذلك مثل اتحاد المصارف وغرفة التجارة واتحاد شركات الاستثمار، لتطوير النظام المالي في الكويت ودعم الشركات لمواجهة الأزمات الاقتصادية.

"الجريدة" استطلعت آراء عدد من الخبراء والاقتصاديين حول الموضوع، والذين أكدوا أن الخطوة التي قامت بها وزارة التجارة والصناعة لإعداد قانون جديد للافلاس ايجابية وسيكون لها مردودها على قطاع الاعمال والاقتصاد الكويتي ككل، موضحين أن الافلاس في القانون القديم يعد وصمة سيئة لمن يقدم عليها رغم أنه يفترض أن يكون مخرجا مؤقتا للمفلسين حتى يقوموا بإعادة ترتيب أوضاعهم واستعادة توازنهم ليعودوا من جديد.

حماية الدائنين

أكد الرئيس السابق لاتحاد المصارف عبدالمجيد الشطي أن الكويت لديها قانون للافلاس ولكنه قاصر ويحتاج إلى إعادة النظر فيه بتشريع قانون جديد، موضحاً ان القانون الحالي الخاص بالافلاس والعجز عن السداد قديم ولا يواكب التطورات في بيئة الاعمال الحديثة، داعياً إلى ضرورة مراجعة القوانين الحالية على ضوء المستجدات التي فرضتها الازمة.

وطالب الشطي بضرورة أن يكون هناك تشريع جديد لتسهيل الاجراءات على المفلسين حتى لا يكون قرار التفليس مهين فجميع الشركات الكويتية تقاوم الافلاس لانه قد ينهي على سمعة مساهميها وادارتها، وهو أمر غير وارد في الدول المتقدمة حيث تكون التصفية فرصة للشركات التي لديها قدرة على النهوض مرة أخرى، موضحاً أن صدور مثل هذا القانون سيكون له تأثير ايجابي على الاقتصاد ككل.

وأضاف الشطي أن القانون الجديد يجب أن يحمي ويحافظ على حقوق الدائنين، حتى لا يكون هناك شبه تدليس في الافلاس للهروب من الدائنين، لافتاً إلى ضرورة أن يكون قانونا محايدا لا يحمي أو يؤثر سلباً في الشركات المتعثرة أو البنوك الدائنة، موضحاً أن الكل مسؤول عن قراراته الاستثمارية، فالبنوك مسؤولة عن قراراتها بشأن التمويل والتوسع فيه وهي مسؤولية أخلاقية، وادارة الشركة التي لم تحسب قدرتها على السداد مسؤولة أيضاً، لذا يجب أن يكون القانون عادلاً للدائن والمدين.

وأوضح أن أهم الاسباب الرئيسية لافلاس الشركات هو انخفاض الاصول بسبب الازمات المالية وانخفاض اسعار المواد الأولية والركود وهو ما يؤدي إلى خلل في آليات السوق، وهي أمور تستدعي تدخل الدولة أما عن طريق التشريعات أو بدعم الشركات الجيدة لاعادة تطويرها وهيكلتها بما يسهم في انقاذها من الافلاس.

قانون عصري

قال رئيس مجلس ادارة مجموعة الاوراق المالية علي الموسى ان اجراءات الافلاس في الكويت معقدة وصعبة وعفا عليها الزمن، مشدداً على "حاجتنا لقانون عصري متطور لحماية المتعثر أو المفلس كما حدث في أميركا خلال ذروة الازمة المالية".

وأكد الموسى أن الافلاس في القانون القديم يعد وصمة سيئة لمن يقدم عليها رغم أنه يفترض أن يكون مخرجا مؤقتا للمفلسين حتى يقوموا بإعادة ترتيب أوضاعهم واستعادة توازنهم ليعودوا من جديد، فالافلاس في الكويت يعد علامة على الخروج من السوق وعدم القدرة على العودة إليه مرة أخرى، مطالباً بضرورة تغيير هذا النظرة اذا اردنا تطوير اقتصادنا ليضاهي الاقتصادات المتقدمة.

وشدد على أن قيم ومعتقدات المستثمر قابلة دائماً للتغيير مع تبدل البيئة الاستثمارية والتشريعات الاقتصادية.

وبين أن الهدف من قانون الافلاس هو العدالة في المعاملة بين الدائنين على اساس الاولويات التي حددها القانون بإتاحة المراقبة للمصفي الذي تعينه المحكمة لتجنب الوقوع في أخطاء قد ينتج عنها ضياع حقوق الدائنين بما يتيح في النهاية الفرصة للحفاظ على قيم اصول الشركة.

ودعا الموسى إلى عدم استباق الامور قبل أن يظهر القانون الجديد، فقد يغطي جميع الجوانب وقد يغفل العديد منها، لذا سننتظر صدور القانون حتى يتم تحديد مدى امكاناته لاحتواء ازمة الشركات المتعثرة المقبلة على التفليس في الكويت، معرباً عن أمله أن يتم اعداد قانون عصري يواكب القوانين المعمول بها في الدول المتقدمة من جهة على أن يكون ملائما لطبيعة الاعمال في الكويت من جهة أخرى.

وأوضح الموسى أن القوانين العالمية بهذا الشأن تتركز في تنظيم الدائنين والاتفاق على التعاون وتنسيق الجهود والشفافية في الحصول على المعلومات، بالاضافة الى المساواة في المعاملة مع الدائنين ووضع إعادة الهيكلة التشغيلية كأولوية.

أمر إيجابي

قال رئيس مجلس إدارة الشركة الكويتية للتمويل والاستثمار صالح الحميضي إن القانون الجديد يمثل أمرا ايجابيا للشركات غير القادرة على تسوية التزاماتها وديونها، لتكون قادرة على تجاوز أزمتها والعودة مرة أخرى، أو يوفر نوعا من الحماية لأصول الشركة وممتلكاتها من التلاعب بها حتى يتم سداد التزامات الدائنين.

وأوضح الحميضي أن هذا القانون سيعطي مرونة وشفافية أكثر للعديد من الشركات المتعثرة، لتمكنها من التعامل مع دائنيها ليتم كفالة حقوقهم في الوقت نفسه بطريقة قانونية، موضحاً أن هذا القانون يعد خطوة أولى نحو تطوير النظام المالي في الكويت، ورفع قدرته على مواجهة الأزمات المالية في المستقبل.

وأضاف أن القانون الحالي حال دون معالجة وضع الشركة التي تفلس بما يسبب إحراجا للشركة المتعثرة ومساهميها أمام الدائنين على مستوى سمعتها التجارية واهتزاز ثقة العملاء بها، داعياً إلى ضرورة أن يعتمد القانون الجديد على المقاييس العالمية لمعالجة تعثر الشركات بما يلائم طبيعة الخصوصية التي يتمتع بها الاقتصاد الكويتي.

منع التلاعبات

أكد عضو غرفة التجارة والصناعة طارق المطوع أن اصدار قانون جديد للإفلاس في الوقت الحالي مهم جداً لحماية الشركات المتعثرة ومساهميها من جانب والدائنين من جانب آخر، موضحاً أن هذا القانون سيتيح للشركات أن تحافظ على ما بين 60 و70 في المئة من أصولها مقابل انهيارها وضياع 100 في المئة من أصولها.

وأضاف المطوع أن القانون الحالي ليس فيه أي فصل تشريعي يقضي بحماية الشركات المتعثرة من الدائنين، باستثناء جزء منه موجود في قانون الاستقرار المالي وهو محدود جداً، مشدداً على ضرورة أن يحمي القانون الجديد موجودات الشركات المتعثرة التي كان تعثرها بسبب وجود أخطاء إدارية فقط وليس التي تعثرت نتيجة تدليس أو تلاعبات مالية قد تتطلب تحويلها إلى القضاء.

وشدد المطوع على ضرورة ألا يفتح القانون الجديد المجال أمام المدلسين بأن يجدوا منفذاً لهم للخروج من تجاوزاتهم وتلاعبهم بأموال المساهمين الى الخروج دون مسؤولية أو عقوبة تجرم فعلتهم، مطالباً بضرورة أن يشتمل القانون على ما يفرق بين من يفلس هروباً من التزاماته مع الدائنين ومن يريد الافلاس لإنقاذ حقوق الشركة.

وأشار إلى أن البنوك ستكون مستفيدة من هذا القانون لأنه سيسهل لها سرعة الحصول على مديونياتها المتعثرة دون اللجوء إلى القضاء وانتظار أحكامه التي قد تتأخر في بعض الأحيان.

ولفت إلى أن رفض أغلب الشركات الكويتية لفكرة الإفلاس يعود الى ترسخ الصورة الاجتماعية السلبية تجاه إدارة ومساهمي الشركات المفلسة، التي يرفضها الجميع لحفظ ماء الوجه أمام مجتمع اعمال بنيته الأساسية من العائلات، مبيناً أن ذلك نتج عنه تماسك الشركات حتى الآن وعدم ظهور أي حالة افلاس، حيث اكتفت الشركات بالمراقبة وانتظار تحسن الاسواق دون اتخاذ خطوات حقيقية للخروج من أزمتها، مؤكداً أن هذه الشركات يجب أن تخرج من السوق لأنها غير قادرة على التأقلم أو مواكبة تطورات السوق.

الإفلاس ليس أمراً سلبياً

شدد عضو غرفة التجارة والصناعة خالد مشاري الخالد على ضرورة أن يفرق قانون الافلاس بين الشركات المتعثرة بسبب انخفاض الاسواق وهبوط الاصول والازمات العالمية، والتي تجب مساعدتها، وبين الشركات التي تتعثر بسبب سوء الادارة وعدم مواكبتها لظروف السوق، والتي قد تلجأ إلى الافلاس هروباً من المساهمين، مؤكداً أن في هذه الحالة يجب أن تتم مساءلة أعضاء مجلس إدارة هذه الشركات قانونياً من قبل المساهمين عند اكتشافهم ضياع أموالهم.

وأضاف الخالد أن الدخول في عمليات الإفلاس ليس عاراً أو أمرا سلبيا بل قد يكون حلا جيدا للمستثمرين والسوق، وذلك بخروج الشركات الضعيفة والورقية غير القادرة على الاستثمار، والتي ليس لديها اصول أو عوائد تشغيلية، وبقاء الشركات ذات القيمة المضافة إلى السوق.

وذكر أن هناك شركات في أميركا أفلست أكثر من مرة ثم عادت وتابعت اعمالها، مثل شركة "دودج" للسيارات التي أفلست ثلاث مرات طوال تاريخها وقامت الحكومة بمساعدتها حتى عادت إلى عملها مرة أخرى، موضحاً أن مساعدة الحكومة لها كانت بهدف حماية الموظفين العاملين بها ودعماً لشركة جادة لها مساهمة مؤثرة في الاقتصاد.

وأوضح أنه وفقا القانون الكويتي, لا يمكن محاسبة مجلس إدارة الشركات المتعثرة التي على شفا الافلاس، طالما أوفت موجوداتها لسداد 20 في المئة على الأقل من ديونها, مؤكداً انه من المفترض أن تتحدد مسؤوليات أعضاء مجلس الإدارة حسب مساهمتهم في رأس المال.

وأشار الخالد إلى أن هناك ضرورة ملحة لوجود مثل هذا القانون من أجل التعامل مع حالات التعثر المالي مع تحقيق بعد الشركات لخسائر كبيرة تجاوزت الـ75 في المئة من رأسمالها.