سعى الممثل والمنتج يوسف الخال بعد 15 عاماً من التمثيل الى تقديم شخصيات منوَّعة ومركَّبة تخرجه من قالب الشاب الرومانسي الذي طالما وُضع فيه، فكان دوره الأخير في مسلسل «باب إدريس» بشخصية البطل الثوري خير دليل على قدراته التمثيلية وعلى انه ممثل لكل الفصول.عن أعماله الأخيرة وتطلعاته الى الدراما اللبنانيَّة تحدث الخال الى «الجريدة».
سُلط الضوء على مسلسلك الأخير «باب إدريس» على أنه نقلة نوعيَّة على صعيد الدراما اللبنانية الرمضانية، فما رأيك؟كلما نجح مسلسل ما يُقال إنه حقق نقلة نوعية. لفت «باب إدريس» انتباه كثر بسبب مستواه الانتاجي العالي وضمه مجموعة كبيرة من الممثلين وتحدّثه عن حقبة معينة، إضافة إلى تزامنه مع مسلسلات رمضانية أخرى، ما أدخله المنافسة العربية الدرامية، ولا يجب بعد اليوم تقديم ما هو أقل مستوى منه. أمَّا «النقلة النوعية» فلم تبدأ مع هذا العمل فحسب، خصوصًا أن مسلسلات «أجيال» و{سارة» و{الطائر المكسور» و{لونا»، إضافة الى أعمال المنتج والمخرج إيلي معلوف، لم تأت أقل أهمية من «باب إدريس».دور «راشد» في «باب ادريس» مختلف عن أدوارك السابقة، فما تقويمك له؟سعيت دائمًا الى التنويع في أدواري والخروج من صورة الشاب الرومانسي، لأنه يتوجَّب على الممثل تقديم الحالات الإنسانية المختلفة والشخصيات المتعددة. فجاء توقيت دور «راشد» مناسبًا لتقديم شخصية جديدة مختلفة عن أدواري السابقة. أشير هنا الى أن شخصيتي الحقيقية أقرب الى «راشد» منها الى «تيو» في «أجيال» و{طارق» في «سارة»، وهذا ما يجهله الجمهور الذي يظنّ أنني أبذل مجهوداً لتقديم شخصية «راشد»، فيما العكس صحيح. لذلك اهتممت بأدق التفاصيل بدءًا من الصوت، ووصولاً الى طريقة المشي والتفكير، مؤديًا دوري بشغف كبير فكانت ردود الفعل إيجابية.هل لهذه الأسباب قبلت هذا الدور؟طبعًا، عندما عرفت ماهية هذه الشخصية لفتني الموضوع فقرأت النص وقبلت به على رغم وجود شخصيات أخرى ربما أهم منها في المسلسل. أحببت تركيبة الرجل الثوري والعنجهي، التي تكسر إطار العاشق المعذب الذي وضعت فيه سابقًا.هل تُفرض عليك أدوار بعينها بسبب جاذبيتك؟نعم، أحيانًا أظلم من هذه الناحية. فتلفتني أدوارًا وأحب تقديمها، لكن تُسند الى ممثل آخر كي يكسر المخرج أو المؤلف القالب الذي طالما وُضعت فيه، علماً أنني أحب تقديم الأدوار المركبة التي ترتكز على الأداء والإحساس بعيدًا عن شكلي الخارجي.ماذا يعني لك التمثيل؟ليست هذه المهنة رحلة تسلية، والتمثيل موقف و{فشَّة خلق» ولا يقتصر على النجومية. أزيح عن نفسي الضغط الحياتي والقلق من المستقبل والهموم من خلال التمثيل، وأشبه بذلك شقيقتي ورد التي تنفصل عن العالم الخارجي بمجرد وقوفها في موقع التصوير.كم من الشخصيات تطمح الى أدائها ولم يتسن لك ذلك بعد؟على رغم أنني أمثل منذ 15 عامًا بتفرّغ تام، ما زلت أطمح إلى تقديم شخصيات كثيرة لم يتسن لي تجسيدها بعد. أسعى الى الأدوار الصعبة لأنها تستفزّني لتبيان أفضل ما لدي. الى ذلك، تبقى لكل سنّ حيثياته وأدواره، لذلك آمل في أن تكون العروض المستقبلية خصبة أكثر على صعيد التعددية في الشخصيات، انطلاقًا من اكتسابي المزيد من الخبرة والوعي في اختيار الأدوار وقراءة الأعمال.قدمت سابقًا دورًا كوميديًا خفيفًا، هل يستهويك هذا النوع من الأدوار؟أشتاق الى الكوميديا التي أرى أنها أحد أصعب أنواع التمثيل. لكن، للأسف، نحتاج الى عدد كبير من كتّاب المواقف المضحكة، لأن ما يُعرض راهنًا من أعمال ليس مبهرًا وإنما هو تهريج أو مواقف سطحية، ما يؤدي الى سيطرة أعمال التراجيديا والقصص الاجتماعية. سورية ومصر تتفوقان علينا في هذا المجال، مع الإشارة الى أننا اذا تابعنا لهما عملاً كوميدياً، أو اثنين، يكون ذلك لإعجابنا بالممثلين وليس بالنصوص.قدَّمت البرامج وكانت لك تجاربك في الغناء، هل يدعم ذلك مسيرتك كممثل؟اتهمني بعضهم أنني لا أعرف ماذا أريد، وهذا غير صحيح. أنا ممثل يجرِّب أمورًا مختلفة تصبّ في إطار عالم التلفزيون الواسع. وأرى أن هذه التجارب تدعم مسيرتي التمثيلية طالما أنها لا تخدشها، والدليل الى ذلك رفضي أخيرًا برنامجًا جديدًا لا يقدم أو يؤخر في مسيرتي كونه مشابهًا لما قدمته سابقًا.بالنسبة إلى الغناء، غنيت في عملين مسرحيين للرحابنة لأنني أملك صوتًا مقبولاً، كذلك غنيت «جنريك» مسلسلات عدة لأنني أحب الغناء وأعتبره «فشة خلق» أيضاً، وليس لأنني أريد فرض نفسي كمطرب.ربما يرى البعض أن تقديمك أحد البرامج يصبّ في إطار التسويق له واستغلال نجوميتك.إنها عملية استغلال متبادلة لصالح المهنة، فإذا عرض عليّ أحدهم تقديم برنامج ما، يجب أن يقبل شروطي المادية والمعنوية.هل من مشاريع على صعيد المسرح الاستعراضي؟كانت التجربة الأخيرة مع الأب فادي تابت في مسرحية «صاحب الغبطة والسلطان» ممتعة، لأنها أكسبتني مجموعة من الأصدقاء على رأسهم الصديق الروحي الأب فادي تابت والصديق اليومي شارل شلالا الذي أتبادل وإياه أمورًا مشتركة كثيرة على صعيد الموسيقى التصويرية والإنتاج والإخراج، خصوصًا أنه يحضِّر مسلسلاً سيعرض قريبًا، لذلك يأتي تواصلي معه فنيًا راقيًا وأنا سعيد جدًا بذلك.لماذا لم تمتهن الغناء؟لا أتمتع بشخصية المطرب، لا بل أحسد المطربين على جرأتهم في الوقوف على المسرح أمام جمهور واسع. لدي الجرأة على التمثيل المسرحي أمام الآف المشاهدين، لكنني لا أتخيل نفسي مطربًا في أي موقع كان.والدك الشاعر يوسف الخال ووالدتك الرسامة مهى بيرقدار، ما تأثير هذه النشأة الأدبية والفنية على تكوين شخصيتك؟فنّي استمرارية للجو العائلي الذي ولدت فيه، فكل ما يحيط بي يدور في فلك الفن لذلك انحرفت إيجابيًا نحو هذه المهنة. أحببت الرسم وتخصصت في «الغرافيكس» فجاء التمثيل صدفة وتجربة انجذبت اليها فتدرجت وتدربت وتعذبت وطمحت، واصطدمت بواقع المهنة في لبنان. إنما أنا متأكد أنني اخترت قناعتي، والحمد لله أنني نجحت فيها. وتبقى حربي المعنوية في تحقيق الاستمرارية.ألم ترث موهبة الكتابة الشعرية؟أحتفظ ببعض الخواطر التي كتبتها في سن المراهقة، لكنني لا أكتب راهنًا بل استمتع بقراءة الشعر والاستماع الى الأمسيات الشعرية. الى ذلك، تأثرت كثيرًا بطريقة تمثيل شقيقتي ورد، وبنمط عيشها غير الروتيني.نلاحظ أن ثمة رابطًا قويًا يجمعك بورد؟ثمة تنسيق فكري بيننا واستشارة متبادلة دائمة لبعض الأمور، فهي لديها خبرتها الواسعة في التمثيل وعلاقاتها في الدول العربية عموماً ولبنان خصوصاً، إضافة إلى انتشارها الواسع، وأنا بدأت أحقق ذلك تدريجًا، لذلك نتبادل الآراء حول الأمور المختلفة.ما رأيك بالمستوى الأدبي في العالم العربي؟عاطل جدًا، أين هي فترة الخمسينيات والستينيات ومجلة «شعر» التي أسسها والدي والتي سببت ثورة شعرية في العالم العربي؟ وأين هي الصالونات الأدبية والأمسيات الشعرية والسجال بين المدارس الفكرية؟ أصبح كل شيء استهلاكيًا وتجاريًا في ظل تسليط الإعلام الضوء، ربما عن جهل، على الفنانين غير الكفوئين والأماكن غير الصحيحة. للأسف، يتمحور كل شيء حول السياسة وأصبح البحث عن المعلومات أسهل بكثير بوجود الإنترنت، بينما كنا سابقاً نقرأ عشرات الكتب ونقوم بأبحاث معمقة وكثيرة لاستخلاص فكرة ما والاقتناع بها. عموماً، التكنولوجيا تفكر عن الإنسان، ما سبب كسلاً فكريًا يحول دون ابتكار الأفكار الجديدة.ماذا عن تطوير مهنة التمثيل في لبنان؟نحتاج الى دولة، فلا شيء يسير طبيعيًا في لبنان، لا المجتمع ولا الأمن ولا الاقتصاد ولا حتى الوطن، فهو ليس دويلة في دولة، وإنما دويلات ومحسوبيات، فكل من يعرف مسؤولاً في الدولة يصبح هو الدولة بحد ذاتها. أرى أن سبب عدم دوران عجلة المهنة غياب التنظيم وليس افتقارنا إلى الكفاية والأفكار والكتاب والممثلين والمخرجين، لذلك نحتاج الى دولة تنظم قانون المهنة وتفرض ساعات الدراما اللبنانية على المحطات كلها، وتدعم شركات الإنتاج في شكل يؤمن فرص عمل أكثر للممثلين ويرفع الأجور.والدراما الراهنة، كيف تنظر إليها؟عاشت استقرارًا لفترة محددة، لكنها تحسنت في العامين الأخيرين، والدليل على ذلك أننا أصبحنا نرى ممثلاً على غلاف المجلات بدلاً من المطرب، فأصبح له حضوره ووقعه الاجتماعي في الحفلات والمهرجانات، ما يؤكد أن الدراما حاجة للمجتمع ورسالة موجهة الى الناس وليست للترفيه التلفزيوني فحسب، بل هي تجارة مربحة للمحطات أيضًا. لذلك نحتاج الى دعم مادي لنتمكن من تقديم إنتاج أفضل يخولنا تسويق أعمالنا في الخارج. عموماً، أشعر أن «هزة إيجابية» في طريقها إلينا سيليها بركان درامي لصالح الجميع، ما يؤدي الى إنتاج لبناني لافت، فتسعى السوق العربية إلينا بدلاً من أن نسعى نحن اليها.ذكرت المشكلات التي يعاني منها لبنان، لماذا لا تعالج الدراما اللبنانية هذا الواقع؟فعلاً مهمة الدراما إظهار بعض زوايا المجتمع، لكن الرقابة في لبنان لا تفسح المجال أمام تقديم الوقائع كما هي والتحدث عن الفساد مثلاً أو المخدرات في شكل مباشر، وتسمية الأمور بأسمائها والغوص في معالجة الموضوع.حدثنا عن دورك في فيلم «جنوب السماء»؟هذا الفيلم ليس وثائقيًا عن «حزب الله»، بل يهدف الى إظهار الدمار والمعاناة الإنسانية التي أحدثها العدوان الإسرائيلي على لبنان في يوليو (تموز) 2006، أؤدي فيه دور المقاوم في الحزب لذلك أرى أن مشاركتي فيه نوع من المقاومة وتعبير عن موقفي الرافض للحروب والظلم والألة العسكرية في مقابل البشر.أفلام سينمائية عدة عالجت حروبًا أهلية وغير أهلية في لبنان، فتعرضت للانتقاد الشديد والتسييس، فيما أن أفلاماً عدة تناولت «حزب الله» لم تتعرض للانتقاد ذاته، ما رأيك؟والدتي السنية من الشام ووالدي البروتستانتي تزوجا مدنيًا، وأنا تعمّدت في الكنسية المارونية، لذلك لست معقدًا فكريًا ولا متطرفًا دينيًا، فقد ولدت في منزل متشعّب ثقافيًا ودينيًا. والتسييس الذي تتحدثين عنه، يؤكد أن لبنان فكرة لن تتحقق، وأرى أن مصيبته هي التعددية، التي لا أعتبرها غنى فكريًا وديمقراطيًا كما يقول البعض. يجب أن يعترف اللبنانيون جميعهم أن «لبنان الرسالة» قد فشل وأن شعارات العيش المشترك والمحبة أكاذيب...ماذا عن دورك في مسلسل «هروب»؟يتحدث المسلسل عن علاقة حب بين الممثلة كارمن لبس، التي تكبرني سنًا، وبيني. الفكرة ليست جديدة وإنما مضمون القصة يختلف عن غيره والمعالجة أيضاً.بالنسبة إلى كارمن، هي صديقة العائلة فنيًا واجتماعيًا وأنا افتخر بذلك. وهي ممثلة محترفة الى أبعد الحدود وتشارك زملاءها القلق المهني نفسه. وأرى أن الأداء أمام ممثل قوي يستفزّني لتقديم الأفضل، وكذلك بالنسبة اليها، هكذا حصل هذا الصراع الإيجابي بيننا الذي أدى الى مشهدية رائعة.تطغى كاتبات الدراما أمثال مهى بيرقدار وكلوديا مرشليان ومنى طايع وأخيرًا ريتا برصونا على حضور الكتاب، فكيف ترى النَفَس النسائي في الدراما؟بغض النظر عن كون مهى بيرقدار والدتي، فهي شاعرة وكاتبة في آن، بالتالي لا يمكن تشبيهها أو مقارنتها بغيرها من كاتبات، لأن أسلوبها مختلف عن أسلوبهن. فكثر منهن يتوجهن الى الشريحة الأوسع من المجتمع، أمَّا والدتي فتكتب إلى من يشاطرها إحساسها ويقترب من أسلوبها.بالنسبة إلى غيرها من كاتبات، ما من شك في أنهن جميعًا قويات في حبْك القصة، خصوصًا كلوديا مرشليان، فيما تحمل منى طايع راية المرأة وتدافع عن حقوقها، علمًا أن للرجل معاناته أيضًا.وأسلوب من تفضل؟أميل الى الدراما العميقة والموجهة التي تحمل رسالة معينة، وهي الدراما بنَفَس مهى بيرقدار وأسلوبها ونفحة كتابتها القريبة من الواقع على صعيد المعنى والمعاناة الإنسانية... ذلك كله يشكّل الموقف والكلام الجميل والجمالية في النص والحوار واختلاف الحب من قصة الى أخرى ومعالجته بعمق، انطلاقًا من تجربة مهى في الحياة.
توابل
يوسف الخال: خرجت من صورة الشاب الرومانسي
26-09-2011