إن لم يكن الشعر يعادل المجاز، فلا نصّ شعرياً يستغني عن خيال يجود ببعض لغة خاصة يستوطن اللغة العامة. فالمجاز يفتح صدر اللغة على الإيحاء، ويفتح شرايينها لهواء يعيد صياغة الدم فيها. إلا أنّ السوريالية اتّخذت المجاز ممحاة لكلّ الأبواب التي تسمح باصطياد المعنى في القصيدة وتركت للمتلقّي أن يصنع أبوابه ويقود مياه المعاني إلى الطواحين التي يشاء. ولا تزال ظلال السوريالية تقيم بسلام في معظم نصوص الحداثة الشعريّة العربيّة. في ديوانه الأوّل «موت لا يؤلم»، يعلن الشاعر السعودي راضي العلجاني انتماءه إلى الحداثة.

يبدو الإهداء في {موت لا يؤلم} لافتاً بكلّ ما فيه من بعد حضاري وإنساني: «إلى القطة السوداء التي دهستها في العام 1997 وماتت مباشرة دون أن تفكّر لحظة في حجم الألم الذي سيرافقني بقيّة العمر»، ويأتي امتداداً للعنوان فيغدو الموت باباً إلى نصوص الكتاب المتّسعة لألم ليس بريئاً من الموت، والموت لا يمكن أن يكون نظيفاً من الألم.

Ad

يحاول العلجاني أن يكون قريباً قدر المستطاع من الحياة اليومية، ويحمل العادي فيها ما يفخّخ عاديّته ويعطّل مألوفيّته فلا يسعى إلى خيال شعريّ لا تكرّسه نشاطات الحياة اليومية البسيطة: «عادة/ وقبل أن أستحمّ بماء بارد/ أضع ظلالي في كيس بلاستيك، لكي لا تبتلّ...»، هكذا يصير الماء الهشّ، الهزيل، النازل من حنفيّة، لا المتدفّق من شلال عملاق ولا المالئ صدر موجة في محيط، قادراً على محو ظلّ إنسان يشعر بهشاشة وجوده، وربّما بهشاشة الوجود كلّه، لكنّ التعارض سرعان ما يظهر، فالمستحمّ الخائف على ظلّه من الماء، حدث أن حاول إغراقه في النهر: «فأنا ما زلت أتذكّر جيّداً كيف طفت بقعة زيت عملاقة/ لما حاولت إغراق ظلّي في النهر». ومن الماء ينتقل الحائر في ظلّه إلى النار، بلا أيّ رابط أو مبرّر: «... أحكّ رأسي بعود ثقاب عجوز/ لإشعال فكرة بكر»، فالتعبير على بساطته يحمل التعارض أيضاً بين الشيخوخة الذكورية والبكارة الأنثوية، وهذا «العود» ليس بعيداً من الرجل العربيّ الذي لا يزال أسير الخيمة، وهذه «الفكرة البكر» تحتضن بقوة المرأة العربية التي اكتفى عمر بن أبي ربيعة بأن أحبّته هي: «قالت الصغرى وقد تيّمتها/ قد عرفناه وهل يخفى القمر؟». وما يساعد على هذا التأويل المقطع الثالث والأخير من النصّ: «أتظاهر بأنّ حجرتي واسعة... واسعة جدا/ أرتمي على سرير يتّسع لاثنين وحدي»، وكأنّ الفكرة البكر تعويض أو بديل من المرأة التي تنتمي إلى البال والقلب والحنين والمحبرة، إلا أنّها تخطئ دائماً الوصول إلى السرير.

لا يكتفي العلجاني بمحاولة التخلّص من ظلّه لينجو من الوجود، فهو يريد النجاة أيضاً من شبكة الصداقة التي قد تكون اصطادته من بحر مرّ إلى بحر أمرّ: «أحشو المسدّس بالكثير من أصدقائي القدامى.../ أطلق النار مرات عديدة/ أتخلّص من أصدقائي وأعود». يعذِّب الحبُّ صاحبَه ويضطهده، كما يتجلّى في نصّ «نيران صديقة»، والصديق يحتاج أحياناً إلى التحرّر من كثافة المحبة المرهقة، فالمحبة، قد تكون قيداً، وإن اختير اختياراً، وفي شهيّة التخلّص من الأصدقاء توق إلى حرية ووجود آخر، كالتوق إلى التخلّص من الظلّ الذي هو أحد أشكال الأسر ولو كان شكلاً من أشكال إثبات الوجود والشعور بعدم الضآلة... ويغرق العلجاني، في أكثر من نصّ، في واقعية أشياء الحياة اليومية وماديتها. فيسيء إلى الومضة الشعرية التي تحاول الكلمة اجتراحها، كما في «نصّ كارتوني»، حيث تحضر مفردات لا يمكن أن يتّسع لها نصّ شعري بكثافتها: «ابنتي تتصور/ أن نهار الشتاء ثوب قصير/ ... كما أنّها تدّعي قدرتها على رؤية الأشعة/ الملوّنة المنبعثة من جهاز الريموت كونترول/ ... تعتقد أن إشارات التقاط الفضائيات والجوال/ من الممكن أن تجعلنا نتصرّف كشاشة عرض/ أو سمّاعة...». لا شكّ في أنّ الشعر يستطيع تبنّي الحياة، ويجب ألا يكون غريباً عن إيقاعها، لكن جعله صندوقاً لأشياء حياتنا اليومية ومفرداتها على اختلافها، يمنعه من أن يبلغ ذاته، ويصادر فيه المساحات المخصّصة للإيحاء والدهشة، والعلجاني مصرّ على تبنّي الحياة شعرياً بكلّ ما فيها غير منتبه، ربما، إلى أن دليل استخدام الريموت كونترول، على سبيل المثال، لا يمكن تعديله ليصير قصيدة، وقد تكون حياة القصيدة أو موتها مرتبطين إلى حدّ بعيد باختيار قاموسها.

ينجح العلجاني حين يتنازل لصالح الوضوح الموحي، فيؤدي جملة طاعنة في الإيحاء والشعرية: «أنحل.../ فأترك للدنيا/ فسحة من فضاء تتمدّد فيه». وليته يكتفي بمثل هذا الكلام نصاً قصيراً، إلا أنه يكمل ولا يصل إلى كلام بمستوى الكلام السابق. وأحياناً يؤدي نصاً قصيراً جداً ليس فيه ما يملأه كأن يقول على سبيل المثال: «قبل اعتزالها الرسم/ حاولت رسم ابتسامة على وجهي!». وأعتقد أن الفارق يجب أن يكون واضحاً، بين الكلام الجميل أو المقبول، وبين الشعر. وحاول العلجاني أن يقدّم «أبراجاً» شعرية فمضى من برج الحمل إلى برج الحوت، غير أنه لم يوفَّق كثيراً في جعل هذه الأبراج تحظى بالارتفاع الشعري كأن يقول مثلاً، تحت عنوان «القوس»: ... فكّر في أن تكون مسدس ماء من باب التمويه»، وتحت عنوان «الدلو»: المشي لساعات طويلة حافي القدمين قد يعرّضك لثقب ما... ابتعد عن الأرضيات المفروشة بالمسامير، ومناطق إطلاق الرصاص العشوائي»... في «أبراج» العلجاني نثرية ذات رمزية جافة، وثرثرة لغوية باردة تجعلنا نسأل أنفسنا: ما هو الشعر؟ وما هو الحدّ الفاصل بين الشعر والنثر؟ بينما نرى العلجاني في قصيدة «امرأة الثلج» يتصالح مع الوضوح ويتيح لقارئه أن يقاسمه مساحة شعور مشتركة: «رجل الثلج الحزين/... نسوا أن يضعوا له امرأة/ من ثلج/ تشاركه القدر ذاته من الصقيع». وفي هذا السياق تندرج نصوص عدة، ومنها «تخاطر»: «ما أحسّت الأرض/ بوقوع نملة من أعلى دور.../ لكن نملة أخرى أحسّت وهي في مكان آخر».

نعم، كلّنا نشعر بوقوع نملة العلجاني، وكلّنا النملة في المكان الآخر، أو بالأحرى كلّنا النملة الواقعة... غير أنّ الشاعر يبخل في نصوص كثيرة على المتلقّي ويحتكر مساحة الشعور والتأثّر لنفسه، وهذا التفاوت بين نصّ وآخر على مستوى الوضوح والغموض لافت، ويعني أنّ الشاعر قادر، إن شاء، على منح قارئه خارطة الطريق إلى عالم معانيه ومشاعره وجمالاته.

من حقّ العلجاني أن يسلك الطريق الشعري الذي يختار، غير أن قارئه يصل إليه بسهولة وفرح حين يجد أبواباً نصّية تساعده على أن يكون شريكاً لصاحب النصّ في المتعة والألم والجمال، فلعلّ شاعر «موت لا يؤلم» يجعل ديوانه الثاني ذا أبواب كثيرة.